مأزق إيران بين الحرب والسلام: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد طهران

عند استيلاء آية الله روح الله الخميني على السلطة في إيران بعد ثورة 1979، اعتمد دستورًا ذا طابع طائفي شيعي واضح. ومع تطبيقه، صار غير المنتسبين إلى الطائفة الشيعية، عمليًا، مواطنين من الدرجة الثانية. في الوقت نفسه أطلق مشروع تصدير الثورة عبر ما عرف ببرنامج «تطويع الأرض». وما زالت شعوب المنطقة حتى اليوم تدفع ثمنَ هذا المشروع؛ فقد ولد نتائج مريرة أبرزها تكوين ميليشيات طائفية شيعية ذات أيديولوجيا إقليمية أدت إلى هدر كبير للدماء في عدة دول عربية.

ومع تزايد المواجهة بين النظام الإيراني من جهة، والتحالف الأميركي–الإسرائيلي من جهة أخرى، انكشفت الكثير من نوايا طهران تجاه دول الخليج، والقوة المفرطة التي تحوزها. تكشّف أيضًا عدم احترامها لحقوق الدول المجاورة عبر استهداف مواقع مدنية وبنى تحتية اقتصادية في مدن خليجية، مما أثار قلقًا واسعًا في أروقة السياسة والأمن بالمنطقة.

تعد علاقات الخليج–إيران من أعقد الملفات ضمن المعادلة الإقليمية في الشرق الأوسط. لقد صاغت هذه الإرث الإيديولوجي والعسكري، الذي وضع أسسه امام خميني ثم ترجمها على الأرض علي خامنئي لاحقًا، صورة إيران في الخطاب السياسي والإعلامي والفكري الخليجي. امتازت هذه العلاقة بتكرار المواجهات العسكرية والأمنية وبمواقف سياسية اعتبرتها دول مجلس التعاون تهديدًا مباشرًا لأمنها وسيادتها. ولذا يميل الخطاب الرسمي والإعلامي الخليجي إلى تصوير إيران كفاعل إقليمي يسعى لتوسيع نفوذه السياسي والعسكري على حساب دول الجوار وشعوبها.

ترك الخميني لإمام خامنئي ثلاث أوامر محورية: القضاء على صدام حسين، صناعة قنبلة ذرية، واحتلال مكة والمدينة. لقد عمّقَت هذه التوجيهات الأزمة داخل منظومة ولاية الفقيه. وفي حين تحقق هدف إسقاط صدام، فإن السعي المستمر لتحقيق الهدفين الآخرين وضع إيران في مأزق إقليمي ودولي. لقد أدّت سياسات تصدير الثورة وإنشاء ميليشيات مسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، مع تمويلها وتوجيهها، إلى صراع مباشر مع دول إقليمية، ولا سيما دول الخليج، كما أدّت مطاردة البرنامج النووي إلى مواجهة مستمرة مع المجتمع الدولي.

تعكس شبكة الفاعلين المسلحين التي بنتها طهران هذه الاستراتيجية بوضوح: فحزب الله في لبنان ليس مجرد حزب سياسي بل يصير «دولة فوق الدولة» تتلقى أوامرها من خارج الحدود؛ وأن الحوثيين في اليمن صاروا أداة لتصدير الأمن القومي الإيراني إلى أطراف السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر؛ وميليشيات عراقية تديرها إيران إلى درجة تُثني الدولة العراقية نفسها أمامها؛ وفي الأحواز العربية يجرى تبديل ديموغرافي وتجريف لأشجار النخيل بحجة الأمن القومي الفارسي.

يقرأ  هل عادت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى مسارها الصحيح؟أخبار التجارة الدولية

المشروع الذي طرحه الخميني ليس مشروعًا إسلاميًا صرفًا، وإن وظف الإسلام لخدمته؛ بل هو مشروع إمبراطوري جديد تقوده طموحات قومية فارسية وتستخدم الدين غطاء ودافعا له. ويُنظر إلى خامنئي كوارثٍ حقيقي لخلافة الثورة في 1979 واستمرار هذا المشروع الأيديولوجي بكافة أبعاده.

طور الخميني نظرية ولاية الفقيه بطريقة لم تكن موجودة في المذهب الشيعي قبل وصوله إلى السلطة. وبموجب هذه النظرية يمارس علي خامنئي، ومن بعده مجتباى ابنه، دور «الفقيه الحاكم» نيابة عن الإمام الغائب ويتلقى التوجيهات باسمه. الفقيه الحاكم ليس مفهوما دينيا فحسب، بل هو سلطة سياسية وأمنية وعسكرية تقود محورًا من الأتباع عبر المنطقة وتُدير مشروعًا للهيمنة إقليميًا ودوليًا، وتظهر منهجية «الأرض المحروقة» كأحد تجليات هذا المشروع المتمركز حول الإمام.

المرشد الأعلى يتمتع أيضًا بمكانة دينية داخل الطائفة الشيعية الاثني عشرية، ويحيط به هالة من القداسة لدى المؤمنين. ومن ثم فالإطاحة به أو اغتياله من شأنها أن تمثل فقدانًا لركيزة مركزية في نظام ولاية الفقيه.

قاد خامنئي برامج إيران النووية والصاروخية والفضائية ونفوذها الإقليمي، وضم تحت إمرته شخصيات مثل قاسم سليماني. وإسقاط خامنئي أو إقصاؤه سيُغلق فصلًا كبيرًا من المنطق الثوري الإيراني ويدفع الدولة نحو مسار انتقامي. وقد سعت طهران بالفعل إلى تهيئة الأرضية لخلافة ابنه مجتبى، رغم أنه يفتقر إلى مناعة والده الكاريزمية وتأثيره الواسع، وما ستكون عليه إيران قبل خامنئي وبعده لن يكون متماثلاً.

مأزق إيران في الحرب

غلبت وسائل الإعلام الغربية على تصوير إيران كفاعل مركزي في زعزعة الاستقرار الإقليمي، مع التركيز على قدراتها العسكرية ودعمها للمجموعات المسلحة وبرامجها النووية والصاروخية. هذه السرديات عززت صورة إيران كقوة مدمرة وساعدت في خلق مناخ تساهل لدى الرأي العام الغربي تجاه الحرب الجارية بين التحالف الأميركي–الإسرائيلي وإيران.

شكلت هجمات 2019 على منشآت نفطية سعودية نقطة تحول في الخطاب الخليجي تجاه إيران؛ إذ رأت الدول الخليجية فيها تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي. هذه الأحداث زادت الإحساس بوجود تهديد إيراني ودفع دول الخليج إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني مع شركاء إقليميين ودوليين.

يقرأ  لماذا لا يحقق تدريبكم الحالي لمنع التحرش النتائج المرجوة؟

يبقى مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، إذ يمر عبره نحو عشرين بالمئة من تجارة النفط العالمية، ويُعد الشريان الرئيس لصادرات نفط وغاز الخليج إلى الأسواق العالمية، خصوصًا آسيا. إن أي إغلاق للمضيق أو تعطيل للملاحة سيؤدي إلى وقف للصادرات، وارتفاع حاد في الأسعار العالمية، واضطرابات اقتصادية واسعة تشمل التضخم وعدم الاستقرار المالي وتباطؤ النمو، فضلاً عن تأثيرات على سلاسل توريد الغذاء في دول الخليج.

مثل هذه الخطوة قد تمنح الولايات المتحدة ذرائع دولية لتشكيل تحالف عسكري لحماية الملاحة، وربما تصل إلى احتمال احتلال جزيرة خارك الإيرانية. كما ستُجبر دول الخليج على توسيع تعاونها الأمني وتعزيز قدراتها البحرية والدفاعية.

تواجه إيران مأزقًا عسكريًا معقّدًا؛ فهي تفتقر إلى سلاح جوي حديث قادر على خوض حرب تقليدية مطولة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، فتعتمد بدلاً من ذلك على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب اللاخطية كأدوات رادعة أكثر من كونها أدوات انتصار حاسم. وتعتمد أيضًا على حرب بالوكالة عبر مجموعات مثل حزب الله وميليشيات في العراق.

