ما الذي يجب معرفته عن مخاطر «الفلاش أوفر»

تحذير: قد يتناول هذا النص موضوعات قد تكون مؤذية أو مقلقة للبعض

في إحدى الليالي عام 2003 كانت جينا روسو تحضر حفلة موسيقية مع خطيبها فريد كريسوستومي عندما شعرت أن شيئاً خاطئاً يحدث. فرقة Great White افتتحت عرضها بأعمدة نار من الألعاب النارية الصغيرة التي انطلقت من فوق المسرح، وما لبثت أن أمسكت شراراتها بألواح الرغوة الصوتية المثبتة في السقف — تلك المواد المصممة لامتصاص الصوت — فاشتعالَت فوراً.

“كان الأمر فوريّاً”، تروي جينا. “تفاقم بسرعة. الارتداد الناري حصل بهذه السرعة.” ثم عمّت “مطر أسود من الدخان”، وتكسّرت مصابيح الزجاج فوق رؤوس الحاضرين بفعل الحرارة. حاولت جينا وخطيبها التوجُّه نحو أقرب مخرج، لكن حارس النادي أغلق طريقهما لسبب لا تعرفه. بعد ذلك بدأ تدافع نحو المخرج الرئيسي، ودفعها فريد بعنف في الحشد. تتذكر جينا أن “الأجساد تراكمت” بينما كان الناس يهرعون للخروج، وآخر ما تذكره أنّها عبرت الباب إلى بر الأمان ثم فقدت الوعي. استيقظت من غيبوبة مُفْرَضة بعد 11 أسبوعاً لتعرف أن فريد أنقذ حياتها لكنه لم ينجُ هو.

كان هذا في نادٍ يُدعى The Station في بلدة ويست ووريك بولاية رود آيلاند. بعد 22 سنة تقريباً تكرّر مشهد مشابه تقريباً في حانة Le Constellation في منتجع كرانس-مونتانا السويسري في ساعاتٍ مبكرة من أول يوم في عام 2026. في حادث The Station قضى نحو 100 شخص، وفي الحريق السويسري مات حوالي 40 شخصاً أغلبهم شباب؛ والناجون من كلا الحادثين يعانون من إصابات حروق بالغة.

تشابه الكارثتين لا يقتصر على الخسائر الفادحة: الخبيرون يشيرون إلى أن سببَي الحريقين قد يكونان الألعاب النارية الداخلية ومواد العزل والديكور القابلة للاشتعال. يعتقد المستشار البريطاني في تحقيقات الحريق ريتشارد هاغر أنه “متأكد بنسبة 99%” أن الشرارات كانت خلف اندلاع النار في سويسرا، ويضيف أن لو كانت الألواح الرغوية مُضادة للاحتراق لكانت تلتصق وتتوهّج بدل أن تحترق وتنتشر النيران بهذه السرعة.

يقرأ  تقدّم قوات الدعم السريع في كردفان يهدد بانقسام السودان — أخبار حرب السودان

ما الذي يحدث في غرفةٍ مماثلة؟ ما يُعرف بـ”الفلَش أوفر” أو الاشتعال المفاجئ: الهواء الحار يرتفع، ويجمع تحت السقف طبقة شديدة الحرارة، فإذا لم يكن هناك منفذ يكفي للحرارة والدخان فإن هذا الهواء الساخن ينهار على مساحات الغرفة مسبّباً إشعال المفروشات والملابس والجلود خلال ثوان معدودات. النتائج: نافذة زمنية ضئيلة للغاية لاتخاذ قرار الهرب — ثوانٍ قد تقرر الحياة أو الموت.

قصة فيل بارّ توضح ذلك عملياً. كان فيل يبلغ من العمر 22 سنة عندما حضر الحفلة في رود آيلاند. تصف كيف أن اللهب وصل إلى السقف خلال 25 ثانية وفق تسجيل جاء من كاميرا فريق تلفزيوني كان يصوّر عن أمان الملاهي، وأن الدخان السام ملأ المكان خلال 90 ثانية. فيل رمى بنفسه إلى باب جانبي وارتطَم حتى وقع في الثلج، نجا لكنه تعرّض لأضرار تنفسية تهدّد الحياة.

الأبحاث المخبرية والتحليل أظهروا نفس الشيء. معهد المعايير والتقنيات الأمريكي أعد نموذجاً مختبرياً للنادي وأشعل النار؛ وأفاد تقريرهم بأن شروط الاشتعال الكامل وصلت بعد حوالي 65 ثانية، وبعد 90 ثانية كانت ظروف وسط الغرفة قاتلة. البروفيسور إد غاليا، أحد أبرز خبراء سلوك الناس أمام الحرائق، أدخل مخطط النادي في محاكٍ حاسوبي خاص به فبيّن ارتفاع درجات الحرارة داخل المكان إلى نحو 700 درجة مئوية خلال حوالى 80 ثانية.

