«مجلس السلام» لدى ترامب يضع منتهكي حقوق الإنسان في موقع قيادة النظام العالمي — بنيامين نتنياهو

استمع إلى هذا المقال | ٧ دقائق

منذ توليه المنصب قبل عام، عملت إدارة ترامب جاهدة لتقويض مكانة الأمم المتحدة، وبشكل خاص جهودها في حماية حقوق الإنسان العالمية. والآن يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إنشاء كيان جديد أطلق عليه «مجلس السلام» ويُعيّن نفسه رئيسًا دائمًا مدى الحياة. وبينما وُجّهت دعوات لعدد من الدول، يبدو أن الدول التي أعلنت انضمامها تشكّل معرضًا من القادة والحكومات التي تتراوح سجلاتها في مجال حقوق الإنسان بين المشكوك فيها والمروعة.

لعبت الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 لمنع تكرار الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي شهدها العالم خلال الحرب العالمية الثانية. ومع تحفظها الدائم على أي تهديد لمساحتها السياسية، كانت العلاقة بين واشنطن والأمم المتحدة دوماً علاقة حبّ وكراهية. لكن إدارة ترامب شددت على جانب الكراهية وتخلّت عن جانب الحب، متهِمة المنظمة بأجندات «معادية لأميركا» و«عدائية».

تجاهلت الإدارة وقطعت التمويل عن عشرات البرامج الحيوية التابعة للأمم المتحدة. كما حجبت كثيرًا من المساهمات المقررة التي تحتمها على الدول الأعضاء. وانسحبت من منظمة الصحة العالمية وهيئات المناخ والاتفاقيات الدولية للمناخ، وأوقفت تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي يدعم ويحمي النساء والفتيات في مناطق النزاع والأزمات.

دفع مفاوضو واشنطن بأجندة أيديولوجية في مفاوضات الأمم المتحدة، مطالبين بحذف عبارات محددة متعلقة بحقوق الإنسان من القرارات والبيانات. ووفق دبلوماسيين أمميين، شملت العبارات المستهدفة كلمات مثل «النوع الاجتماعي» و«التنوع» و«المناخ» لأن إدارة ترامب تصفها بأنها «واوْك» أو صحيحة سياسيًا بشكل مبالغ فيه. واستطاعت الإدارة أن تحقّق بعض مكاسبها الأيديولوجية في مجلس الأمن بفضل حق النقض (الفيتو)، لكنها وجدت صعوبة أكبر في الجمعية العامة حيث الولايات المتحدة مجرد عضو من بين 193 عضوًا ولا تملك حق الفيتو.

يقرأ  ارتفاع عدد وفيات فيضانات إندونيسيا إلى 442 الناجون يبحثون عن الطعام والماء — أخبار الفيضانات

أما ما يبدو أن الإدارة عازمة على إعادة تشكيله على نحو شبيه بمجلس الأمن فهو هيكل «مجلس السلام». تصف ميثاقته المقترحة هذا الكيان بأنه «منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة حكمٍ قانوني يعتمد عليه، وتأمين سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهدَّدة بالنزاع».

الميثاق لا يورد أي إشارة إلى حقوق الإنسان، وهكذا يبدو أمراً سارًا بالنسبة للحكومتين الروسية والصينية اللتين عملتا لسنوات على تقليل أهمية حقوق الإنسان داخل الأمم المتحدة.

يبدو أن مجلس ترامب مقصود منه أن يكون نادياً عالمياً يدفع أعضاؤه المال مقابل العضوية، إذ تبلغ رسوم العضوية الدائمة مليار دولار. ومع مشاركة عدة مسؤولين ونُظم معروفة بانتهاكاتها الخطيرة لحقوق الإنسان ومشتبه بارتكاب بعض قادتها جرائم حرب، ومع قلة الأصوات المضادة، يصعب تخيل أن هذا الكيان سيضع موقف إنهاء المعاناة والكراهية وسفك الدماء في مقدمة أولوياتها، رغم تصريحات ترامب عند إطلاق المبادرة على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي.

ضمن المدعوين للانضمام زعيمان صدرت بحقهما مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. كما دعا ترامب قادة دول أخرى ذات سجلات مروعة في مجال حقوق الإنسان للانضمام: من الصين وروسيا البيضاء إلى كازاخستان.

تحدد الميثاق سلطات واسعة لترامب كرئيس للمجلس، إذ يخول له «اعتماد قرارات أو توجيهات أخرى» حسب ما يراه مناسبًا، وهو ما يمنح منصب الرئيس سلطة حصيفة على صنع القرار داخل الكيان.

حتى الآن، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الوحيدة التي أعلنت قبولها هي المجر وبلغاريا. رئيس الوزراء المجري القومي اليميني فيكتور أوربان يُعرف بدعمه لترامب. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرفض العرض، فكان رد ترامب تهديدًا بفرض تعريفات جمركية كبيرة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية.

يقرأ  النقابة: فصل ما لا يقل عن ٦٠٠ موظف في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية بالولايات المتحدة

عرض ترامب على كندا مقعدًا دائمًا في المجلس، لكنه سحب العرض بعد خطاب رئيس الوزراء مارك كارني في دافوس. دون أن يذكر ترامب أو الولايات المتحدة بالاسم، حذّر كارني من أن الأمم المتحدة ومنظمات التعددية الأخرى تواجه تهديدًا، وانتقد بشدة استخدام القوى الكبرى للضغط الاقتصادي على الدول الأصغر، ودعا القوى الوسطى إلى التكاتف لمواجهة ترهيب القوى العظمى.

كان المقصود في الأصل أن يشرف مجلس السلام على إدارة غزة بعد أكثر من عامين من الهجوم والدمار الذي شنته القوات الإسرائيلية والذي أودى بحياة ما لا يقل عن سبعين ألف فلسطيني، كانت الولايات المتحدة متواطئة فيه إلى حدّ ما. لا تذكر الميثاق غزة، مع أن غزة كانت محور حدث جانبي في دافوس قاده صهر ترامب جاريد كوشنر، الذي سيشغل مقعدًا في «المجلس التنفيذي لغزة»، وهو هيئة فرعية تابعة لمجلس السلام.

قدّم كوشنر رؤية سريالية لـ«غزة الجديدة» تتضمن أبراج مكاتب لامعة وشواطئ نظيفة يعجّ بها السياح. المجلس التنفيذي لغزة لا يضم أي فلسطينيين، بل يضم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، والمفاوض ستيف ويتكوف، ومسؤولين كبارًا من تركيا وقطر.

بدلاً من إيداع شيكات بمليار دولار في حسابات ترامب، ينبغي للدول العمل معًا لحماية الأمم المتحدة والمؤسسات الأخرى التي أُنشئت لترسيخ حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ونظام القانون الدولي والمساءلة. عليها أن تستخدم كل الموارد المتاحة لمواجهة الإجراءات الأميركية غير العادلة مثل عقوبات ترامب على قضاة المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ومحققيها، وعلى مقرّر أممي خاص، وعلى جمعيات بارزة لحقوق الإنسان الفلسطينية. كما يجب الضغط من أجل محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة من جميع أطراف النزاع، سواء في غزة أو السودان أو أوكرانيا أو ميانمار أو في أماكن أخرى.

يقرأ  صفقة اليوم — وفر 15% على مشترياتك في سونغلاس هت

أي تنازل عن ذلك سيمنح ترامب نصرًا خطيرًا ويتيح له وللجنة التي يقودها تهميش الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحيوية الأخرى. للأمم المتحدة مشكلات، بما في ذلك في مجال حماية حقوق الإنسان، لكنها جديرة بأن تُقوَّى لا أن تُستبدل بنادٍ يضم منتهكي الحقوق ومشتبهًا بارتكابهم جرائم حرب.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب وحده ولا تمثل بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق