كيف شلّت العقوبات الأميركية حياة الإيرانيين — ترامب يقول إنه يريد «المساعدة»

تتدفق الاحتجاجات في شوارع ايران منذ أواخر الشهر الماضي، وبينما تحوّل الاضطراب الشعبي إلى تحدٍّ واسع للنخبة الحاكمة، هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدخّل عسكري معلناً أنه يسعى إلى «مساعدة» المتظاهرين. ونشر ترامب على منصته «تروث سوشيال»: «إيران تطالع الحرية، ربما كما لم يحدث من قبل. الولايات المتحدة جاهزة للمساعدة!!!»، وهو ما كرّره لاحقاً في تصريحات عامة أخرى.

لكن ما يغيب عن هذا الخطاب هو عنصر أساسي: عقود من العقوبات التي قادتها واشنطن، وبعضها تشدّد خلال عهد ترامب، أسهمت بشكل جوهري في تدهور الاقتصاد الإيراني الذي كان الشرارة الأساسية لموجة الاحتجاجات الحالية. فيما يلي تفصيل لتأثير العقوبات الأمريكية على إيران وهل كانت سياساتها «مساعدة» للشعب أم لا.

ما الذي يحدث في إيران؟
الاحتجاجات انطلقت من بازار طهران الكبير في 28 ديسمبر 2025 بعد هبوط حاد في سعر صرف الريال مقابل الدولار، فُرِضت إضرابات تجارية وغلق متاجر احتجاجاً على تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. امتدّت الحركة إلى محافظات أخرى وتحولت إلى تحدٍ سياسي أوسع.

بحلول يوم الاثنين كان سعر الصرف يتداول بأكثر من 1.4 مليون ريال للدولار، مقارنة بنحو 700 ألف في يناير 2025 وحوالي 900 ألف في منتصف 2025. أدى انهيار العملة إلى تسارع التضخم، مع ارتفاع أسعار الغذاء بنحو 72% في المتوسط عن العام السابق.

ما هي العقوبات الأميركية على إيران؟
إيران من بين الدول الأكثر تعرضاً للعقوبات عالمياً. بدأت العقوبات الأمريكية منذ أزمة الرهائن في 1979، حين قطعت واشنطن واردات النفط المجريّة من طهران وجمّدت أصولاً إيرانية تقدر بـ12 مليار دولار، وفرضت قيوداً واسعة على التجارة.

في التسعينيات أصدر الرئيس بيل كلينتون أوامر تنفيذية تمنع الشركات الأمريكية من الاستثمار والتجارة في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين، وتبعت ذلك قوانين تجبر واشنطن على معاقبة شركات أجنبية تستثمر بكثافة في طاقة إيران. في 2006 فرض مجلس الأمن عقوبات على المواد والتكنولوجيا المتعلقة بالبرنامج النووي، فيما تزايدت القيود الدولية لاحقاً.

يقرأ  الجهات الرقابية الهندية تطالب «إير إنديا» بفحص نظام الطاقة الطارئة في بعض طائرات بوينغ 787

في 2015 أبرمت إيران اتفاقاً نووياً (خطة العمل الشاملة المشتركة) مع القوى الكبرى، الذي قيد تخصيب اليورانيوم في مواقع معينة مقابل رفع كامل للعقوبات. لكن في 2018 أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وأعاد فرض معظم العقوبات التي رُفعت، ثم صعّد حصاره الاقتصادي منذ 2019 بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية وفرض قيود على قطاعات صناعية واسعة. في 2020 اغتالت الولايات المتحدة قاسم سليماني في ضربة بطائرة مسيّرة بالعراق، تلاها مزيد من العقوبات. أبقت الادارة بايدن معظم القيود قائمة خلال 2021–2025، وفي سبتمبر 2025 عادت عقوبات أممية إثر رفض مجلس الأمن رفع الإعفاءات الاقتصادية نهائياً.

