في ظل حكم نيكولاس مادورو، ساد وضع قائم بين الفصائل المسلحة القوية في فنزويلا: خلايا شبه عسكرية كانت تفرض أولويات الحكومة. عصابات الجريمة المتوسعة، وعصابات السجون المموّلة جيداً، والمتمرّسون في القتال من المتمردين الكولومبيين كثيراً ما كانوا يتواطأون مع مسؤولين محليين أو مع الدولة الاتحادية.
لكن مع رحيل مادورو وتنافس الحلفاء والخصوم لملء الفراغ السياسي في مركز السلطة الفنزويلي، ثمة قوى — أو انشقاقات داخل تلك القوى — قد تعوق طموحات من يتقلد حكم البلاد.
صور: خوان باريتو/وكالة فرانس برس وأدريانا لويريرو فرنانديز/نيويورك تايمز
حتى الآن برزت دلسي رودريغيز، من حلفاء مادورو والتي قادت استقرار الاقتصاد الفنزويلي بعد انهيار مرعب، كخيار إدارة ترامب لقيادة البلاد. خلصت الإدارة إلى أن رودريغيز تسيطر بقوة أكبر من المعارضة السياسية على العديد من أجهز الأمن والاستخبارات في فنزويلا وعلى فروعها شبه العسكرية.
غير أن الانتقال من حكم مادورو السلطوي هو مجرد بداية. الاستثمارات الضخمة التي ستحتاجها فنزويلا لإحياء صناعة النفط الحيوية والاقتصاد الأوسع تتطلب على الأقل هيبة من الاستقرار.
وهذا يعني أن على الحكومة المركزية أن تفرض سلطتها على مناطق تهيمن عليها عصابات إجرامية مسلحة أو عناصر شبه عسكرية، وقطع مصادر دخلها من أنشطة غير قانونية، بما في ذلك الابتزاز وتهريب المخدرات والخطف. لكن ذلك قد يخلّ بتوازنات القوة التي استند إليها مادورو لترسيخ سيطرته.
قالت ريبيكا هانسون، أستاذة علم الاجتماع في جامعة فلوريدا وخبيرة بمشهد الأمن في فنزويلا، إن الحد المفاجئ من الوصول إلى الأسواق غير المشروعة ودوائر الابتزاز التي تتمتع بها المجموعات الإجرامية الآن وصفة للاضطراب.
«هذا يؤدي حتماً إلى كوكتل مثالي من تصاعد النزاع، سواء بين المجموعات الإجرامية المسلحة نفسها، أو بين هذه المجموعات والدولة»، قالت هانسون.
لا يعني الديناميكية الجديدة، بحسب خبراء الأمن، أن حرباً أهلية شاملة باتت وشيكة، لكن جيوباً من الصراع المدني قد تنشأ في ظل ظروف مختلفة. من ذلك مقاومة فصائل داخل القوات المسلحة لخضوع فنزويلا لإدارة ترامب، أو تطهير للأجهزة الأمنية والاستخباراتية على يد حكومة يقودها خصوم، مما قد يفيض البلاد بآلاف المسلحين الحاقدين.
ثمة تحديات أمنية أكثر إلحاحاً أيضاً. من ذلك قضية الكولكتيفوس، الخلايا المدنية المسلحة التي تعمل كأذرع شبه عسكرية لتطبيق سياسات الحكومة.
تعمل هذه المجموعات عادةً في المدن حيث تسيطر على مساحات صغيرة لكنها استراتيجية من الأراضي. في كراكاس، تتخذ من معاقل مثل 23 دي إينيرو مقرات لها، وهو حي من بنايات سكنية حديثة متداعية يبعد أقل من ميل عن قصر ميرافلوريس الرئاسي.
بعض الكولكتيفوس في الشوارع الكراكاسية
أفراد مسلحون من كولكتيفو يفحصون صندوق سيارة في 3 يناير 2026. تصوير خيسوس فارغاس/غيتي إيماجز
بعض هذه المجموعات أكثر انحيازاً أيديولوجياً إلى التشافيزمو، الحركة ذات التوجه الاشتراكي التي أسسها هوغو تشافيز. بينما يعتمد آخرون على مبادئ فردية انتهازية، معتمدين على مدفوعات من الحكومه ونشاطات إجرامية صغيرة الحجم للبقاء.
لوحظ وجود بعض الكولكتيفوس في شوارع كراكاس منذ توقيف مادورو. فالنتين سانتانا، زعيم أحد أقدم الكولكتيفوس، لا بيدريتا، أشار إلى أن عناصر لم يُسمَّت داخل الحكومة كانت تتواطأ مع الولايات المتحدة قبل توقيف مادورو، كاشفاً شرخاً داخل هياكل السلطة في فنزويلا.
«خانوا رئيسنا، نيكولاس مادورو، لكن التاريخ سيجعلهم يدفعون الثمن»، قال سانتانا في فيديو نُشر بعد توقيف مادورو.
حتى لو قام عدد قليل من الأفراد من مثل هذه المجموعات بتحديات مسلحة للنظام القائم، توفر كراكاس خيارات متعددة للملاذات بفضل أحياء العشوائيات المتاهة، ومجمعات الشقق الواسعة، والأبراج المهجورة وتضاريسها التلية.
حي كوتشي في إل فالي في كراكاس. تصوير ليوناردو فرنانديز فيلوريا/رويترز
خارج كراكاس، تزداد التحديات الأمنية وضوحاً. على خلاف الكولكتيفوس، فإن بعض الجماعات المسلحة في المناطق الريفية مختبرة في القتال ضد خصوم مدرّبين جيداً. تشمل هذه مجموعات متمردة كولومبية بألوف المقاتلين، وغالباً ما تعمل من داخل الأراضي الفنزويلية.
تشمل هذه الجماعات المتمردة جيش التحرير الوطني (E.L.N.) وخلايا منشقة عن القوات المسلحة الثورية لكولومبيا (FARC)، ولم تعد لديها فرص واقعية للسيطرة على حكومة مركزية.
لكن أعدادهم تتنامى بينما يتنافسون للسيطرة على طرق تهريب المخدرات ودوائر الابتزاز، مستمرين في الاعتماد على مصادر دخل غير مشروعة أخرى مثل خطف عمال النفط.
ترسبات المعادن في فنزويلا تشكل مصدر عدم استقرار محتمل آخر، لا سيما في ولاية بوليفار الغنية بالذهب. تعتبر مجموعة لاس كلاريتاس سينديكاتو، إحدى أقوى المجموعات الإجرامية المنخرطة في التعدين غير القانوني، متجذرة هناك بعمق.
تفرض لاس كلاريتاس، كما تفعل مجموعات مماثلة، ضرائب على المنقبين والتجار، وتفرض سيطرتها الصارمة على مواقع خارجية حيث تطبق قوانينها وعقوباتها على المخالفين، بحسب معهد إنسايت كرايم المتخصص في الجريمة المنظمة.
لا يواجه قادة فنزويلا تحديات من الجماعات المسلحة غير القانونية فحسب، بل يواجهون أيضاً احتمال تمرد داخل أروقة الحكم نفسها.
في الوقت الراهن ثمة تحالف هش بين فصائل مدنية تقودها دلسي رودريغيز وشقيقها خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية؛ وفصائل عسكرية يقودها وزير الداخلية ديوسدادو كابيو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز.
في صورة مقدمة من الحكومة الفنزويلية، قادة فنزويلا يسيرون معاً في الجمعية الوطنية في كراكاس في 5 يناير 2026. تصوير مارسييلو غارسيا/قصر ميرافلوريس/مقطع عبر رويترز
حذرت هانسون من أن حدوث انشقاق علني بين هذه المعسكرات حول مسألة خلافية مثل تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الفنزويلية قد يفتح مجالاً لصراعات أخرى.
القوات الأمنية وأجهزة الاستخبارات أقرب تحالفاً مع الفصيل العسكري، ما قد يهدد استقرار حكومة مدنية سواء قادها تشافيسي مثل رودريغيز، أو زعيمة معارضة مثل ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام العام الماضي.