لماذا يظلّ القانون الدولي أفضل دفاعٍ للعالم — آراء

لماذا لا يزال القانون الدولي أفضل درع للعالم

نشأ النظام الدولي المعاصر في ظل ظل طويل من الدمار العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، كهيكل ناقص لكنه متعمد، صُمم لحماية البشرية من تكرار تلك الكارثة.

في خضم الحرب، حذر الرئيس الأمريكي فرانكلين د. روزفلت عام 1943 قائلاً إن السلام القادم لا بد أن يعترف بأن العالم حيِّ واحد، وإلا فستظل بذور حرب عالمية جديدة تهديداً دائماً للبشرية. اليوم، أصبح ذلك السلام المرغوب هشاً إلى حد متزايد.

المعمار ما بعد الحرب الذي بُني ليحول دون صراع قوى كبرى، ويُؤسّس للتعاون بين الدول، ويقلّص الحروب المفتوحة، ويُرسّخ حقوق الإنسان ضمن إطار قانوني ملزم بات الآن ضغوطاً حادة: صعود قوميات متطرفة، تصعيد منافسات استراتيجية تُنظَر إليها كصفرية الخسارة، تحرّكات هيمنية، تمزق تحالفات امتدت لعقود، ورفض صارخ للأعراف المُستقرّة.

المؤسسات المتعددة الأطراف التي كانت تستند إليها الاستقرار، إما تُهمّش أو تُستغل لخدمة سياسات مكياڤيلية. تُجَوَّفُ المعاهدات المؤسسة أو تُنتهَك صراحة، تضعف آليات الامتثال، وتتلاشى أدوات الإنفاذ—مما يترك النظام الدولي بعد الحرب عرضةً لسياسات القوة القسرية التي وُجِد ليحدّ منها.

النتيجة انحراف محسوس نحو «نظام قائم على القوة»، حيث يحلّ الحقّ مكان القوة، ويطغى النفوذ على المبدأ.

النظم الدولية لا تنهار فجأة بسبب خطابات أو سلوكيات شاذة فحسب؛ بل تنهار حين يتخلّى القائمون على حراستها عن مسؤوليتهم—حين يستبدل العزم بالتردد، والمبدأ بالمكاسب السياسية، والوضوح الأخلاقي بمعايير مزدوجة.

ما لم يتحرك المجتمع الدولي بعزم للدفاع عن النظام الدولي وتحديثه—بتقويته لا تقييده، وبجعله أكثر تمثيلاً وشمولية فعّالة—سيَنجرف النظام العالمي نحو توازن هشّ وأكثر خطورة.

ميثاق الامم المتحدة—أحد الأعمدة الأساسية للبنية القانونية ما بعد الحرب—مهدّد. يرسّخ الميثاق القاعدة الجوهرية في النظام الدولي المعاصر: لا يجوز لأي دولة تهديد أو استخدام القوة إلا دفاعاً عن النفس أو بترخيص من مجلس الأمن.

يقرأ  نواب أميركيون يعلقون على الهجوم على فنزويلا وادعاء «أسر» نيكولاس مادورو— أخبار

تلك القاعدة الإلزامية—أساس هندسة الأمن الجماعي—تتعرى الآن. بينما يحلّ النفوذ الخام محل الكبح القانوني، وصمت الكثيرين أو ترددهم يُعطي الجرأة للقلة، يواجه حظر استخدام القوة غير القانوني خطر التحوّل من قانون ملزم إلى خطاب خاوي.

في وقت قياسي تقريباً، بدأ تهديد القوة—وحتى العمل العسكري الأحادي دون تفويض قانوني أو نقاش جوهري—يتبلور كأمر طبيعي مزعج. هذا التآكل المتسارع للأعراف الراسخة ليس شذوذاً عابراً؛ بل تحول هيكلي ذي تبعات بالغة على السلم والأمن الدوليين.