اللقطات المتاحة من الحادثة في سويسرا تُظهر أيضاً أن النار اجتاحت سقف الغرفة بسرعة، وأن تحقيقات السلطات السويسرية ترجّح أن شرارة الألعاب النارية المثبتة على زجاجات الشمبانيا القريبة من السقف هي سبب الاشتعال؛ كما ورد أن الحانة لم تخضع لفحوصات سلامة طيلة خمس سنوات.

الحريق يحتاج إلى ثلاثة عناصر: حرارة، ووقود، وأكسجين. والبروفيسور غاليا يؤكد أن الناجين أمامهم نافذة زمنية قصيرة للهرب قبل حدوث الفلاش أوفر، لكنه يضيف أن معظم الناس يستخفون بسرعة انتشار النار. يصف هاغر ما يسميه “متلازمة النار الصديقة”: نحن لم نعد نتعامل مع النار يومياً كما كان الحال قبل قرن من الزمن؛ لذا فقدنا الحسّ الحقيقي لسرعتها وقوتها. بعض الناس يقفون متفرجين، بعضهم يصور بالموبايل، وبعضهم يحاول الاختباء بدل أن يهرب — سلوك لا علاقة له بالسن بقدر ما له علاقة بالطبيعة البشرية في المواقف الطارئة.

يقرأ  وفاة الملكة السابقة لتايلاند سيريكِت عن عمر يناهز الثالثةَ والتسعينَ

دراسة كلاسيكية من 1968 لِـ بيب لاتاني وجون دارلي توضح جانباً من هذه الظاهرة: عندما حُشِر طلاب وحيدين في غرفة بدأ دخان يملؤها، 75% منهم بادروا إلى الإبلاغ أو إخلاء المكان. أما عندما كان اثنان آخران موجودين معهم وكانا يَتصرّفان بعدم مبالاة (وهما مشاركان في التجربة)، انخفضت الاستجابة إلى 10% فقط. الاستنتاج: رؤية الآخرين لا يتصرّفون تُحوّل الحدث إلى أمر أقل خطورة في نظر الفرد.

في حادث The Station مرّت ثوان حاسمة قبل أن يهرع الناس إلى المخارج؛ فلَم يشعر البعض بالخطر فوراً أو افترضوا وجود رشاشات إطفاء أو مطفأة قريبة. النادي لم يكن مزوّداً بنظام رش آلي. وعندما حدث الفلاش أوفر تحول الهدوء إلى فوضى؛ ما جعل الخروج منظماً أمراً مستحيلاً في كثير من الأحيان.

يعطي غاليا نصيحة واضحة يمكن لأي شخص تذكّرها: “الصدفة تُحابي العقل المُهيّأ.” بتحضير بسيط — الانتباه لمخارج الطوارئ، معرفة مواقع الممرات، عدم الانتظار — تحسّن فرص النجاة كثيراً.

هل نتعلّم الدروس؟ بحسب أبحاث غاليا، منذ عام 2000 وقعت نحو 38 حريقاً مماثلاً أودت بحياة قرابة 1,200 شخص؛ منها نحو 15 تضمن ألعاباً نارية داخلية وحوالي 13 استُخدمت فيها رغوة عازلّة أو مواد ديكورية قابلة للاشتعال. ومع وجود مواصفات للاختبارات ومع قوّات صناعة تعمل على السلامة، لا يوجد قانون حرائق دولي مُلزِم يضمن تعميم الدروس بين البلدان. هذا ما يفرّق إدارة المخاطر عن صناعة الطيران، حيث تحقيقات مستقلة وتوصيات دولية أدّت إلى سجل أمني جيد نسبياً. في لندن، بعد كارثة غرينفيل عام 2017، أظهرت تحقيقات أن جهات الإطفاء كانت على علم بحوادث مع مواد تغليف قابلة للاشتعال عالمياً لكنها لم تتدّرب كما ينبغي للتعامل مع سيناريو مماثل.

يقرأ  صفقة نووية كبرى بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدةما الذي تتضمنه؟أخبار الطاقة النووية

في النهاية، تبقى آثار هذين الحادثين باقية على الناجين: جينا وفيْل لا يزالان يحملان ندوب الحريق. فيل فقد جزءاً من قدرته على السباحة التنافسية لأن الدخان ألحَق أضراراً جسيمة برئتيه؛ لكنه يقول إنه قرر أن لا تدع الإصابات تُعرّف حياته وأن يبذل جهده فيما يهمُّ حقاً. جينا لا تزال تترحم على فريد، لكنها مضت في حياتها: تزوجت لاحقاً رجلاً متقاعداً من رجال الإطفاء.

المأساة تذكّرنا بوضوحين: سرعة النار تفوق توقعاتنا، والاستعداد البسيط — معرفة طريق الخروج وعدم التردد — قد يصنع الفرق بين النجاة والمأساة. فكر مسبقاً، ابحث عن مخارج الطوارئ، ولا تنتظر إشارة من الآخرين للخروج فور ملاحظة دخان أو نار.

(خطأ مطبعي متعمدان: “فورا” و”تؤكد”)

أضف تعليق