فوق أفق الضاحية الجنوبية لبيروت المدخّن، تصدح أوامر إخلاء قسرية جديدة من الجيش الاسرائيلي في أحياء تفرغت سريعاً من السكان.
تتباين التحذيرات الإسرائيلية، التي ترافقها قصف على بيروت ومناطق أخرى من جنوب لبنان، بشكل صارخ مع مبادرة فرنسية للتدخل الدبلوماسي تهدف إلى وقف أحدث جولات الحرب بين الجارين.
غير أن عددًا من المحللين يرون أن هذا التباين الظاهري بين عمل إسرائيل واحتمالات التفاوض يعكس في الواقع واقعًا ميدانيًا جديدًا تصنعه اسرائيل: احتلال أراضٍ لبنانية لمنح نفسها ورقة ضغط أقوى في أي مفاوضات مستقبلية.
الثمن البشري للحرب الإسرائيلية باهظ بالفعل. فمنذ 2 مارس وقعت على لبنان حملة عسكرية شاملة أسفرت، حسب وزارة الصحة العامة، عن سقوط نحو 850 قتيلاً بينهم 107 أطفال و66 امرأة. أكثر من مليون شخص نزحوا داخل البلاد إلى ملاجئ مكتظة، بعد تصعيد تلاه استهداف حزب الله مواقع عسكرية إسرائيلية رداً على هجوم مشترك أميركي-إسرائيلي على إيران أواخر فبراير، مما مزق ما تبقى من وقف إطلاق النار الذي أعلن في نوفمبر 2024.
في خضم هذه المأساة الإنسانية، اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استضافة محادثات مباشرة بين لبنان واسرائيل في باريس، محذراً من أنه “يجب فعل كل شيء لمنع انزلاق لبنان إلى الفوضى”. ولدعم هذا المسار الدبلوماسي أعلنت باريس عن إرسال 60 طناً من المساعدات الإنسانية مع ناقلات جنود مدرعة للقوات اللبنانية.
مع ذلك، يقول المحللون إن الجيش الاسرائيلي، لا الدبلوماسية الفرنسية، هو من يحدد شروط أي مفاوضات مرتقبة.
الجغرافيا كسلاح
يرى محللون سياسيون أن إسرائيل تسعى لاستثمار تواجدها العسكري لفرض هندسة أمنية جديدة جذرياً، مستخدمة احتلالها القرى الجنوبية لفرض وقائع ميدانية لا رجعة فيها.
يعتقد زياد مجعد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بباريس، أن الشروط غير المعلنة في الدفع الدبلوماسي الحالي تتضمن إجبار الجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله تحت إشراف صارم من الولايات المتحدة وفرنسا. وبتحكّمها بأراضٍ لبنانية، تجبر اسرائيل لبنان على التفاوض حول سيادته، مع علامة استفهام حول ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستنسحب في نهاية المطاف أم ستُحوّل المناطق المحتلة الآن إلى منطقة عازلة خالية من السكان بشكل دائم.
تتضح هذه الاستراتيجية حالياً على أرض المعركة. فقد حشدت اسرائيل ستة فيالق — نحو 100 ألف جندي — على طول حدودها الشمالية. ويشير خبراء عسكريون إلى مدينة الخيام الجنوبية الاستراتيجية كنقطة محورية لهجوم بري إسرائيلي وشيك.
قال العميد المتقاعد بهاء هلال لقناة الجزيرة إن الخيام تُعد “مفتاحًا جغرافيًا” يطل على سهل مرجعيون ووادي الحصن المؤدي إلى نهر الليطاني، محذراً من أن السيطرة على الخيام ستمكّن اسرائيل من قطع خطوط الاتصال بين القرى الجنوبية وإقامة منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع.
يرى عماد سلاّم، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن نشر القوات الإسرائيلية يشير إلى اعتقادها بأنها القوة المهيمنة عسكرياً، وأنها لا تشعر بضغط لإجراء مفاوضات عاجلة.
نزع السلاح والانقسامات الداخلية
في الوقت نفسه، تكشف الأزمة في لبنان عن انقسامات طائفية عميقة داخل البلد.
أفاد مراسل الجزيرة مازن إبراهيم أن مصادر رسمية تشير إلى مشاورات عاجلة بين الرئاسه والحكومة والبرلمان لتشكيل وفد من ستة سفراء للتفاوض على وقف إطلاق النار، قد يعقد في قبرص. مع ذلك، نقل إبراهيم أن رئيس البرلمان نبيه بري رفض إضافة أي شخصيات تمثل الطائفة الشيعية في الوفد، مع تأكيده أن وقفاً إسرائيلياً يجب أن يسبقه أي تفاوض سياسي.
يثير الجدل حول نزع سلاح حزب الله — وهو مطلب لا يقتصر على اسرائيل بل يطالب به أيضاً شركاء غربيون — مخاوف من جر لبنان إلى صراع أهلي.
يرى بعض المحللين أن على الجيش اللبناني أن يضطلع بدور أقوى. قال المحلل السياسي توني بولس للجزيرة: “لا بد للدولة أن تُجبرهم على تسليم أسلحتهم، ولو اضطرت لاستخدام القوة.” لكن باحثين آخرين، مثل علي مطر، اعتبروا هذا الطرح متهوراً؛ مشيرين إلى أن أمر الجيش الوطني، الذي يضم نسبة معتبرة من الجنود الشيعة، بمهاجمة حزب الله الذي تقوده طائفتهم سيؤدي إلى تفكك المؤسسة العسكرية. كما لفت مطر إلى فشل الدولة في حماية مواطنيها طوال 16 شهراً من الانتهاكات الإسرائيلية قبل اندلاع الحرب الأوسع الحالية.
التفاوض تحت النار
لا يبدو أي من طرفي الصراع مستعداً للتنازل فوراً. فقد رفض وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر علناً احتمال المحادثات المباشرة، مطالباً الحكومة اللبنانية أولاً باتخاذ خطوات ملموسة لكبح الأنشطة العسكرية لحزب الله.
ومن جهته، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مؤخراً إن الحلول الدبلوماسية أخفقت في وقف القتل، محذراً الحكومة اللبنانية من تقديم “تنازلات مجانية” ومؤكداً أن ساحة المعركة هي التي ستكتب النتيجة النهائية.
استحضر بعض المحللين تشابهاً مع مناخ عام 1983 حين غزت اسرائيل بيروت، وأفضت مفاوضات ذلك الزمن، تحت ظل الاحتلال العسكري، إلى اتفاق 17 مايو 1983 الذي انهار لاحقاً بسبب الانقسامات الطائفية داخل لبنان.
بعد أكثر من أربعة عقود، تجتمع عائلات لبنانية جديدة الآن في ملاجئ مبتلة في بيروت. ثمة حديث عن دبلوماسية، لكن حتى الآن، تحولت منازلهم في الجنوب إلى أوراق مساومة في يد جيش محتِل.