لماذا رسمت الصومال خطًا فاصلاً مع الإمارات؟ آراء

لم يكن قرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات قراراً مفاجئاً أو طائشاً، بل كان تأكيداً ضرورياً على السياده، والنظام الدستوري، والوحدة الوطنية.

بأي مقياس موضوعي، القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء الصومالي في 12 يناير بإلغاء كل الاتفاقيات مع دولة الإمارات لم يكن متهوراً. جاء بعد ضبط نفس طويل، وحوارات دبلوماسية متكررة، وتقييم رشيد لما يتعيّن على أي حكومة مسؤولة حمايته في المقام الأول: سيادتها، ونظامها الدستوري، وتماسكها الوطني.

لطالما سعت الصومال لنهج تعاون بنّاء مع شركاء خارجيين بنية حسنة، على أساس الاحترام المتبادل والرغبة في تعاون مثمر يقود إلى مستقبل مزدهر للجميع. لكن صبر الحكومة لم يكن لانهائياً ولا بلا شروط. عندما يتحوّل التعاون الدولي إلى تجاوز للمؤسسات الدستورية، وتفتيت للسلطة الوطنية، وتشويه للتوازنات السياسية الداخلية، يفقد ذلك طابع الشراكة ويصبح تدخلاً غير مشروع.

السيادة ليست شعاراً جمالياً، بل هي آلية عمل. تعني أن العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع الدول الأجنبية يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة المعترف بها. ظهور ترتيبات موازية، أو علاقات مباشرة مع كيانات دون وطنية، أو تعاون أمني خارج إطار الرقابة الفدرالية، أو اتفاقيات تُبرم من دون موافقة وطنية، كلها عوامل تقوّض تدريجياً وحدة الدولة. وقد شهدت الصومال هذا النمط على مدى فترة ممتدة في سياق تعامل الإمارات مع جهات محلية، لذا كان قرارنا الوطني ليس رفضاً لأي تعاون ثنائي إيجابي، ولا تخلّياً عن الدبلوماسية، بل رسماً لحدودٍ تتوافق مع القانون الدولي.

وصفت بعض الأطراف قرار الإلغاء بأنه «قاسٍ» أو متسرع، ودفعت بحجة أن الصومال كان عليها التسامح من أجل الستقرار قصير المدى أو لمصلحة اقتصادية آنية. هذا الطرح يغفل الحقيقة التاريخية للصومال ومقوّمات الدولة المستقرة. الدولة الهشة لا تستقر بتغاضيها عن تعدد السلطات لصالح مصالح خارجية؛ بل تستقر بتقوية مؤسساتها، وتوضيح سلاسل القيادة، وضمان أن يعزّز الانخراط الخارجي الدولة ولا يحلّ محلّها. لذا ينبغي قراءة إلغاء الاتفاقيات الموقعة مع إدارات دون وطنية وتعليق الترتيبات الأمنية الثنائية في هذا الإطار.

يقرأ  البرازيل تنشر الحرس الوطني قرب الحدود مع فنزويلاتوترات متصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا

بموجب القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها، تُجري الدول ذات السيادة علاقاتها عبر مؤسساتها الوطنية المختصة. وهذه المؤسسات وحدها مسؤولة عن أي تعامل مع هياكل أو فاعلين دون وطنيين. لا يمكن لأي دولة مستقلة أن تقبل هياكل أمنية تعمل خارج إطارها الدستوري، أو ترتيبات مرافئ تُضعف السيطرة الوطنية على أصول استراتيجية وتقوّض في الوقت نفسه نظام الاتحادية المالية بين الحكومات.

قدّمت الصومال، بهذه الخطوة، خطاً قانونياً واضحاً: الانخراط مرحب به، شرط أن يكون على قواعد شفافة دولة-بقيامٍة-بدولة، متناغمة مع السلطة الدستورية والقانون الدولي. وأكّدت أن باب الحوار لا يزال مفتوحاً، لكن المبادئ ليست قابلة للتفاوض.

ونظراً لموقعها الاستراتيجي، من الطبيعي أن تُثار مخاوف بشأن تعطل اقتصادي محتمل نتيجة إلغاء الاتفاقيات. لكن الحكومة سارعت إلى تهيئة آليات لضمان استمرارية تشغيل الموانئ والمهام الأمنية، بينها الاستعانة بمشغلين دوليين محايدين لتسهيل حركة التجارة العالمية حيثما اقتضى الأمر. في جوهرها، تدرك الصومال أن التنمية الاقتصادية المستدامة والنمو يتطلبان بيئة ميسّرة صحيحة، واتساقاً سياسياً، ووضوحاً قانونياً، وهي سمات يبحث عنها المستثمرون في كل أنحاء العالم. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بدولة قوية وموحّدة، لا بمنظومة مجزأة تتآكل داخلها بفعل مصالح خارجية مدمرة.

يعكس قرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات أيضاً واقعية إقليمية أوسع. فالصومال تقع على مفترق حيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وقرن إفريقيا، وأي استخدام للأراضي أو الموانئ الصومالية أو للفضاء السياسي لصالح نزاعات أجنبية يحمل مخاطر تمتدّ إلى التجارة والاستقرار الإقليميين. لذلك، فإن صومال قوية وموحّدة تعزّز سيادتها ليست مجرد مصلحة وطنية، بل أصلاً إقليمياً ودولياً.

طويلاً ما نُنظر إلى الصومال ككائن يُتحكَّم به في السياسة الإقليمية بدل أن يُعامل كطرفٍ صاحب سيادة في القانون الدولي. رسالة قرار مجلس الوزراء بشأن الاتفاقيات هي تغيير لهذا السرد: الصومال ستتعامل مع العالم كشريكٍ مستقل ومتساوٍ، لا كساحة منقسمة مفتوحة لتأثيرات موازية واستغلال.

يقرأ  مطار هامبورغ يشهد تأخيرات إثر اختناق في إمدادات الوقود

التأخير في اتخاذ قرارات صعبة باسم الراحة غالباً ما ينعكس سلباً في التاريخ على الدول. اختارت الصومال الوضوح، وهذا الاختيار لا ينبغي تفسيره على أنه مواجهة، بل كفعل تأخر طويلاً من الاحترام الدستوري الذاتي.

آراء كاتب هذا النص تعبر عن رأيه الخاص ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق