مزارعو غزة يخاطرون بالرّصاص الإسرائيلي لإعادة الحياة إلى حقولهم — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

قطاع غزة — العودة إلى الأرض وسط تهديد دائم

منذ بدء «الهدنة» في أكتوبر، توجّه الفلاح الفلسطيني محمد السلاخي وعائلته مباشرة إلى مزارعهم في منطقة الزيتون بغزة. بعد أكثر من عامين من الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، ومع استمرار الاعتداءات أحياناً، بدا أن الظروف آمنت بما يكفي لعودة الأهالي ومحاولة اعادة الإعمار واستصلاح الأرض.

قضى محمد وعائلته شهوراً في إزالة الأنقاض عن الأرض وبقايا البيوت المحطمة والبيوت البلاستيكية المتهدّمة التي كانت تُستخدم كدفيئات زراعية، وهي حال كثير من مبانٍ القطاع. وبموارد محدودة للغاية أعدّوا التربة وزرعوا المحصول الأول من الكوسا، على أمل حصاد مبكر في الربيع.

لكن حتى هذه المحاولة المحدودة لإعادة الحياة إلى الأرض لا تخلو من المخاطر. يقول محمد إن كل مرة يذهب فيها للعناية بحقله، هو يغامر بحياته: على بعد مئات الأمتار تقبع دبابات إسرائيلية، وأصوات الرصاص باتت مألوفة. قبل الحرب كانت مزرعته تُنتج كميات كبيرة من الخضار، إذ تعلّم الزراعة عن أبيه وجده، وكانوا يزوّدون السوق المحلية وتُصدَّر بعض المحاصيل إلى الضفة والمهجر. الآن «كل ما كان لدينا دُمِّر في الحرب».

سقوط المساحات الخضراء

أكثر من ثلاثة هكتارات (حوالي 7.5 فدان) من البيوت البلاستيكية التابعة لمحمد سويت بالأرض. شمل الدمار أيضاً شبكة الري بأكملها، وتسعة آبار، ونظامي طاقة شمسية، ومحطتي تحلية. تعكس خسائر محمد اتساع أضرار القطاع الزراعي في غزة؛ إذ أظهر تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في يوليو 2025 أن أكثر من 80% من الأراضي المزروعة تضررت، ونسبة أقل من 5% صالحة للزراعة.

ومع أن الهدنة مستمرة نسبياً، فإن الخسائر لم تتوقف بسبب توسيع إسرائيل لما تسميه «منطقة عازلة» تقوم ضمنها قواتها. يخشى كثير من الفلسطينيين أن تتحوّل هذه المنطقة العازلة إلى واقع دائم يؤدي إلى مصادرة أراضٍ زراعية. تصاميم عرضت ضمن ما عرف إعلامياً بمبادرة «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأمريكي السابق تُظهر محو مساحات زراعية واسعة.

يقرأ  إسرائيل تُطالب بالإفراج عن كافة رهائن غزة وتشكك في جدوى مقترح وقف إطلاق النار

التوسع في المناطق العازلة وتأثيره

تسيطر إسرائيل على نحو 58% من مساحة قطاع غزة، وتصف جانباً كبيراً من هذه المناطق بأنها مناطق عازلة أمنية في الشرق والشمال والجنوب، ومعظمها أراضٍ زراعية فلسطينية. استطاع محمد العودة إلى هكتار واحد فقط من أكثر من 22 هكتاراً كانت تملكها العائلة في مدينة غزة قبل الحرب؛ أما الباقي—حوالي 21 هكتاراً—فهي داخل المنطقة العازلة ولا يستطيع الوصول إليها. هذا الهكتار الوحيد يبعد نحو 200 متر عن «الخط الأصفر» الذي يحدد حدود المنطقة العازلة، وتقترب منه الدبابات الإسرائيلية وتفتح النار عشوائياً، بحسب محمد.

وقعت من قبل حوادث مسلحة؛ ففي 12 فبراير تقدّمت دبابات إسرائيلية إلى شارع صلاح الدين وفتحت النار، ما أسفر عن مقتل اثنين من الفلسطينيين وإصابة آخرين. كان محمد في أرضه قرب الدبابات، فتجمّع خلف مبنى مدمّر وانتظر أكثر من ساعة ونصف قبل أن يتمكن من الهروب غرباً.

الواقع في وسط غزة ليس أفضل: عيد الطعّبان، فلاح يبلغ من العمر 75 عاماً في دير البلح، قلق على أرضه التي تبعد نحو 300 متر عن «الخط الأصفر» ومناطق السيطرة الإسرائيلية. زرعوا باذنجاناً بالحقل بعد الهدنة، لكنه الآن لا يستطيع الوصول للحصاد بسبب اتساع المنطقة العازلة. يقول عيد إن أصوات الرشاشات الثقيلة مسموعة يومياً، وكلما ذهب أولاده لريّ البيوت البلاستيكية يترقب أن يعودوا سالمين. في 6 فبراير أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بمقتل الفلاح خالد براكه برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء عمله في أراضٍ شرقي دير البلح؛ وكان خالد جاراً وصديقاً لعيد.

الحصار والعوائق أمام الفلاحين

يعد الحصار الإسرائيلي أحد أكبر التحديات التي تواجه المزارعين في Gaza، فهو منع منذ 7 أكتوبر 2023 دخول معظم المعدات والإمدادات الزراعية: بذور، مبيدات، أسمدة، شبكات ري، وجرارات. أدّى ذلك إلى نقص حاد في المستلزمات، وما يصل يكون معرضاً للدمار بالقصف أو لانتهاء صلاحيته، كما ارتفعت أسعار القليل المتاح بسبب القيود. وحتى عند توفر المواد، لا توجد ضمانات لنجاح الزراعة.

يقرأ  رسائل إبستين الإلكترونية إلى الكاتب وولفتثير تساؤلات حول أخلاقيات العمل الصحفي — خبراء

قال عيد إنه اشترى بذور طماطم وأسمدة ومبيدات بأسعار باهظة بغية حصاد الربيع. بعد 90 يوماً من العناية المكلفة للنباتات، عندما حان وقت الجني، فسد المحصول لأن المبيدات والأسمدة التي اشتراها لم تكن فعّالة—تجربة مؤلمة تعكس واقع كثير من المزارعين في غزة والى أي مدى وصلت معاناتهم في محاولة إعادة الحياة إلى الأرض. أُجبر على إعادة زراعة المحصود.

صعوبات السوق

يشير عيد إلى أن الظروف الاقتصادية الراهنة في غزة جعلت العثور على مشترٍ للمنتوج أمراً بالغ الصعوبة. «حتى إذا تمكنا من إبقاء النباتات حية وجني المحصول، لا نعلم إن كنا سنستطيع تسويقه»، يقول عيد.

إن تذبذب السوق في غزة يسبب خسائر فادحة للفلاحين المحليين. يوضح وليد مقداد، تاجر جملة في المنتجات الزراعية، أن السلطات الإسرائيلية تغلق المعابر أحياناً، وفي أحيان أخرى تغمر السوق ببضائع مختلفة، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة لصغار المنتجين الفلسطينيين. وأضاف أن السلع الإسرائيلية تكون غالباً أقل جودة وبأسعار أرخص.

ورغم أن منتوجنا المحلي، وإن قلَّ من حيث الكمية منذ اندلاع الحرب، لا يزال يحتفظ بنكهة وجودة مميزة يفضلها الكثير من الزبائن، فإن غالبيّة سكان غزة، الذين دُمّرت اقتصادياتهم بفعل الحرب، لا يملكون المال ليفضلوا السلع الأغلى ثمناً. لذلك تُعقّد منافسة البضائع المستوردة مهمة المزارعين المحليين في تسويق محاصيلهم وتحقيق هامش ربح.

«أُجبرت مؤخراً على بيع كميات كبيرة من محاصيلي بأقل من تكلفة الإنتاج بسبب المنافسة من السلع المستوردة المتاحة بكثرة في السوق»، قال محمد، المزارع من شمال غزة. «كان عليّ أن أبيع وخسر أو أترك محصولي يَتعفّن. وبطبيعة الحال، نحن لم نتلق أي تعويض أو دع.»

رغم التحديات، يظل المزارعون مصممين على استعادة الحقول الزراعية في قطاع غزة. كانت تلك الأراضي ملاذاً يعشقه الفلسطينيون من سكان القطاع الذين قضى معظمهم حياتهم في المدن المكتظة؛ فقد وفرت لهم الزراعة متنفساً من السيطرة الإسرائيلية والحروب المتكررة.

يقرأ  أَخْشَى أَنْ يَتَلَفَ سَارِي الزِّفَافِ

«الزراعة هي حياتنا ومعيشتنا»، يؤكّد محمد. «هي جزء أصيل من هويتنا الفلسطينية. بالرغم من الدمار والمخاطر، سنبقى ثابتين على أرضنا وسنزرع كل أرض يمكننا الوصول إليها. سيواصل أولادنا ما بدأناه.»

بالنسبة إلى عيد، الزراعة استمرار لمهنة الأجداد في بلدات باتت الآن داخل أراضي إسرائيل ولا يمكنه العودة إليها. «عمري خمسة وسبعون عاماً وما زلت أعمل في الحقول يومياً»، يقول عيد. «كان جدي فلاحاً في بلدتنا بئر السبع قبل النكبة. علّم والدي، وعلمني والدي، واليوم أنقل خبرتي الزراعية إلى أحفادي. حب الأرض والزراعة ينتقل من جيل إلى جيل ولا يُنتزع منا.»

أضف تعليق