ماذا نعلّم؟ أهمية التربية على القيم والأخلاق

نظرة عامة:

ينبغي أن توازن العملية التعليمية بين اكتساب المهارات الأكاديمية والتوجيه المتعمد لشخصية التلميذ، مستفيدةً من تجارب الفصل ومضامين التاريخ لتعليم المسؤولية، والاختيار الأخلاقي، والإنسانية.

ثمة مقتطف مؤثر من رسالة وجهها هايم جينوتّ إلى المعلمين ونشرت في مجلة تعليم الطفل يستفز الانفعالات والمواقف المهنية لدى أي تربوي: «أنا ناجٍ من معسكر اعتقال. رأيا ما لا ينبغي أن يراه إنسان: غرف غاز بناها مهندسون متعلمون، وأطفال تسمموا على يد أطباء متعلمين، ورضع قتلوا بواسطة ممرضات مدربات، ونساء وأطفال أُطلق عليهم النار على يد خريجي المدارس الثانوية والجامعات. لذلك، أنا مشكك في التعليم.» هذه الكلمات المؤلمة تفرض علينا إعادة التفكير في وزن المناهج التي تمنح الأولوية لمواد مثل الرياضيات والعلوم والمهارات التقنية مقارنةً بمواد كالتاريخ والأدب، حيث تزخر الدروس بتكوينات أخلاقية وقيمية تؤثر في قراراتنا وسلوكنا.

تجلّى جانب من هذا التعليم الأخلاقي في تجربتي مع تلميذة تدعى سيمون خلال جلسة دعم دراسي عندما كانت في الصف الخامس. بعد الجلسة مدحت مهاراتها في الرياضيات، فسألتها إن كانت عادةً ما تحقق نتائج جيدة، فأجابت بخفوت عن امتحان رابع ابتدائي سيئ شعرت أنه أغضب والدها وبسبب ذلك أحست بخيبة أمل في نفسها. مع ذلك، تحملت مسؤولية النتيجة وشرعت بانتظام في زيارة مواقع تعليمية للرياضيات لتقوية معرفتها. أثارني ذلك، وبعد اطلاعي على ملاحظاتها من تلك الزيارات، أثنيت على عزيمتها ومبادرتها وقبولها للمسؤولية وسعيها الجاد للتحسن، فتلقّت ثنائي التحية بتواضع.

أتذكّر أيضاً الآنسة موريلّي، التي أُعجبت بها كثيراً حين رأيتها تدرّس في الصف الثالث. كانت طاقتها مُعدية، فأنشأت جواً من الحماس بين المتعلمين. بدلاً من التعويذات، كانت تقول: «هل أنتم جاهزون للانطلاق؟» فيجيبها التلامذة بمرح: «نحن جاهزون!» في إحدى المرات عاد تلميذ من دورة المياه واقفاً عند الباب مرتبكاً؛ خاطبته المعلمة بصرامة لطيفة: «ماذا يفعل زملاؤك يا جيسون؟» فأجاب أنه يكتبون على الألواح البيضاء، فدعتْه للانضمام وأثناء ذلك أعطتنا درساً في المسؤولية الشخصية: «تذكّروا، أنتم مسؤولون عن تعلمكم.»

يقرأ  الحاكم: وكلاء فيدراليون أمريكيون يطلقون النار على شخص آخر في مينيابوليس

يتشكل وتعزز الشخصية من مصادر متعددة: الوالدان، الأقران، المعلمون، وغيرهم من الناس. ولحسن الحظ، ليس تعلمنا محصوراً بمن نعيش معهم، بل نتعلم أيضاً من الذين سبقونا وتُذكَرُ حياتهم وتُدوّن. التاريخ يضيء الماضي بضوء غير كامل لكنه ضروري، ليُرينا أي المسارات قد تقودنا إلى ذوات أفضل. وطريقة تدريس التاريخ مهمة جداً: هل نركز على متى حدثت الأشياء أم على سبب حدوثها؟ لماذا تصرّف الناس كما فعلوا؟ ما الخيارات الأخرى التي كانت متاحة لهم ولماذا لم يختاروا غيرها؟

الدروس الأخلاقية المستخلصة من التاريخ عميقة ومتعددة. يكتب الدكتور فيكتور فرانكل في كتابه بحث الإنسان عن معنى: «نحن الذين عشنا في معسكرات الاعتقال نتذكر الرجال الذين كانوا يجوبون الأكواخ ليُعزّوا الآخرين ويهبون آخر قطعة خبز لديهم. ربما كانوا قلة، لكنهم دليل كافٍ على أنه مهما أُخذ منك، يبقى للإنسان شيء واحد: آخر حريات الإنسان — اختيار موقفه في ظرف معين، اختيار طريقه الخاص.» ما أعظم ذلك الاختيار من أولئك الرجال، اختيار يتجاوز ظلام الظروف البغيضة ليكون نوراً من الشجاعة والرحمة والمحبة التضحية.

هذا يقودنا إلى سؤال جوهري وتحديٍّ: أي القيم وأي الاختيارات ينبغي أن نتبنّاها ونحاكيها؟ في هذا المقال القصير رأينا مثال تلميذة اعترفت بمسؤوليتها وسعت للتحسن، وناجيًا من المحرقة يقترح أن أفعالنا في أي ظرف تبقى خياراً شخصياً، ونزلاء المعسكرات الذين جسدوا الشجاعة والرحمة والتضحية. كل مثال يضيء مساراً من المسارات الممكنة، ويترك في أيدينا قرار الطريق الذي سنسلكه.

هل يمكن مراجعة المناهج وتعديلها لتسهيل هدف تعليم دروس في الشخصية؟ الإجابة ليست بسيطة. ومع ذلك، إن إنارة المسارات المختلفة التي يمكننا أن نختارها وتضمينها صراحةً ضمن الأهداف التعليمية قد يعود بالنفع على المجتمع بأسره وقد يقلل من انتشار الشكوك تجاه التعليم.

يقرأ  مطار ميونخ في ألمانيا يُغلق مؤقتًا إثر تقارير عن طائراتٍ مُسيَّرة — ولم يُعثر على أي شيء

في الختام، تحقيق توازن منهجي بين تعليم المهارات الأكاديمية والتوجيه الأخلاقي ليس رفاهية بل ضرورة تربوية، وإذا ما صُممت المناهج بانتباه لقيَم المسؤولية والاختيار والإنسانية، فسنمنح الأجيال القادمة أدوات أفضل لصنع قرارات أكثر شرفاً وحكمةً.

أضف تعليق