مطالبات بشأن غرينلاند: إلى أي مدى اقترب أعضاء الناتو من مواجهة مسلحة؟

الإدارة الأمريكية تعيد التهديد باستغلال غرينلاند — شراءً أو بالقوة العسكرية — بحجة “ردع خصومنا في القطب الشمالي”.

غرينلاند، الإقليم شبه الذاتي التابع للمملكة الدنماركية، تستضيف بالفعل قاعدة بتوفيك الفضائية التي تُشغّلها الولايات المتحدة بتنسيق مع السلطات الدنماركية. والولايات المتحدة والدنمارك عضوان مؤسسان لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أقوى تحالف عسكري في العالم.

قادة أوروبيون وكنديون أعلنوا تضامنهم مع الدنمارك وغرينلاند، وأفادوا بأنهم يعملون على خطة طوارئ في حال نفّذت واشنطن تهديداتها.

محللون يحم…لون أن أي محاولة أمريكية لضم غرينلاند ستكون سابقة لم يشهدها تاريخ الناتو، وستطرح أسئلة جوهرية حول استمرارية التحالف وحدود تطبيق المادة الخامسة، المصممة للدفاع ضد معتدٍ خارجي.

ماذا يحدث إذا هاجم عضو في الناتو عضواً آخر؟
المبدأ الحاكم في الناتو هو الدفاع الجماعي؛ فالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تنص على أن هجوماً مسلحاً على أحد الأعضاء يُعتبر هجوماً على الجميع. منذ تأسيس الحلف عام 1949 ظلت هذه التعهُّد ملزماً ومؤسساً لتضامن عابر للمحيط بين أوروبا وأمريكا الشمالية. لكن المادة الخامسة تتطلب اتفاقاً بالإجماع لاستدعائها، وبذلك تتحول أي مواجهة بين عضوين إلى مأزق؛ إذ لا يمكن للحلف أن يقرر شن حرب على نفسه. ولقد فُعّلت المادة مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.

في هذا التسلسل الزمني، تستعرض قناة الجزيرة أقرب حالات احتكاك أو صراع محتمل بين أعضاء الناتو.

مواجهات عسكرية محدودة

1958–1976 — نزاع الصيد بين بريطانيا وأيسلندا (حروب القدّ)
كانت حروب القد سلسلة من التصعيد بين لندن وريكيافيك على حقوق الصيد في شمال الأطلسي. لم تتطور الخلافات إلى حرب شاملة، لكنها شهدت اصطدامات بحرية متصاعدة، من ضمنها اعتراضات واصطدامات بالسفن وتوتر دبلوماسي بين عضوين في الناتو. وخشية فقدان قاعدة كيفلافيك الجوية في أيسلندا، الضرورية لمراقبة الغواصات السوفييتية في شمال المحيط الأطلسي، ضغط الناتو والولايات المتحدة على بريطانيا للتنازل. انتهى النزاع في 1976 بنصر دبلوماسي لأيسلندا مع إقرار حد الـ200 ميل (322 كم) الذي أصبح معياراً عالمياً.

يقرأ  ادعاء زائف — الفيديو لا يُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي وهو يتعرض للضرب من قبل الحشود

1974 — اليونان وتركيا على خلفية قبرص
الغزو التركي لقبرص عام 1974 كان أقرب ما وصل الناتو إلى مواجهة بين أعضائه بالحجم الكامل. بعد انقلاب مدعوم من اليونان في قبرص، شنت تركيا عملية عسكرية كادت أن تؤدي إلى صراع مباشر بين الحليفين. احتجاجاً على ما اعتبرته اليونان فشلاً للناتو في كبح تركيا، انسحبت اليونان من البنية العسكرية للحلف بين 1974 و1980. في ظل تبعات الحرب الباردة، كان كلا العضوين ضرورياً لخط الناتو في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وبالرغم من الأعمال العسكرية المحدودة بين اليونان وتركيا، نجح الحلف في منع انزلاق الأمور إلى حرب مباشرة.

1995 — نزاع الصيد بين كندا وإسبانيا (حرب التربوت)
في 1995 اقتربت كندا وإسبانيا من مواجهة بحرية خلال ما عُرِف بـ«حرب التربوت». فرضت كندا قيوداً لحماية المخزون السمكي، شملت نوعاً معروفاً بـالتربوت، وادعت أن سفن الاتحاد الأوروبي تصطاد بشكل مفرط خارج المنطقة الاقتصادية الحصرية لكندا. تصاعدت الأوضاع عندما أطلقت خفر السواحل الكندي ذخائر تحذيرية فوق سفينة صيد إسبانية واعتقل طاقمها. هددت أوروبا بفرض عقوبات، لكن بريطانيا استخدمت حقّ النقض ضدها وانحازت كندا إليها بمساندة أيرلندا. ردّت إسبانيا بنشر دوريات بحرية، وكلفت كندا قواتها البحرية بإطلاق النار على سفن متعدّية الحدود، مما قرّب أعضاء الناتو من صدام خطير. انتهت الأزمة بوساطة أوروبيّة أفضت إلى انسحاب كندا من إجراءات الإنفاذ وإقامة إطار تنظيمي مشترك.

نزاعات حول الانخراط العسكري
واجه الناتو أيضاً انقسامات داخلية حول متى وكيف يتدخل عسكرياً، إذ أبدى بعض الأعضاء تحفظات على الانخراط المباشر.

