بيروت، لبنان — توصلت الحكومتان اللبنانية والسورية إلى اتفاق يقضي بإعادة نحو 300 سجين سوري محتجزين في السجون اللبنانية إلى بلادهم خلال الأشهر المقبلة، في خطوة قد تفسح المجال لتحسّن تدريجي في العلاقات بين الجارين.
قضية المعتقلين السوريين في لبنان باتت أولوية للسلطات في دمشق منذ سقوط نظام بشار الاسد في ديسمبر 2024. العلاقات بين البلدين حُفرت بتاريخ طويل من التوتر والوصاية، وفقًا لوجهة نظر كثير من اللبنانيين، الذين يشيرون إلى عقود من التدخّل السوري المباشر وغير المباشر حتى انسحاب القوات السورية عام 2005.
قصص موصى بها
يُعتقد أن نحو 2400 سجين سوري يقبعون اليوم في السجون اللبنانية؛ بعضهم ملاحق بتهم تتعلق بـ«الإرهاب» أو بصلات بهجمات استهدفت الجيش اللبناني، غير أن الغالبية لم تُحاكم على نحو فعلي رغم سنوات الاحتجاز، بسبب تراكم مشكلات قانونية وسياسية تشمل جمودًا سياسيًا، وإضرابات قضائية، ولامبالاة مؤسسية.
رغم أن الاتفاق الذي جرى توقيعه يوم الجمعة قد يشير إلى بداية علاقة جديدة مبنية على احترام متبادل بدلًا من هيمنة مباشرة أو غير مباشرة، إلا أنه لم يخلُ من جدل علني. في العيون السورية، يُنظر إلى كثير من المعتقلين بوصفهم سجناء لأسباب سياسية أكثر منها قضائية؛ وتقول الحكومة السورية برئاسة أحمد الشراع إن هؤلاء احتُجزوا بفعل نفوذ النظام السابق وحلفائه في لبنان.
في المقابل، يرى كثير من اللبنانيين أن من وُجهت إليهم تهم بالاعتداء على القوى المسلحة اللبنانية لا ينبغي إطلاق سراحهم.
«لطالما أصر لبنان على أن أي شخص — سوريًا كان أم غير ذلك — متهم بارتكاب جرائم خطيرة ضد الجيش اللبناني لا يجوز تسليمه»، قال ديفيد وود، كبير محللي شؤون لبنان في مجموعة الأزمات الدولية، لقناة الجزيرة. «وقد كان ذلك أحد العقبات الرئيسة أمام حل هذه الاتفاقية حتى الآن.»
سجناء سياسيون؟
تتميز العلاقات اللبنانية ــ السورية بطابع معقّد. خضعت لبنان لسيطرة قوات سورية عسكرية وسياسية طوال حقبة حكم حافظ الأسد، ثم في عهد ابنه، حتى انسحاب القوات في 2005. وحتى بعد ذلك، احتفظت دمشق بنفوذ في لبنان عبر حلفائها، لا سيما جماعة حزب الله.
مع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011 وقمعها من قبل نظام بشار الأسد، صار الشريط الحدودي مع لبنان مسرحًا لحركة مرور مكثفة للناس — مقاتلين ولاجئين — وللسلاح والمخدّرات. أثر الصراع السوري على لبنان بشكل مباشر وظهر في اشتباكات طرابلس الشمالية، ومعركة عبرا التي تورط فيها الشيخ المتشدد أحمد الأسير، واشتباكات مع تنظيمات متطرّفة مثل «داعش» وفصائل مرتبطة بالقاعدة، إضافة إلى هجمات استهدفت الضواحي الجنوبية لبيروت.
في تلك السنوات قُبض على مئات السوريين من قبل السلطات اللبنانية وُحشروا في سجون مكتظة. ومع سقوط نظام الأسد، سعت الحكومة السورية الجديدة سريعًا لإعادة تعريف علاقتها بلبنان على قواعد «احترام متبادل ومصالح مشتركة»، وكانت من أولويات دمشق ترسيم الحدود والتعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب إعادة رعاياها المحتجزين في لبنان.
«الاتهام من منظور دمشق في كثير من الحالات سياسي، وبشكل خاص بسبب تصوّر وجود صلات بين المعتقلين وجماعات عارضت النظام السابق لبشار الأسد»، قال وود، مضيفًا أن دمشق ترى أن حلفاء الأسد في لبنان مؤامَروا لضمان إساءة معاملة هؤلاء واحتجازهم في لبنان.
وبمقتضى هذه المنطق، فإن سقوط الأسد وتراجع نفوذ حزب الله بعد حرب إسرائيل على لبنان في 2024 جعلت من المتوقع بالنسبة إلى دمشق أن يُنظر إلى هؤلاء السجناء كمرشحين للإطلاق أو لإعادتهم إلى سوريا.
