مع دخولنا السنة الرابعة من حرب أدت إلى تدمير غزة شبه الكامل، تتصاعد الدعوات إلى حماس لتسليم السلطة الإدارية وإخلاء القطاع. ويُقال إنه لكي يكون لغزة مستقبل ممكن، يجب تفكيك جناحي الحركة السياسي والعسكري.
ومع أن مصير حماس سؤال جوهري، فإن رسم طريق حقيقي نحو التعافي مستحيل دون معالجة الظروف التي أدت إلى ظهورها أصلًا.
ما يحدث اليوم في غزة مرتبط مباشرة بأصول القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، التي لا علاقة لها تقريبًا بأي جماعة مسلحة بعينها.
لم تكن حماس موجودة في 1948، حين هُجّرت مئات القرى الفلسطينية، ومنها النجع وحوج، ودُمّرت خلال النكبة، وهي الكارثة الفلسطينية التي رافقت إنشاء دولة إسرائيل، لإفساح المجال أمام إقامة سديروت وأور هانير ومدن وقرى إسرائيلية أخرى كثيرة بُنيت على أنقاضها.
ولم تكن الحركة قد تأسست بعد في 1967، حين وقعت الحرب العربية-الإسرائيلية وبدأت إسرائيل احتلالها العسكري لقطاع غزة والضفة الغربية، في حين استولت على القدس الشرقية وضمّتها من جانب واحد، وهي إجراءات مهّدت فعليًا لمشروع الاستيطان الإسرائيلي الأوسع.
وفي العقود التالية، أثّر الاحتلال تأثيرًا عميقًا في المجتمع الفلسطيني. وقد ساهم ذلك، مع تنامي النفوذ الديني — إذ ارتفع عدد المساجد المحلية من 200 إلى 600 بين 1967 و1987 — والفراغ الذي خلفته قيادة وطنية علمانية آخذة في الأفول، في تهيئة الأرض لصعود فصائل وطنية ذات مرجعية دينية. وكان اندلاع الانتفاضة الأولى في 1987 نقطة تحول سياسية أدت مباشرة إلى إنشاء حماس.
أسست الحركة مجموعة من الرجال الفلسطينيين، بينهم ثلاثة شخصيات بارزة. إبراهيم اليازوري، وُلد في بيت دراس، قرب أشدود اليوم، وكان في الثامنة فقط عندما قتل جنود الهاغاناه أفرادًا من عائلته وطردوا من نجا منهم إلى خان يونس، جنوب مدينة غزة.
ومؤسس آخر، عبد العزيز الرنتيسي، وُلد في يبنا، وهي قرية قرب يافا تقع أطلالها الآن تحت مدينة يفنه الإسرائيلية. وكان في عامه الأول فقط عندما طردت القوات الإسرائيلية عائلته إلى خان يونس.
وأخيرًا، أحمد ياسين، وُلد في الجورة، وهي قرية قرب عسقلان سوّاها الجيش الإسرائيلي بالأرض. وكان في الثانية عشرة عندما اضطر هو وعائلته إلى الفرار من منزلهم والاستقرار في مخيم الشاطئ للاجئين على ساحل غزة.
إبراز هذا التاريخ لا ينبغي أن يُفهم خطأً كمحاولة للتقليل من مسؤوليات حماس. لكن أفعال الحركة لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي وعن الدور الذي لعبته دولة إسرائيل طوال هذه العملية.
وعلى عكس داعش التي نعتت نفسها بالدولة الإسلامية، وجماعات أخرى ظهرت في السنوات الأخيرة — وهي جماعات تفتقر إلى جذور عميقة في المجتمعات المحلية وتعتمد على أيديولوجيات بائدة — فإن الفصائل الفلسطينية متشابكة بعمق مع المجتمع المحلي والهوية الوطنية.
ومع أن مسار حماس يحمل قرارات كارثية عدة — وأبرزها قرارها الفتّاك بشن الهجوم على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 — تبقى الحركة، قبل كل شيء، عرَضًا من أعراض قرن من المعاناة والقمع والصراع الدائم من أجل تقرير المصير.
أي حل مقترح للحرب في غزة — سواء مع حماس أو من دونها — لا يعالج هذه الحقائق الأساسية، مصيره الفشل. ويجب التشديد هنا على أن النزعة الواسعة في الغرب إلى تصوير حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير باعتباره “مكافأة لحماس” معيبة بعمق. وهي تنبع من تحيّز نظامي لا يجوز تطبيعه.
فهذا الحق مكرّس في القانون الدولي ومؤيد من غالبية ساحقة من الدول قبل هجوم حماس بزمن طويل.
ومن الخطأ أيضًا مساواة أفعال حماس بإرادة الشعب الفلسطيني. فاليوم، ما يقرب من نصف سكان قطاع غزة أعمارهم دون 18 عامًا؛ وعندما فازت حماس في انتخابات 2006، كان أكثر من نصف سكان غزة الحاليين لم يولدوا بعد.
