محاصرون في تبادل النيران — الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران تهزّ اقتصادات الخليج

على مدى عقود استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي تريليونات الدولارات لتحويل اقتصاداتها المعتمدة على النفط إلى مراكز عالمية متنوعة. اليوم، تلك المخططات تواجه تهديداً بالغ الخطورة.

محاصَرة بين حرب تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وردود طهران غير المتماثلة، تدفع دول الخليج ثمناً باهظاً لموقعها الجغرافي. كما وصف الصحفي والباحث سالم الجهوري، فإن دول المجلس باتت «بين المطرقة والسندان».

هذا الضغط الجيوسياسي أحدث صدمات سياسية عميقة. وصف رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الضربات الإيرانية غير المبررة بأنها «خيانة»، مشيراً إلى أن الهجمات على دول الخليج بدأت خلال ساعة واحدة من اندلاع الحرب رغم جهودهم الدبلوماسية الحثيثة لمنع التصعيد. وفي النهاية، تُركت العواصم الخليجية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية لحرب لم تشنها ولا تؤيّدها، بعد أن دفعت بقوة نحو حل دبلوماسي قُصفت مساعيه من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير.

تكلفة إغلاق الممر الحيوي

أكثر الصدمات فورِيّة هو الإغلاق الفعلي للممر العالمي الحيوي، مضيق هرمز، الذي يعبر عادةً نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط—أي نحو 20% من تجارة النفط البحري العالمية. انخفضت أحجام التصدير إلى أقل من 10% من مستويات ما قبل الصراع.

أدى هذا الحصار إلى اختناقات حادة، وكان العراق الأكثر تضرراً لامتلاكه سعة تخزين لا تتجاوز ستة أيام. أبلغ مراسل الجزيرة من البصرة أن التخزين العراقي بلغ أقصى طاقته، ما اضطر إلى خفض الإنتاج من 3.3 مليون برميل يومياً إلى 1.3 مليون، وتبحث مصادر بوزارة النفط العراقية يائسة عن منافذ بديلة، بينها استخدام موانئ عُمانية للتخزين الاستراتيجي.

للحماية القانونية من إخلالها بعقود الطاقة العالمية، أعلنت دول مثل قطر والكويت القوة القاهرة، بحسب عبدالله بندر العتيبي، أستاذ مساعد في جامعة قطر.

يقرأ  محامون: الإفراج عن الصحفي البريطاني سامي حمدي من احتجاز مكتب الهجرة والجمارك الأمريكيخبر يتعلق بالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

وللتخفيف من هذه الاضطرابات هناك حاجة عاجلة لسعات تخزين عائمة، وفقاً لمحمد السبّان، المستشار السابق لوزير البترول السعودي. وبينما تستطيع السعودية الاعتماد على خط الأنابيب الشرقي-الغربي بطول نحو 1200 كيلومتر لتجاوز هرمز، يفتقر معظم دول الخليج إلى بدائل مماثلة. وحذر أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لأرامكو، من أن استمرار الاضطراب سيكون له «عواقب كارثية» على أسواق النفط العالمية.

المنشآت المستهدفة والخسائر اليومية

بينما تركز واشنطن على تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، تخوض طهران حرباً تستهدف الاقتصاد العالمي والبنية التحتية الخليجية. أشار رئيس وزراء قطر إلى توزيع الهجمات الإيرانية داخل بلاده على منشآت طاقة (40%) ومواقع عسكرية (35%) وبنى تحتية مدنية مثل خزانات مياه الشرب (25%)، متسائلاً: «ما هي مصالح أميركا في مياه الشرب القطرية؟» وقال العتيبي إن ذلك يضعف سرد طهران القائل بوجود تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.

أوضح صالح المطيري، رئيس مركز مدار للدراسات السياسية، أن توسيع نطاق الأهداف ليشمل مرافق اقتصادية خليجية هو تكتيك ضغط محسوب يهدف إلى إرغام الولايات المتحدة وإسرائيل على تسريع إنهاء الحرب.

وتتعرض قطاعات الطيران والسياحة أيضاً لخسائر فادحة. يُعَدّ مجلس التعاون مركز عبور عالمي رئيسي، يستقبل عادةً ما يصل إلى 360 مليون مسافر سنوياً عبر نقاط مثل الدوحة وأبوظبي ودبي. أدت إغلاقات المجال الجوي غير المسبوقة إلى إلغاء نحو 40 ألف رحلة، مما قطع صلات الخليج بالاقتصاد العالمي وترك مواطنين محتجزين في الخارج.

تكلفة الدفاع غير المتماثلة

مع تساقط الصواريخ، انكشفت فجوة هائلة في تكلفة الدفاع الجوي. تُقدّر نفقات إيران على هجماتها بين 194 و391 مليون دولار، وتعتمد إلى حد كبير على طائرات مسيّرة من طراز «شاهد» التي يقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنها تكلف بين 20 ألفاً و50 ألف دولار للوحدة.

يقرأ  تبعات الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على طهران — آخر تطورات الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران

في المقابل، تنشر دول الخليج منظومات اعتراض باهظة الثمن مثل باتريوت PAC-3؛ فبحسب تحالف الدعوة للدفاع الصاروخي، تبلغ تكلفة قاذف PAC-3 MSE الواحد بين 3 و5 ملايين دولار. والنتيجة مالية هائلة: تشير تقديرات الدفاع إلى أن إجمالي إنفاق الإمارات على الدفاع الجوي بلغ بين 1.31 و2.61 مليار دولار—ما يصل إلى 13 ضعفاً تقريباً لما أنفقته إيران على إطلاق الهجمات.

أنفقت الكويت ما يُقدّر بين 800 مليون و1.5 مليار دولار للدفاع عن قاعدة علي السالم الجوية، بينما كلفت عمليات الاعتراض في قطر بين 600 و900 مليون دولار. وأنفقت البحرين والأردن أيضاً مئات الملايين على تحييد التهديدات الواردة. وكل قاذف اعتراضي يُطلق يمثل موارد لا تُستبدل بين ليلة وضحاها، ما يثير مخاوف من استنزاف المخزونات الدفاعية بسرعة.

الصدمة العالمية: أزمة غذاء محتملة

تترجم الشلل الاقتصادي بسرعة إلى أزمة زراعية عالمية. صدَّر الخليج نحو 50 مليار دولار من الأسمدة النيتروجينية بين 2020 و2025، ويُمرر نحو 30% من تجارة اليوريا العالمية عبر مضيق هرمز.

بعد إغلاق مرافق الغاز القطرية توقفت وحدة الأسمدة لدى قطر للطاقة عن إنتاج اليوريا، وأطلق هذا الصدمة في المعروض ارتفاع أسعار اليوريا في مصر بنسبة 37% خلال أيام، بحسب حاتم غندير، محرر الشؤون الاقتصادية في الجزيرة. يحذر الاقتصاديون من أن هذا النقص سيرفع تكاليف إنتاج المحاصيل الأساسية، ويهدد بموجة تضخم غذائي حادة في دول نامية تعاني بالفعل أعباء ديون.

إعادة البناء وإعادة تقييم المستقبل

مع استمرار الصراع، تواجه حكومات مجلس التعاون عبئاً لا حصر له لإصلاح البنى التحتية المتضررة. لكن الأثر الأعمق قد يكون استراتيجيّاً: فقد كشفت الأزمة عن حدود المقايضة التاريخية الضمنية بين الولايات المتحدة والخليج—رأس مال خليجي وأمن الطاقة مقابل مظلة دفاعية أميركية.

يقرأ  التمكن من مواجهة انعدام الراحة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

مع تناقص مخزونات منصات الاعتراض الأميركية وتأثر اقتصادات المنطقة مباشرةً، يزداد شعور الإحباط في العواصم الخليجية من التصعيد الأحادي لواشنطن. ومع إدارتها لتداعيات إيقاف الرحلات وتعليق عائدات التصدير، سترجع دول المجلس على الأرجح لتقييم شراكاتها الأمنية بصرامة أكبر في منطقة لا تزال فيها الجغرافيا أضعف نقاطها. هذه المراجعة الاستراتيجيه قد تعيد تشكيل التحالفات لسنوات قادمة.

أضف تعليق