لكن كثيرًا من اللبنانيين لا يحرزون على هذا الطرح ويعتبرون المسألة مسألة رمادية؛ فحتى إن خاض بعض المعتقلين مواجهات ضد حزب الله سابقًا، فقد كان ذلك في سياق تعاون الحزب مع الجيش اللبناني، وبالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع اللبناني تُعدّ مسألة القتال ضد الجيش «خطًا أحمر».
خطوة مهمة
وقّع الاتفاق يوم الجمعة بحضور عدد من الوزراء اللبنانيين بينهم رئيس الحكومة نواف سلام، ونائب رئيس الحكومة طارق متري، ووزراء عدّة من البلدين. وقال متري للصحافيين إن «هذه خطوة أولى مهمة في طريق معالجة شاملة لشأن السجناء السوريين في السجون اللبنانية».
من جهته قال وزير العدل السوري مظهر الواس: «هذه الخطوة ستعزز الثقة القائمة، ونأمل أن تتطوّر العلاقات أكثر». وينصّ الاتفاق بحسب ما أُعلن على إعادة نحو 300 سجين إلى سوريا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مع اشتراط ألا يكون السجناء المحكوم عليهم بجرائم خطيرة — كجريمة الاغتصاب أو القتل — مؤهلين إلا إذا أمضوا عشرة أعوام أو أكثر من عقوباتهم في السجون اللبنانية.
المتاجرون السياسيون والاستثناءات
لا يشمل الاتفاق المعتقلين اللبنانيين مثل أحمد الأسير. وتبقى قضايا أخرى عالقة، بينها البطء القضائي في لبنان وقضية السجناء اللبنانيين المحتجزين في سوريا. من بين 2400 سجين سوري تقريبًا يوجد فقط نحو 750 مدانين بقرارات نهائية، ما يعني أن نحو 65 في المئة من المحتجزين غير مؤهلين حاليًا لعمليات النقل.
وصف فاضل عبد الغني من الشبكة السورية لحقوق الإنسان المشكلة بأنها «مساران متوازيان». وذكر على موقعه الشخصي أن نقل المدانين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية يمكن أن يتم «على نحو سريع». لكن بالنسبة إلى الذين ما زالوا قيدالاتهام فإن المسألة أعقد، إذ لم يتفق بعد على آلية لحالة الاحتجاز قبل المحاكمة بين الجهات المعنية.
«هذه ليست قضية سورية فحسب، بل تمسّ بنية النظام الجنائي اللبناني نفسه»، كتب عبد الغني. «لذلك فإن نقل المحكومين وحده لن يحل المشكلة، لأن السبب الجذري يكمن في بطء الإجراءات وتجميع معتقلين دون محاكمة، وما يترتب على ذلك من أسئلة حول قانونية واستمرارية احتجازهم.»
وحذّر من أن هؤلاء المحتجزين قد يُستعملون أوراقًا للمساومة السياسية من قِبَل أطراف مثل حزب الله. يتهم بعض أعضاء الجماعة أو مؤيّدوها هؤلاء السجناء بتفجيرات سيارات أو بهجمات أخرى استهدفت قراهم. ورغم أن كثيراً من تلك الاعتداءات طالت مناطق شيعية حيث يسود التأييد لحزب الله، فقد تعرّضت أيضاً قرى مسيحية مثل القاع ورأس بعلبك في سهل البقاع لهجمات مماثلة.
«لا اسماء»
قال مارسيل بالوكجي، العميد السابق الذي كان يشرف على لجنة الحدود في الجيش اللبناني مع سوريا، لقناة الجزيرة إن نحو ثلاثمائة سجين مزمع نقلهم لا يشملون العديد من السجناء الأكثر تطرفاً المنسوبين إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة، والذين اعتقلتهم السلطات اللبنانية على مدار السنوات الماضية.
وأضاف بالوكجي أن قضية السجناء اللبنانيين في السجون السورية تظل مسألة بالغة الأهمية للطرف اللبناني. ففي ظل نظام الاسد اختفى قسرياً أكثر من مئة ألف شخص، من بينهم مئات وربما آلاف لبنانيين، ويعود بعضها إلى حقب متقدمة من الحرب الأهلية اللبنانية.
وقد عُثر منذ سقوط النظام على مقابر جماعية في مناطق متفرقة داخل سوريا، غير أن العمل المطلوب لتحديد هويات الجثث لا يزال هائلاً. وحتى الآن لم تُعرف هوية الغالبية العظمى منهم — لا سوريين ولا لبنانيين.
وقال بالوكجي: «لا تزال المشكلة قائمة لأن هناك حاجة إلى تبادل معلومات بين لبنان وسوريا. لا يوجد أحد هناك. معظم الجثث لم تُشخّص هوياتها بعد.»