علاوة على ذلك، في استطلاع للبارومتر العربي أُجري في الضفة الغربية وغزة بين أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 2023، قال 29 في المئة فقط من المستجيبين في غزة إنهم يثقون بالحكومة التي تقودها حماس. وأرجعت الأغلبية الفقر إلى عوامل داخلية؛ واتهم 31 في المئة سلطات حماس مباشرة بالمسؤولية عن الوضع.
والأهم أن أغلبية (54 في المئة) أيّدت حل الدولتين للصراع؛ و73 في المئة فضّلوا حلًا سلميًا. في حين فضّل 20 في المئة فقط العمل العسكري.
لا يمكن لوجود حماس في غزة أن يبرر التدمير الشامل للقطاع والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، والتي جعلت مسؤولين إسرائيليين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لم تكن حماس موجودة في مستشفى النصر في نوفمبر 2023، عندما ترك الجيش الإسرائيلي أطفالًا حديثي الولادة يموتون في الحاضنات بعد إجبار القائمين على رعايتهم على الإخلاء ومنعهم من العودة. ولم تكن حماس في السيارة مع هند رجب، الفتاة الفلسطينية الصغيرة، عندما أطلقت القوات الإسرائيلية 335 رصاصة عليها في يناير 2024.
ومن المفارقات، وليس من المستغرب، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يرى في حماس منذ زمن طرفًا مفيدًا للحفاظ على حجة أنه لا يوجد شركاء فلسطينيون معتدلون للتفاوض معهم.
وتتوافق هذه الاستراتيجية بقوة مع خطة الإخضاع لعام 2017 — وعنوانها الرسمي “الخطة الإسرائيلية الحاسمة” — وهي إطار سياسي وأيديولوجي قدّمه السياسي الإسرائيلي من أقصى اليمين بتسلئيل سموتريتش في 2017، ودعا صراحة إلى تجاهل التطلعات الوطنية الفلسطينية.
هذا الرفض لمعالجة الجذور البنيوية جمّد المشهد الدبلوماسي المعاصر. فعدم رغبة إسرائيل في الدخول في حوار مع محاورين فلسطينيين يتناقض تناقضًا حادًا مع الواقعية العملية التي عبّر عنها تاريخيًا الجنرال الإسرائيلي موشيه دايان، الذي قال إن صنع السلام يتطلب التفاوض مع الأعداء لا مع الأصدقاء.
ويتميز المشهد الدبلوماسي اليوم باختلال عميق في التوقعات. فسنوات طويلة واجهت الفصائل الفلسطينية شروطًا مسبقة صارمة وغير قابلة للتفاوض لنيل الشرعية السياسية الدولية — مثل الاعتراف الصريح بإسرائيل، ونبذ العنف، والالتزام بالاتفاقات السابقة.
في المقابل، لم تُفرض أي مطالب مماثلة على السلطات الإسرائيلية، التي لا يُطلب منها الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، أو احترام المعاهدات السابقة، أو نبذ العنف.
بل إن التطور السياسي الإسرائيلي نفسه متشابك مع فصائل استخدمت العنف السياسي. فقد نفذت منظمات شبه عسكرية مثل الإرغون، بقيادة مناحيم بيغن، وليحي، بقيادة إسحاق شامير، عمليات استهدفت المدنيين، ومع ذلك انتقل الزعيمان لاحقًا إلى السياسة السائدة وأصبحا رئيسي وزراء.
يتجلى اختلال القوى هذا مباشرة كعدم تماثل دبلوماسي أيضًا في مفاوضات وقف إطلاق النار الأخيرة، التي لا تزال متعثرة بسبب مطالبة إسرائيل بنزع سلاح حماس بالكامل. فبجعل القضاء على القدرات العسكرية للحركة شرطًا مسبقًا لهدنة دائمة، تضع القيادة الإسرائيلية عتبة سياسية تُغلق فعليًا أي تسوية تفاوضية.
وهذا يسمح للحكومة الإسرائيلية بإدامة وضع قائم يدرّ عليها مكاسب استراتيجية وإقليمية وسياسية كبيرة.
في المحصلة، لن يؤدي التخلص من حماس إلى إلغاء مطالب الفلسطينيين بالحرية، ولن يلبي الحق المشروع لإسرائيل وفلسطين في الأمن. فالصراع لم يبدأ بصعود فصيل مسلح، ولن ينتهي أبدًا حتى تدرك جميع الأطراف المعنية أخيرًا، كما حذّر الفقيه البيروفي من السكان الأصليين ديونيسيو إنكا يوبانغي قبل قرنين، أن “أمة تضطهد أمة أخرى تصنع في النهاية قيودها بنفسها”.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.