«ليس مجدداً» — غزة تتهافت على تخزين الإمدادات مع تصاعد التوتر المرتبط بإيران وإغلاق المعابر

دير البلح/غزة — عندما توجه هاني أبو عيسى صباح السبت الى سوق دير البلح لم يكن يحمل قائمة مشتريات مطولة؛ كان ينوي فقط اقتناء مكونات إفطار رمضان لأسرته، لا أكثر من ذلك.

لكن احتشاد الناس أمام محلات البقالة فاجأه، فاستفسر عمّا يحدث. أخبره مارّ أنّ إسرائيل ضربت إيران واندلعت الحرب. عندها شعر بالصدمة وهو يرى من حوله يغادرون الواحد تلو الآخر حاملين أكياس الدقيق على أكتافهم ويشترون ما تيسّر من مؤن وأغذية.

هكذا بدأت الساعات الأولى للتصعيد العسكري بين إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، وإيران تتبلور في غزة. تغيّر المشهد في القطاع بسرعة: تدافع الناس إلى الأسواق لاقتناء السكر والدقيق وزيت الطعام والخميرة، وبدأت الرفوف تفرغ بينما تسجل أسعار السلع الأساسية ارتفاعات ملحوظة.

قال هاني، وهو أب لخمسة أطفال يبلغ من العمر 51 عاماً، لـ “الجزيرة” إنه يظن أن الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران «لن تؤثر مباشرة على غزة». لكنه اعترف بأن سكان القطاع لم يعودوا قادرين على التفاعل بهدوء مع أي تطور عسكري إقليمي. وقال واقفاً أمام بسطات الطعام في سوق دير البلح: «الناس صاروا يخافون من كل شيء. من صباح اليوم هرع الجميع إلى الأسواق للتخزين، وهذا أدى إلى نقص في كثير من السلع وارتفاع الأسعار».

تفاقمت حالة القلق بعد أن نشرت الهيئة الإسرائيلية المسؤولة عن إدارة الشؤون الفلسطينية (كوغت/COGAT) بياناً على صفحتها في فيسبوك مساء السبت أعلنت فيه إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة والضفة الغربية «حتى إشعار آخر» على خلفية التطورات الأمنية المتعلقة بالحرب مع إيران. وأعرب هاني عن قلق عميق من احتمال استمرار إغلاق المعابر: «الدقيق والسكر والزيت والخميرة… كانت هذه أول الأشياء التي اختفت من السوق بسبب الإقبال الشديد»، وأضاف متذكراً تجاربه في الحرب السابقة: «عشت المجاعة مثل الجميع. أسوأ الأيام كانت عندما اضطررت لشراء كيس دقيق بأكثر من ألف شيكل [319 دولاراً]. لا أريد أن أعيش تلك التجربة من جديد». وأكد أن التخزين ليس حلاً عملياً مادامت المعابر مغلقة: «السلع تنفد بسرعة، والظروف التي نعيشها قد تفسد ما نخزنه. كل ما نحتاجه هو من يطمئننا أن الإغلاق لن يستمر. شخص يقول لنا إننا لن نتأثر».

يقرأ  الحوثيون يعلنون مقتل قائد رفيع في غارة إسرائيلية يُرجَّح أنها استهدفته

ذكرت مصادر محلية أن قرار إغلاق المعابر ارتبط بعيد بيوريم اليهودي، مما أضاف مزيداً من الغموض حول مدة الإغلاق. وقال هاني بغضب: «لا يمكننا التأكد من شيء. لا اعتماد على كلام إسرائيل، ولم يذكروا مدة محددة». وأضاف بحرقة: «غزة مازال لم تتعاف من حربين ومجاعة. كل ما أفكر فيه الآن هو السفر والمغادرة مع ابنتيّ إلى بلد آخر. هذا يكفي».

في رمضان نفسه من العام الماضي شهد قطاع غزة واحدة من أشد فصول الحرب؛ أغلق خلالها المعبر لفترات ممتدة ومنعت دخول البضائع، ما أدى إلى ندرة المواد الغذائية وارتفاع الأسعار وانتشار المجاعة. تعرضت سياسة إسرائيل التي تُوصف بالمنع من الوصول إلى الغذاء لادانة واسعة، وتحولت الأسواق إلى فضاءات خاوية وارتفعت أسعار الدقيق إلى مستويات قياسية، ومات كثيرون نتيجة سوء التغذية الحاد.

خوف مبرر

في سوق النصيرات حيث لا يزال الناس يشترون الحاجات الغذائية بهلع، قال البائع عمر الغزالي (28 عاماً) لـ “الجزيرة” إن تجربة المجاعة تركت أثراً نفسياً عميقاً. وأضاف أب لأربعة أطفال: «خوف الناس مبرر تماماً. أصيبوا بالصدمة والخوف، وهم يريدون تأمين أنفسهم. تعلّموا من تجربة المجاعة السابقة ومن مخاوف احتكار التجار». وتابع: «اليوم، رغم أن القتال لا يدور على أرض غزة، يبدو أن الخشية من تكرار سيناريو المجاعة أقوى من أي تحليل منطقي للوضع الإقليمي. لا يمكننا أن نمنع الناس عن الشراء؛ ما مرّوا به كان صعباً للغاية. نحاول أن نقنع أنفسنا بأن الأمور ستكون على ما يرام وأن لا أحد سيتأثر، لكن الخوف أقوى».