1956 — فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة خلال أزمة السويس
في أزمة السويس عام 1956 شكلت فرنسا وبريطانيا تحالفاً سريّاً مع إسرائيل لغزو مصر بعد تأميم القناة بقرار من جمال عبد الناصر. أثار هذا التحرك أزمة داخل الناتو، إذ عارضت الولايات المتحدة بشدة العملية خشية تدخل السوفييت وفقدان الدعم في العالم العربي. رغم ذلك شنت فرنسا وبريطانيا عملياتهما، وحلّ التوتر في نهاية المطاف بتدخل الأمم المتحدة عبر أول قوة حفظ سلام مسلحة لها، قوة الطوارئ الدولية، التي شكّلت نموذجاً لعمليات حفظ السلام المقبلة.

يقرأ  نحو ٢٠٠ جندي من نيجيريا وساحل العاج ينتشرون في حملة «التنظيف»

1960–1970ـات — الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون حول حرب فيتنام
أحدثت حرب فيتنام خلافاً ملحوظاً بين أعضاء الناتو حول تدخل واشنطن العسكري. رأت الولايات المتحدة أن فيتنام جبهة أساسية في الصراع البارد، بينما عارضت دول أوروبية بارزة مثل فرنسا وبريطانيا الانخراط المباشر. استنكرت فرنسا الحرب وقررت الخروج من القيادة العسكرية للناتو في 1966 لتتجنّب الانجرار إلى صراعات أمريكية مستقبلية، ثم أعادت الانضمام إلى القيادة العسكرية بعد 43 عاماً، في 2009. أما بريطانيا فامتنعت عن إرسال قوات برية واسعة رغم ضغوط واشنطن، لكنها قدّمت دعماً لوجستياً ومخابراتياً. من اللافت أن استراليا، رغم أنها ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي وحفاظها التقليدي على تحالف وثيق مع المملكة المتحدة، أرسلت قوات للمشاركة في الحرب — خطوة كشفت تباينات واضحة داخل الحلف حول نطاق الالتزامات والتحالفات الدولية.

الفيتنام وحركة التحالف
الاختلافات الدبلوماسية بين الدول الكبرى أدّت إلى توتر داخل صفوف الحلف، فالحرب في فيتنام لم تُدرَج تحت قيادة الناتو، كما أن تضارب المواقف كان سبباً في نقل مقر الحلف من فرنسا إلى بلجيكا، حيث لا يزال مقره حتى اليوم.

1999 — معارضة اليونان لحملة كوسوفو الجوية
في 1999 أطلق الناتو حملة جوية رداً على عمليات التطهير العرقي التي نفّذتها القوات الصربية في كوسوفو. ورغم مشاركة الحلف في ضربات ضد يوغوسلافيا، أبدت دول عضوة تحفظات جادة؛ كانت اليونان أبرزها بسبب الروابط الثقافية والدينية مع صربيا، حتى أن متظاهرين يونانيين اعترضوا طرق تحرك قوات بريطانية متجهة للانضمام إلى الحلفاء. كانت اليونان أول دولة عضو تطالب بوقف القصف.

2003 — انقسام الحلفاء الأوروبيين حول حرب العراق
أحدثت حرب العراق عام 2003 واحدة من أعمق الشقوق في تاريخ الناتو. فضلاً عن دعم الحلف لقرار مجلس الأمن رقم 1441 الذي منح العراق «فرصة نهائية» للامتثال لالتزامات نزع السلاح، رفضت ثلاث دول أعضاء — فرنسا وألمانيا وبلجيكا — تفسير واشنطن الذي اعتبر أنه يمنح تفويضاً للعمل العسكري الفوري، ما أدى إلى مأزق سياسي. في نهاية المطاف قاد الغزو «تحالف الراغبين» وليس الناتو نفسه، وبقيت المادة الخامسة دون تفعبل.

يقرأ  إلى أي مدى تمتد «مسؤولية» المعلم؟

2011 — خلافات بشأن التدخل في ليبيا
أثناء التدخل في ليبيا عام 2011 لم يتفق أعضاء الحلف على ما إذا كان الناتو هو الجهة التي يجب أن تتولى تطبيق منطقة حظر جوي في حال تراجع الولايات المتحدة عن القيادة. عارضت ألمانيا وبولندا التدخل العسكري برمته، وامتنعت ألمانيا عن تأييد قرار مجلس الأمن الذي كان سيخول الناتو التحرك. كما أبدت توركيا موقفاً متشدداً طالب بتجنّب أي طابع احتلالي وإنهاء العمليات بسرعة. فرنسا رفضت أن تتولى القيادة وحدها، وإيطاليا طالبت باستعادة السيطرة على قواعد جوية سمحت باستخدامها للحلفاء ما لم تُنظم آلية تنسيق واضحة. نتج عن هذه الخلافات تأخير في تولي الناتو القيادة الفعلية للحملة الجوية لما يقارب أسبوعين بعد بدء الضربات الأولى.

خلافات أخرى ومآلات مستقبلية
واجه الناتو أيضاً خلافات متكررة بشأن أفغانستان ونشر القوات في أوروبا الشرقية بعد حرب روسيا وأوكرانيا، حيث حدّت بعض الدول من نطاق عمليات قواتها ومناطق عملها. كما ظلّت قضايا الميزانية والدفاع الصاروخي مصدر توتر مستمر. ومع ذلك، لم ينقسم الحلف تماماً؛ أما ما ستؤول إليه قضية غرينلاند فتمثل اختباراً آخر للوحدة والقدرة على التوافق داخل المنظومة الأطلسية.

أضف تعليق