مؤسسات القانون الدولي، التي لعبت دوراً حاسماً في كبح النزاع وتعزيز المساءلة، تواجه هي الأخرى تهديداً.

محكمة العدل الدولية—أعلى هيئة قضائية للأمم المتحدة—حسمت نزاعات بين الدول عدّة، مؤكِّدة قدرة الآليات القانونية على أن تحلّ محركات القوة والاحتكام العسكري.

المساعي لمحاسبة مرتكبي الفظائع—من نورمبرغ إلى إنشاء محاكم أممية استثنائية—مهدّت الطريق لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية في 2002. كانت رسالة إن الأعمال الجماعية من الفظائع لا يجوز أن تُعتبر مجرد سياسة بوسائل أخرى؛ يجب محاسبة مرتكبيها ولا تُحتَمل الإفلات من العقاب. إن بناء هذه الأعراف يُعد إنجازاً بارزاً؛ فقد أيقظ الضمير البشري تجاه الفظائع، وأعاد تشكيل توقعات المساءلة، وغيّر الخطاب الذي نواجه به هذه الأسئلة الحيوية.

ومع ذلك، فإن القوى نفسها التي أسهمت في تشييد هذه الأعراف والمؤسسات، بل وربما رعتها علناً، تُضعف الآن مصداقيتها—بالتحدّي، والانتقائية في الاستدعاء، والتسييس. لذا يهتز بناء الكبح الجماعي أمام مكائد من يقدّسون القوة المطلقة على المبادئ.

لا ريب أن مثل هذا التراجع يضعف أمن وازدهار جميع الفاعلين في النظام الدولي، مهما اختلف حجمهم أو نفوذهم.

وهناك اعتداء خطير آخر على أساس الدفاع عن حقوق الإنسان يتمثل في ثقافة الغضب الانتقائي والتعاطف الادائي التي تمارسها الدول وأطرافٌ تسعى لمصالحها وتتحيّز أيديولوجياً.

ذلك الغضب الارتجالي والتعاطف الشكلي يقوّضان مصداقية السعي إلى العدالة ويقلّلان من شمولية الكرامة الإنسانية التي ننشدها.

يقرأ  يونس يتنحى عن منصبه كقائد مؤقت لبنغلاديش بينما تستعد الحكومة الجديدة لتسلم السلطة — أخبار شيخ حسينة

القانون الدولي لا يجوز أن يُستدعى من منضدة الانتقائية، ولا يمكن إنفاذه بمقاييس مريحة ومفيدة لحسابات آنية.

ربما أخطر تهديد للعدالة الدولية ليس المعارضة الصريحة فحسب، بل اللامبالاة والتطبيق التعسفي. ردود الفعل العالمية المتباينة على ساحات صراع مختلفة خلال العقد الماضي تكشف النفاق الذي يقوّض الثقة في عمومية وفعالية القانون الدولي.

عندما تصبح رحمتنا مشروطة بالمصلحة السياسية أو بالراحة أو بضوء إعلامي عابر أو جذب نقرات عبر وسائل التواصل، فنحن نخيّب المبدأ الأساسي والجامع لكرامة الإنسان.

لا يقلّ استغلال لغة حقوق الإنسان لأغراض تكتيكية—كأداة في حروب قانونية ضد الخصوم السياسيين—خطورة. مثل هذه الأساليب لا تستخف بمعاناة الضحايا فحسب، بل قد تغذي وتستمرّ في خلق ظروف تمكّن انتهاكات أشد خطورة. والحكمة القديمة تحذّر: «احذروا الأنبياء الكذبة الذين يأتون في ثياب حملان وهم في داخلهم ذئابٌ جائعة». في هذا المناخ، لا يمكن للدول الصغيرة والدول المتوسطة أن تبقى على حياد. عليها أن تنسّق بعقلانية استراتيجية وتتصرّف بعزمٍ للدفاع عن نظام عالمي قائم على قواعد، متجذّر في التزام حقيقي ومبدئي بالقانون الدولي وتسوية النزاعات سلميّاً.