أين سنخزنها؟

ليس بإمكان الجميع التخزين. تجولت أسماء أبو الخيّر (38 عاماً) في سوق مدينة غزة وهي تبدو حائرة. أم لثمانية أطفال، ترغب في التكديس لكنها تفتقر إلى القدرة المالية والمساحة اللازمة. قالت وهي تمشي فارغة اليدين: «أين سنخزنها؟ وماذا سأخزن؟ نحتاج كل شيء، ولا نستطيع بالكاد توفير قوت يومنا في رمضان». وأضافت بمرارة: «أشعر بقلق شديد. الجميع يتحدث عن الأمر — عن الضربة الإيرانية وإغلاق المعابر — وأنا لا أملك مالاً لأشتري ما أحتاجه، وفي الوقت نفسه أخشى عودة المجاعة. لدي أطفال صغار».

يقرأ  عُثر على أسلحة حربية في غرب ألمانيا خلال مداهمة لتجار أسلحة

وأشارت أسماء إلى أن كثيراً من العائلات النازحة المقيمة في الخيام تواجه نفس الواقع «لا يملكون مالاً لشراء المؤن، ولا مساحة لتخزينها داخل الخيام». وتابعت: «تحملنا الكثير من المعاناة خلال الحرب، ولم تنته إلا بإعلان وقف لإطلاق النار. فلماذا يُغلق المعبر الآن؟ ما شأننا بما يحدث؟ أليس ما شهدناه كافياً؟ لماذا يلعبون على أعصاب الناس؟» وحتى مساء أمس كانت أسماء تأمل ألا تُغلق المعابر وأن تسير الأمور كما هي، ثم جاء الإعلان: «شعرت وكأنها طعنة في قلبي». «ذهبت إلى النوم مثقلة بإحباط عميق»، قالت ذلك بمرارة.

محمد داهر، 46 عاماً من جباليا، النازح حالياً ويقيم في دير البلح، اختار ألا يخزن المواد الغذائية بعدما أنهكته عمليات إغلاق معابر متكررة من الجانب الإسرائيلي، لا سيما تلك التي تزامنت مع شهر رمضان العام الماضي. قال إنه عاش روح رمضان «بهدوء وسلام» للمرة الأولى منذ عامين، حتى أُذيعت أنباء عن حرب مع إيران.

«وجدت نفسي تائهًا مجدداً، لكني قررت ألا أخزن شيئاً»، قال ذلك وهو يتفحّص السوق من حوله. «لقد أتعبنا كل هذا. بلغت مرحلة اعتدت فيها على كل السيناريوهات»، أضاف بيأس. «إسرائيل تبحث عن أي ذريعة لتجويع سكان غزة مجدداً وتعميق معاناة المدنيين.»

أوضح داهر أنه أنفق معظم أمواله خلال القحط السابق على شراء المواد الأساسية بأسعار مرتفعة للغاية. «كل شيء كان يُسعَّر كأنه ذهب… لو وجدته أصلاً. اليوم لم يعد لدي طاقة لأتحمّل ذلك العذاب مرة أخرى. فليحل ما حلّ.»

تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة

راحت ردود الفعل تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي بعد قرار الإغلاق، وتساءل الفلسطينيون عمّا إذا كانوا على أعتاب مرحلة أشد قسوة من سياسات إسرائيل تجاههم. اتهم كثيرون إسرائيل بإغلاق المعابر لدفع السكان نحو مزيد من التجويع والمعانه الجماعية، وتساءل آخرون إن كانت تلجأ إلى هذه الخطوة لاستغلال انشغال العالم بالحرب مع إيران.

يقرأ  افتتاح أول فرع لمؤسسة «ياد فاشيم» التذكارية خارج إسرائيل في ألمانيا

حذّر علي الحيّك، عضو جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين في غزة، من أن إغلاق المعابر قد يوقف توزيع امدادات الإغاثة على الأسر المتضررة ويُعطّل عمل المطابخ الخيرية، كما سيعيق السفر الطبي العاجل إلى الخارج، خصوصاً للجرحى والحالات الحرجة ومن لديهم أمراض مزمنة كمرضى السرطان.

أشار الحيّك إلى أن اقتصاد غزة قد تقلّص بأكثر من 85 في المئة جراء الحرب الإسرائيلية التي وُصفت بالإبادية، وأن الغالبية الساحقة من السكان دفعوا إلى ما دون خط الفقر، فيما بلغ معدل البطالة قرابة 80 في المئة، وتوقفت أكثر من 97 في المئة من المنشآت الصناعية عن العمل.

دعا الحيّك المجتمع الدولي للتدخل الفوري والضغط على الجانب الإسرائيلي لإعادة فتح المعابر واستعادة آليات عملها الطبيعية، وضمان حرية تنقّل الأشخاص والبضائع. وحذّر في الوقت نفسه من استغلال التجار لنقص المعروض لرفع الأسعار، مؤكداً أن شهر رمضان يتطلب تضامن الفلسطينيين الآن أكثر من أي وقت مضى.

أضف تعليق