كيف أثّرت هذه العقوبات على إيران؟
الدخل: انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إيران من أكثر من 8 آلاف دولار في 2012 إلى نحو 6 آلاف في 2017، وإلى ما يزيد قليلاً على 5 آلاف في 2024 (بيانات البنك الدولي). كانت أعنف الفترات مع إعادة تشديد العقوبات بعد 2018، ما قلّص صادرات النفط والوصول إلى الأسواق المالية العالمية.

نفط وصادرات: تقلّصت صادرات النفط 60–80% بعد عودة العقوبات، وحرمت الحكومة من مليارات الدولارات سنوياً. كانت إيران تصدر نحو 2.2 مليون برميل يومياً في 2011، وهبطت إلى نحو 400 ألف برميل يومياً في 2020 قبل أن تتعافى إلى نحو 1.5 مليون في 2025، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل 2018.

انهيار العملة: انهار الريال، ما رفع تكلفة الاستيراد وزاد التضخم وفكّك ثقة المستثمرين. وسدّت العقوبات قنوات الحصول على الدولار من الأسواق المالية مما حدّ من قدرة البلاد على التجارة الدولية.

الطيران: من القطاعات الأكثر تضرراً قطاع الطيران، إذ منعت القيود استيراد طائرات جديدة وقطع غيار، وسجّلت إيران موجة من حوادث الطائرات عبر عقود أدت إلى مقتل الآلاف بين 1979 و2023 وفق سجلات حوادث.

يقرأ  إسرائيل تعترض صاروخًا أُطلق من اليمن

الفساد واقتصاد العقوبات: شكّلت القيود فرصاً للفساد وظهور اقتصاد ظلّ ترتكز فيه الصفقات على وسطاء وشركات واجهة وأساطيل شبه سرية. أدت هذه الشبكات إلى تفشّي ممارسات تقلّص شفافية التجارة وتزيد من تكاليف الوصول إلى السلع الأساسية. كما لاحظت باحثة في أكسفورد، أن من استفادوا غالباً هم النخبة الفاسدة التي امتصّت موارد الاقتصاد.

كيف يؤثر ذلك على الناس؟
دفعت العقوبات الطبقة الوسطى والشرائح الشعبية الثمن الأكبر. دراسة استخدمت نموذج «إيران الافتراضية» بين 2012 و2019 أظهرت تقلصاً كبيراً في حجم الطبقة الوسطى: فارقاً يقارب 17 نقطة مئوية بين الحجم المحتمل والحقيقي منذ 2012، وزاد هذا الفارق إلى 28 نقطة بعد حملة الضغوط القصوى. قال الباحث محمد رضا فرزانجان إن الانهيار في قيمة الريال قضى على القدرة الشرائية للموظفين ذوي الأجور الثابتة مثل المعلمين والموظفين الحكوميين، ودفع كثيرين إلى فئة «الفقير العامل».

أضعف سوق العمل الرسمي أدّى إلى انتقال واسع إلى أعمال غير رسمية و«عمالة معرضة» بأجور أقلّ وبدون حماية اجتماعية. أظهرت أبحاث أخرى أن العقوبات مرتبطة بانخفاض متوسّط في متوسط العمر المتوقع بنحو 1.2–1.4 سنة، مع تأثير أشد على النساء.

كما سبّبت العقوبات اضطراباً في استيراد الأدوية الأساسية، مع ارتفاعات أسعار وصلت أحياناً إلى 300% لأدوية ضرورية مثل مضادات التشنّج. وأثّرت القيود سلباً أيضاً على البيئة: أعاقت اعتماد معايير وقود أنظف وإبداع تقنيات خضراء، ما زاد من تلوّث الهواء في مدن مثل طهران وأثر سلباً على القدرات المعرفية للأطفال.

الخلاصة
تاريخ التدخّل والعقوبات الأمريكية على إيران يوضح أن مزاعم «المساعدة» العسكرية أو السياسية لا تقف بمقابل آثار طويلة الأمد تضرّ بالاقتصاد والمعيشة العامة. تأثير العقوبات امتدّ إلى العملة والدخل والصحة والبيئة، فكان لها دور مركزي في الأزمة التي أشعلت موجة الاحتجاجات.

يقرأ  أغنية الجدول الدوريأفكار لفيديوهات ودروس تعليمية

أضف تعليق