الحوثيون يشكلون عامل تصعيد رئيسًا، وتدخلهم في الحرب مرتبط بقرار قيادة الحرس الثوري التي يخضعون لها. وإذا أجبرت الولايات المتحدة على إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، فقد يحاول الحوثيون إغلاق باب المندب كخطوة تصعيد أخيرة.

تتجنّب إيران الحرب المباشرة لأن بنيتها التحتية عرضة لضربات دقيقة، ومرافقها النووية معرضة، واقتصادها لا يحتمل صراعا طويلًا. لذلك تتبع استراتيجية تصعيدية دون الدخول في حرب مباشرة، مع الاعتماد على ضغوط غير مباشرة عبر شبكتها الإقليمية، في وقت يسعى فيه التحالف الأميركي–الإسرائيلي إلى جرها إلى مواجهة.

مأزق إيران في السلم

سياسيًا، تواجه إيران عزلة دولية تحت وطأة العقوبات الغربية. حلفاؤها روسيا والصين لا يريان في مصلحتهما خوض حرب مباشرة مع الغرب بالنيابة عنها. ومع بعض التحسّن في العلاقات مع دول الخليج بعد اتفاقية بكين في 2023، تظل دول الخليج معتمدة على الولايات المتحدة لحمايتها.

يقرأ  تقرير: اتهام يوليا تيموشنكو، رئيسة وزراء أوكرانيا السابقة، بتهمة الرشوةأخبار الحرب الروسية الأوكرانية

داخليًا تعيش إيران احتجاجات متكررة وأزمة شرعية، وانقسامات بين إصلاحيين ومتشددين، ومعارضة من تيارات علمانية ومستقلة. أدت العقوبات إلى تضخم، وانهيار قيمة العملة، وتراجع الاستثمار. تعمل البلاد باقتصاد حرب محدود الإمكانات، مع بيع نفط غير رسمي وتصديرات مخفضة، لا سيما إلى الصين.

في الوقت نفسه تسعى طهران إلى تحقيق ردع سريع عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة ووكلائها الإقليميين، مع بث إشارات عن قدرة نووية محتملة، ما يزيد من احتمال الضربات الاستباقية ويعرضها لفتح جبهات متعددة.

هكذا تُحاصر إيران بثلاثية تناقضات: ردع قوي مقابل قدرة قتالية ضعيفة للحرب التقليدية؛ نفوذ إقليمي واسع مقابل موارد اقتصادية محدودة؛ واستراتيجية تصعيدية قد تتحول إلى حرب شاملة تسعى لتجنبها. تتبع سياسة الضغط المستمر دون عبور عتبة الحرب المباشرة، ساعية لاستنزاف خصومها دون مواجهة مفتوحة.

بالنسبة لطهران، الفوز في هذا الصراع يعني بقاء الجمهورية الإسلامية. وتعدّ القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة أهدافًا مشروعة في نظرها، بحجة أنها لا تستطيع ضرب الولايات المتحدة مباشرة. وامتد هذا المنطق إلى استهداف بنى تحتية خليجية وسفارات وفنادق بحجة وجود حضور أميركي أو إسرائيلي فيها. وهذا خلق فجوة واضحة بين ما يعلنه السقف السياسي وما ينفذه الحرس الثوري على الأرض.

الخليج على مفترق طرق

تقف دول الخليج اليوم عند مفترق طرق. ردًا على صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية استهدفت مواقع مدنية واقتصادية، عززت دول المنطقة قدراتها الدفاعية الجوية عبر منظومات مثل باتريوت وثاد، واعترضت العديد من هذه الهجمات قبل وصولها إلى أهدافها. كما وسعت شراكاتها الأمنية مع دول مثل باكستان وتركيا.

غير أن دول الخليج لا تسعى لحرب مفتوحة. وإذا تواصل التصعيد وتجاوز العتبات الحرجة، فقد تضطر إلى الانتقال من موقف دفاعي إلى إجراءات عسكرية استباقية لاحتواء التهديد قبل أن يصل إلى مدنها.

إذا حافظت إيران على قدرات كافية فقد تحاول استهداف أو حتى احتلال أراضٍ وجزر خليجية، ما يؤدي إلى تصعيد خطير بعواقب غامضة لا يمكن احتواؤها.

آراء هذا المقال تعبر عن رأي كاتبه ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق