مذكرة مراسل: تصاعد موجة اليمين المتطرّف في البرتغال خلال الانتخابات الرئاسية

الغارف، البرتغال — بعد أيام من هطول مطر غزير جلبته عواصف عنيفة، أشرق الشمس أخيراً على شواطئ هذه المقاطعة الجنوبية.

في بورتيمائو تزدحم تراسات المقاهٍ بزوار يستمتعون بوقفة من تقلبات الجو، وفي القريبة ألفوبايرا يتنقل السياح، غالبيتهم من شمال أوروبا باحثين عن دفء الشتاء، على الرمال. البحر لامع والمنحدرات تُغطّيها نباتات كثيفة تحجب معها منظر الماضي الهادئ الذي عرفته المنطقة.

لكن وراء هذا المشهد الجذاب تكمن استياءات متصاعدة بين السكان الذين يوشكون أن يميلوا نحو انتخاب أول رئيس يميني قومي منذ نهاية الديكتاتورية قبل نحو نصف قرن. السياحة، وإن كانت شريان اقتصاد الغارف، ترفع بدورها أسعار المساكن وتزيد تكلفة المعيشة وتجذب أعداداً كبيرة من العمال الأجانب، ما يترك كثيرين يشعرون بأن المكان لم يعد كما كان.

خارج سوبرماركت في ألفوبايرا، يخبر رجل مراسل الجزيرة أنه يعرف من يكادون لا يغطون أجرة بيوتهم بسبب الرواتب المتدنية. آخر يقول إن الغارف والبرتغال بأسرهما بحاجة إلى تغيير وقيادة جديدة. الشعور العام هنا أن السياسيين في لشبونة منفصلون عن معاناة من يعيشون خارج العاصمة؛ وهذا جزء من سبب تحوّل الغارف إلى قاعدة قوية لحزب تشيغا اليميني الذي يتزعمه أندريه فينتورا. رسالته المناهضة للمؤسسة والمهاجرين تجد صدى لدى ناخبين يشعرون بأنهم بلا صوت أمام الأحزاب السائدة.

فينتورا، الذي كان معلقاً تلفزيونياً على مباريات كرة القدم، أسّس تشيغا قبل سبع سنوات. ومنذ ذلك الحين حقق الحزب مكاسب كبيرة في هذه المنطقة التي أصبحت منصة انطلاق لطموح زعيمه، بما في ذلك الترشح للرئاسة. هو الآن في الجولة الثانية من الاقتراع الرئاسي في ثامن فبراير، وهو أول مرشح شعبوي يصل إلى هذه المرحلة في تاريخ البرتغال، ويحسّ بأن الزخم قد يكون في صالحه.

يقرأ  إيه إس إم إل العملاقة تعلن عن طلبات قياسية في ظل ازدهار الذكاء الاصطناعي

في انتخابات البرلمان 2024 نما حزب تشيغا ليصبح المعارض الرئيسي للحكومة الوسطية اليمينية لويز مونتينيغرو. صعوده السريع هزّ مشهدًا سياسياً احتكره الاشتراكيون والليبراليون طويلاً، وأفزع من ظنوا أن البرتغال بمنأى عن موجات اليمين المتطرف التي اجتاحت أجزاء من أوروبا. في بورتيمائو وألفوبايرا تزين لافتات حملته الطرق والدوارات، وهو حاضر دائماً في البرامج التلفزيونية ونشط على وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار دونالد ترامب الذي يُبدِي إعجابه به. كالرئيس الأميركي، يُهاجم فينتورا الهجرة والمهاجرين، وقد نال عقوبات قضائية لادعاءات وصفت بالتمييزية.

ليس كل من في الغارف سيستقبل فوز فينتورا بالترحاب. في وكالة التوظيف المؤقت “تايمينغ” في ألفوبايرا يتوافد الباحثون عن عمل، خصوصاً في فنادق ومطاعم المنطقة، ومعظمهم من خارج البرتغال. تحدثت الجزيرة إلى طارق أحمد وسيدول إسلام سعيد من بنغلاديش، وغورجيت سينغ من الهند؛ يعملون خلال الموسم السياحي ليجمعوا مدخراتهم، وجميعهم يقولون إنهم يحبون البرتغال.

عند سؤالهم عن خطاب تشيغا، يقر سيدول بأنه مدرك له لكنه لا يقلق في الوقت الراهن، مؤكدًا أن كل بلد له مشاكله وأنه يركز على العمل لا السياسة. مدير الوكالة ريكاردو ماريانو يقول إن سجلاتهم تضم آلاف العمال، نحو سبعين بالمئة منهم من الخارج؛ يعملون بجد وهم موضع ترحيب، ويُصرّ على أن الغارف لا يمكن أن تعمل دون العمال الأجانب، وكذلك بقية البرتغال.

تواجه البلاد نقصاً في اليد العاملة في قطاعات عدة، وللبرتغال تقليد طويل في الهجرة؛ ويفرض غياب السكن الميسور والوظائف والأجور المتدنية على الشباب البحث عن فرص في الخارج. بعضهم يرى أن الحكومات الاشتراكية والليبرالية المتعاقبة أخفقت في تغيير هذا الاتجاه. ومع ذلك، فإن المرشح الذي يواجه فينتورا في السباق الرئاسي هو سياسي اشتراكي مخضرم: أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي شغل مناصب برلمانية ووزارية وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. تقاعد عن السياسة للعمل بالتدريس لكنه عاد برسالة واضحة: يريد توحيد بلد مُنقسم والدفاع عن مؤسساته، ويؤكد أن الناخبين سيضطرون للاختيار بين الديمقراطية والراديكالية.

يقرأ  ضباب دخاني كثيف يخيم على نيودلهي بعد ألعاب ديوالي النارية، ويُدفع تلوث الهواء إلى مستويات خطرة

استطلاعات الرأي ترجح فوز سيغورو، والعديد من السياسيين من طيف واسع يطلبون من مؤيديهم دعم مرشح واحد لمنع فوز فينتورا. الدور الرئاسي برغم طابعه الشكلي إلى حد كبير يمتلك صلاحيات قد تصل إلى حل البرلمان أو رفض القوانين.

في بورتيمائو خرج النائب عن تشيغا جواو غراسا ليحشد التأييد لفيـنتورا، وزار سوقاً غذائياً مرتدياً سترة فوق قميص طبع عليه وجه فينتورا. تنقّل بين الأكشاك يحيي البائعين والمتسوقين، وحوالي اثني عشر مؤيداً يرددون الهتافات ويوزعون أقلاماً وشنطاً للحزب بحماس. لاقاه الناس بحرارة لافتة، ومن منظور غراسا سيكون فوز فينتورا أفضل ما يمكن أن يحصل للبلاد، لأن البرتغال، كما يقول، تحتاج فينتورا.

أضف تعليق