يلتقي دونالد ترامب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يوم الثلاثاء، في خطوة تأتي بعد عام من تبادل الإهانات والتهديدات على خلفية سياسات إدارة ترامب الخارجية العدوانية في أمريكا اللاتينية وحملة بوغوتا ضد المخدرات. زيارة بيترو الى البيت الأبيض في واشنطن دي سي في الثالث من فبراير تزامنت مع تصاعد التوترات بعد اقتحام مسلح خاطف للعاصمة كاراكاس واعتقال أو اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل شهر من الموعد.
الغرض المرجح من الزيارة هو تهدئة الخلافات الدبلوماسية بين كولومبيا والولايات المتحدة، والتي دخلت مرحلة من الفوضى منذ بدء ولاية ترامب الثانية في العام الماضي. بيترو، الزعيم اليساري البالغ من العمر 65 عاماً، معروف بانتقاداته الحادة لسياسات ترامب الخارجية وللعمليات العسكرية الأخيرة في البحر الكاريبي، إضافة إلى معارضته للحرب الإسرائيلية على غزة — قضية حساسة بالنسبة للرئيس الأميركي. تصاعدت الحدة مؤخراً حين هدد ترامب باستهداف كولومبيا عسكرياً متّهماً إياها بـ«إغراق» الأسواق الأميركية بالمخدرات.
الخلفية التاريخية والعلاقات الثنائية
– بعد استقلال كولومبيا عن إسبانيا عام 1819، كانت الولايات المتحدة من أوائل الدول التي اعترفت باستقلالها في 1822 وأقامت بعثة دبلوماسية عام 1823. وفي العام التالي، وقّعت الدولتان سلسلة معاهدات تتعلق بالسلام والملاحة والتجارة، وفقاً لأرشيفات الحكومة الأميركية.
– التعاون بين البلدين امتد في مجالات الأمن والاقتصاد على نحو مستمر، إلا أنه تعرّض لانتكاسات متكررة بفعل صراعات جيوسياسية وأزمات داخلية، لا سيما خلال الحرب الباردة وفي سياق حرب كولومبيا ضد تجارة المخدرات.
محطات بارزة عبر التاريخ
1) مصالح تجارية مهددة
في أواخر عشرينيات القرن العشرين كانت شركات أميركية تعمل في كولومبيا، وعندما احتجّ عمال محليون لدى شركة الفواكه المتحدة على ظروف عملهم، تصاعدت الانتقادات لدور واشنطن المتنامي في أمريكا اللاتينية. تعرف هذه الحقبة لدى المؤرخين بفترة «حروب الموز»، ورافقها تدخل عسكري أميركي متكرر في منطقتنا سعياً لحماية المصالح الاقتصادية حتى بروز سياسة الجار الصالح على يد الرئيس فرانكلين روزفلت.
2) بروز الفارك وتعمّق العلاقات الأمنية
تعمّقت العلاقات الأمنية خلال الحرب العالمية الثانية، إذ عرضت كولومبيا أراضيها لقاعدة جوية وبحرية أميركية في 1943، وقدمت واشنطن برامج تدريب للقوات الكولومبية. ومع تصاعد العنف الداخلي في الفترة التي أعقبت منتصف القرن العشرين نشأت عدة مجموعات مسلحة غير نظامية، ورغم تعدد السياقات التاريخية، يرى البعض أن جذور الفارك تعود إلى تلك المرحل. اتبعت الولايات المتحدة سياسات لدعم قدرات الدفاع المدني، فيما وصفت واشنطن الفارك منظمة «إرهابية» وحوّلت جهودها نحو تقويض نفوذها. وقّعت الفارك اتفاق سلام مع الحكومة عام 2016، وأُزيلت عن قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية لدى الولايات المتحدة في 2021.