لا بدّ من منظور واسع. العالم الغربي مجتمعاً يشكّل نحو 11 إلى 15 بالمئة من سكان العالم؛ النسبة المتبقية—85 إلى 89 بالمئة—تعيش خارجه.

في قرن يتسم بتعدد الأقطاب، يجب أن تتفوق المصالح المتقاربة لما يُسمّى الشمال العالمي والجنوب العالمي في حفظ السلام والاستقرار—ضمن دوائر نفوذ كل منهما وخارجها—على الرضا أو المعايير المزدوجة التي ساندت الوضع الراهن طويلاً.

المناصرة الحقيقية تتطلب شجاعة: إرساء القانون وتطبيقه بعدل ونزاهة، حتى وإن كان ذلك غير مريح أو غير شعبي أو مكلف شخصياً. إنها انضباط للدفاع عن الحقوق حين تكون غير متوافقة مع المصالح القوية أو الانتماءات «القبلية» أو المزاج السائد، وحيثما تقتضي العدالة ذلك.

يقرأ  أفضل ممارسات إدارة المشاريع في تطوير التعلم الإلكترونيللعام ٢٠٢٦

شرعية العدالة الدولية وقدرتها ترتكزان أيضاً على قيادة أخلاقية وإخلاص لا يتزعزع للمبادئ. على من يتولون مؤسسات ومحاكم وهيئات دولية أن يجسدوا النزاهة والحياد والتفانِي في أداء المهام الموكلة إليهم. حين تُهتز هذه الأسس الأخلاقية أو تُقوَّض، تكون العواقب عميقة وطويلة الأمد: تفكك ثقة الجمهور، انتكاس عدالة الضحايا، استفحال جرأة الخصوم، وتراجع في السعي نحو العدالة. طابع وشجاعة القائمين على القيادة ليسا فضائل فحسب بل ركيزة يقف عليها مبنى العدالة الدولية بأسره.

هذه نداءنا الصارخ: إن سمحنا بأن تتآكل قواعد القانون الدولي—بالعدالة الانتقائية، أو باللا مبالاة، أو بحسابات سياسية بلا مبادئ—فسينزلق العالم مجدداً إلى ظلال الفوضى واللا نظام.

لا يحقّ لنا أن نستسلم لنظام عالمي يبرِّر العدوان غير المقيد، وانتهاك الحدود السيادية بفعل الافتراس، وتفكيك المعايير الدولية التي جرى الكفاح من أجلها. القبول بمثل هذا الانحدار يعني إضفاء شرعية على الفوضى كقانون حاكم، ودعوة إلى عدم الاستقرار، وتطبيع الإكراه، وتسريع الانحدار إلى عنف منهجي.

الثمن ستدفعه المجتمعات في كل أنحاء العالم، في أمن محطّم، ومؤسسات متصدّعة، ومعاناة بشرية لا تُحصى.

إنه واجبنا المشترك أن نمنع هذا الانزلاق.

بالتمسك الثابت بالقانون الدولي، لا تحافظ الدول على مستقبلها فحسب؛ بل تبني حواجز أمام نزوات المعتدين المحتملين، وتحمي الجميع—بما في ذلك المعتدين أنفسهم—من النتائج الوخيمة لصراع بلا ضوابط.

اللامبالاة ليست خياراً. العمى المتعمّد هو شراكة في الجريمة.

بالوقوف بحزم دفاعاً عن القانون الدولي، لا نقوم فقط بإنفاذ أعراف؛ بل نصوغ مسار حضارتنا ونفي بوعود الإنسانية الدائمة.

سيادة القانون إنجاز هادئ للبشرية—منارة تقود صعودنا التدريجي من قوة غاشمة غير مقيدة نحو نظام وعدالة وحضارة أعظم.

لا يجوز أن ندع القانون يسكت، فهو المدافع الأول للبشرية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.