3) حرب المخدرات
مع بروز فِرق مثل كارتل ميديلين وكارتل كالي، ازداد تهريب الحشيش والكوكايين إلى الولايات المتحدة بانتظام. أنفقت واشنطن أكثر من عشرة مليارات دولار بين 1999 و2018 على جهود مكافحة المخدرات والدعم الأمني للكولومبيين، وفق تقارير رقابية أميركية. سعت إدارات متعاقبة، من ضمنها كلينتون وبوش، إلى تقويض شبكات التهريب، وتجفيف منابع زراعة الكوكا ودعم بدائل معيشية للمزارعين. في ولايته الأولى أعاد ترامب تأكيد مبادرات مكافحة المخدرات لكنه هدد أيضاً بإلغاء تصنيف كولومبيا كشريك متعاون إن لم تتخذ إجراءات صارمة. تحت إدارة بايدن هدأت التوترات نسبياً، وتم تصنيف كولومبيا حليفاً مهماً غير عضو في الناتو عام 2022. اليوم تعمل عصابات المخدرات بطرق لامركزية، وبعضها صنّفته واشنطن كمنظمات إرهابية؛ ففي ديسمبر 2025 أدرجت إدارة ترامب «عصابة الخليج» كإحدى أكبر مجموعات السلاح غير القانونية في كولومبيا واعتبرتها منظمة إرهابية.
ولاية ترامب الثانية وتأثيرها الإقليمي
فوز بيترو عام 2022 كرئيس يساري حمل وعوداً بإعادة توجيه كولومبيا نحو سياسات أكثر عدلاً واستدامة بيئية. لكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 أعادت نفخ جذوة الخلافات. صار بيترو ناقداً علنياً لسياسات ترامب، وارتفعت حدة الصراع العام الماضي مع شنّ الإدارة الأميركية ضربات عسكرية على زوارق فنزويلية في مناطق الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي بذريعة أنها تحمل مخدرات؛ ضربات أُعلنت عنها واشنطن لعشرات القوارب رغم عدم تقديم أدلة دامغة على وقوع عمليات تهريب مؤكّدة.
خلاصة
اللقاء المرتقب بين ترامب وبيترو يشكل امتحاناً لدينامية علاقة تاريخية طُبعت بالتعاون والاحتكاك على حد سواء: تعاون أمني واقتصادي ممتد، ومخاوف متجددة حول السيادة، التجارة بالمخدرات، والتدخلات العسكرية. نجاح الزيارة سيعتمد على قدرة الطرفين على ترجمة المصالح المشتركة إلى تفاهم عملي يحترم حساسية السياسات الداخلية لكلا البلدين ويعالج ملفات الأمن والعدالة الاجتماعية بكيفية تقلل من التصعيد المستقبلي. وصف بيترو العدوان بأنه «عمل طغيان». وخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 قائلاً إنه «يجب فتح إجراءات جنائية ضد هؤلاء المسؤولين من الولايات المتحدة، حتى لو شمل ذلك صاحب أعلى رتبة أصدر الأمر: الرئيس ترامب»، في إشارة إلى ضربات القوارب.
في كلمة أمام الجمعية انتقد بيترو أيضاً الحرب الإسرائيلية على غزة ودعا القواات الأمريكية إلى «عصيان أوامر ترامب» و«الامتثال لأمر الإنسانية».
سحبت واشنطن تأشيرة بيترو الأمريكية بعد أن شارك في مسيرة مؤيدة للفلسطينيين خارج مقر الجمعية العامة في نيويورك. وبعد أسابيع فرضت إدارة ترامب عقوبات على الرئيس الكولومبي، الذي من المقرر أن يغادر منصبه بعد الانتخابات الرئاسية في مايو.
في منشور على منصته «تروث سوشيال» في أكتوبر قال ترامب إن بيترو «لا يفعل شيئاً» لوقف إنتاج المخدرات في بلده، ولذلك لن تقدم الولايات المتحدة بعد الآن «مدفوعات أو دعمًا» لكولمبيا.
بعد وقت قصير من تنفيذ اختطاف مادورو في فنزويلا صرح ترامب للصحفيين على متن رحلة الرئاسة أن كل من فنزويلا وكولومبيا «مريضتان جداً»، وأن الحكومة في بوغوتا تُدار على يد «رجل مريض يحب صناعة الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة». وأضاف: «ولن يطيل في ذلك الأمر، دعوني أخبركم».
وعندما سئل إن كان يقصد بعباراته عملية أمريكية تستهدف كولومبيا أجاب ترامب: «يبدو ذلك جيداً بالنسبة لي».
وردّاً على هذه التصريحات، تعهد بيترو بالدفاع عن بلاده قائلاً إنه «سيمتطي السلاح» من أجل وطنه. ومع ذلك، وفي مقابلة مع قناة الجزيرة في 9 يناير، قال بيترو إن حكومته تسعى للحفاظ على التعاون مع واشنطن في مكافحة المخدرات، متبنياً نبرة أكثر تلييناً بعد أيام من تراشق الخطاب التصعيدي.