مع رهانات كبيرة من مايكروسوفت وأمازون — أين تقف الهند في السباق العالمي؟

تتعالى الأنظار صوب الهند بعد تعهد عملاقي التكنولوجيا أمازون ومايكروسوفت باستثمار مشترك يفوق 50 مليار دولار، ما وضع ملف الذكاء الاصطناعي في بؤرة الاهتمام مجدداً. أعلن ساتيا ناديلا أن مايكروسوفت ستضخ 17.5 مليار دولار في آسيا — أكبر استثمار للشركة في المنطقة — بهدف بناء البُنى التحتية والمهارات والقدرات السيادية اللازمة لمستقبلٍ «مُحور حول الذكاء الاصطناعي» في الهند. وبدورها أعلنت أمازون أنها ستضع أكثر من 35 مليار دولار في البلاد حتى عام 2030، مع تخصيص جزء غير محدد لتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي.

تأتي هذه الإعلانات في وقتٍ حساس. بينما أثير قلق بشأن فقاعة عالمية للذكاء الاصطناعي وارتفعت مَدَى تقييمات أسهم شركات التكنولوجيا، تبنّت بعض بيوت الوساطة الكبرى موقفاً مغايراً تجاه المشهد الهندي. وصف كريستوفر وود من جيفريز أسواق الأسهم الهندية بأنها «مقامرة عكسية على الذكاء الاصطناعي» — بمعنى أن الهند قد تتفوّق إذا انهارت صفقة الذكاء الاصطناعي العالمية أو بمعنى آخر لو انفجرت الفقاعة. وأشار بنك HSBC إلى أن الأسهم الهندية تمثل «تحوطاً وتنويعاً» للمستثمرين القلقين من استمرار زخم ارتفاعات الذكاء الاصطناعي.

على أرض الواقع، تأخّرت بورصة مومباي عن أقرانها الآسيويين خلال العام الماضي، مع تحويل المستثمرين الأجانب ملياات الدولارات صوب شركات التكنولوجيا الكورية والتايوانية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، لغياب فرص مماثلة في الهند. وفي ظل هذا الخلفية، تمنح استثمارات أمازون ومايكروسوفت دفعةً مطلوبة للسوق الهندية، لكن يبقى التساؤل: إلى أيِّ مدى تُعد الهند لاعباً منافساً في السباق العالمي للذكاء الاصطناعي؟

تبنّت الهند سرعةً ملحوظة في تبني الذكاء الاصطناعي. بدأت الاستثمارات تتسرّب إلى أجزاء من سلسلة القيمة مثل مراكز البيانات — العمود الفقري المادي للذكاء الاصطناعي — ومرافق تصنيع الرقائق. وفي هذا الأسبوع أعلنت شركة إنتل الأميركية تعاوناً مع شركة تاتا للإلكترونيات التي تتخذ من مومباي مقراً لها لتصنيع رقائق محلياً. بيد أن بناء نموذج سيادي للهند لا يزال أمراً تتخلله محاولات اللحاق بالركب.

يقرأ  وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة المتحدة في زيارة دولة ثانيةأخبار الأعمال والاقتصاد

قبل نحو عام ونصف، أطلقت الحكومة الهندية مهمة وطنية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى تزويد الشركات الناشئة والجامعات والباحثين بشرائح حوسبة متقدّمة لتطوير نموذج كبير محلي على غرار نماذج OpenAI أو ما تبنته بعض الشركات الصينية. وفقاً لوزارة الإلكترونيات الاتحادية، فإن إطلاق النموذج السيادي — والذي سيدعم أكثر من 22 لغة — بات وشيكاً. غير أن نماذج دولية مثل DeepSeek وOpenAI أحرزت تقدماً إضافياً أطلقت عبره نسخاً جديدة.

الحاجة إلى تقليل الاعتماد على المنصات الأجنبية دفع بها صانعو السياسات الهنود، خشية مخاطر المراقبة وفرض العقوبات؛ ومع ذلك فإن ميزانية المهمة السيادية الهندية البالغة 1.25 مليار دولار تظل ضئيلة مقارنة ببرامج فرنسا بقيمة 117 مليار دولار أو السعودية بـ100 مليار دولار. كما أن طموحات الهند تواجه عقبات تقنية واتصالية عديدة — من توفّر أشباه الموصلات إلى ندرة المواهب الماهرة ونُظم بيانات مُجزّأة — بحسب تقرير الشركة الاستشارية العالمية EY.

تعاني الهند حالياً نقصاً في البُنى التحتية الحاسوبية وكذا في استثمارات البحث والتطوير التي امتدت لعقود ومنحت كلّاً من الصين والولايات المتحدة الأفضلية. وعلى الرغم من القوة النسبية في مواهب الذكاء الاصطناعي، تُصارع الهند للاحتفاظ بمطوّريها داخل الحدود الوطنية. يذكر تقرير EY أن تشديد شروط العمل في الخارج يفتح نافذة فرصة للاحتفاظ بالكفاءات المحلية وجذب أبناء الجالية الهندية المقيمين خارج البلاد، لكنه يؤكد أن المواهب من الطراز الأول متنقّلة عالمياً، وأن حوافز سياسية جذّابة ضرورية لتشجيع الانتقال إلى الهند. تقدم الصين مثلاً حزمة حوافز تشمل الدعم المالي والمنح والحوافز الضريبية وتمويل البحث والتطوير وتأشيرات خاصة للمواهب وتسريع إجراءات الهجرة.

تحتوي الهند على تركيز أعلى من المتخصصين في الذكاء الاصطناعي يعادل نحو 2.5 ضعف المتوسط العالمي، لكن السياسات اللازمة للاحتفاظ بهم لم تُفعّل بعد.

يقرأ  لماذا تُعدُّ كافالريالسلاحَ السريّ لأفضل استوديوهات التصميم في العالم؟

رغم التحديات، تبرز الهند — جنباً إلى جنب مع دول مثل البرازيل والفلبين — أداءً يفوق وزنها في مجال الذكاء الاصطناعي، لا سيما بالنظر إلى مرحلة تطورها الاقتصادي، وفق دراسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. ويُظهر مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2025 أن الهند ضمن الخمسة الأوائل عالمياً من حيث عدد الشركات الجديدة التي حصلت على تمويل في مجال الذكاء الاصطناعي. ففي العام الماضي تم تمويل 74 شركة هندية ناشئة في هذا المجال، وهي نسبة ضئيلة مقارنةً بأكثر من 1000 شركة ممولة في الولايات المتحدة، كما جمعت الشركات الهندية الناشئة نحو 1.16 مليار دولار في تمويلات خاصة مقابل أكثر من 100 مليار دولار في الولايات المتحدة وما يقرب من 10 مليارات دولار في الصين.

لا تزال الهند تشارك بنسبة معتبرة في المشهد الفكري للذكاء الاصطناعي، حيث تمثل حوالي 9.2% من منشورات الأبحاث — أكثر قليلاً من الولايات المتحدة، لكنها تلي أوروبا والصين وفق مؤشر ستانفورد. ويقول خبراء إن ميزة الهند قد لا تكمن بالضرورة في بناء نماذج لغوية ضخمة مكلفة بقدر ما تكمن في توظيفها في المستويات التطبيقية لتحفيز ريادة الأعمال.

«أرى على المدى القصير تركيزاً كبيراً للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، لكن خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة سيُحدث الذكاء الاصطناعي تأثيراً ديمقراطياً هائلاً في خلق شركات جديدة. سيزداد عدد المؤسسين الصغار وريادة الأعمال، وسيكون الأثر التبعي مذهلاً لأماكن مثل الهند ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ»، هكذا صرّح شيليندرا سينغ، المدير العام في Peak XV Partners التي تستثمر في الشركات الناشئة العاملة بالذكاء الاصطناعي. ويضيف أن الهند تشهد ازدهاراً في تطبيقات المستهلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع مضاعفة الاستثمارات في الشركات الناشئة مقارنة بالعام الماضي.

يقرأ  خطاب دونالد ترامب أمام الكنيست الإسرائيليأخبار دونالد ترامب

كما تستخدم العديد من الشركات الناشئة الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لمعالجة تحديات واقعية تخص ملايين السكان الذين ما يزالون على الجانب الخاطئ من الفجوة الرقمية. فعلى سبيل المثال، تطبيق MahaVISTAAR الذي تشغله حكومة ماهاراشترا يوفّر معلومات زراعية حيوية بلغة الماراثي المحلية ويصل إلى أكثر من 15 مليون مزارع. وكتب ناندان نِيلكاني، مهندس برنامج البصمة الحيوية في الهند، في مجلة The Economist أن «أصعب الأماكن لإحداث تأثير للذكاء الاصطناعي هي أيضاً الأماكن التي يكون أثره فيها الأعظم. إذا استطاع الذكاء الاصطناعي خدمة صفوف الهند وعياداتها ومزارعها، فبإمكانه خدمة العالم».

لقد بدأت بعض هذه القصص فعلاً في أن ترى النور، إذ أظهرت تطبيقات مثل MahaVISTAAR أمثلة أولية على إمكانات التأثير الاجتماعي. غير أن الذكاء الاصطناعي يحمل في طيّاته أيضاً إمكانية تعكير صفو قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات في الهند، وهو القطاع الذي دفع بالنمو الاقتصادي وخلق ملايين الوظائف على مدى الثلاثين عاماً الماضية. تُشير جيفريز إلى أن شركات تكنولوجيا المعلومات التي تحقق مليارات الدولارات قد تواجه «مناطق ضعف» مع تعطل بعض وظائفها بفعل الذكاء الاصطناعي.

وقد بدأت بوادر هذا الضعف تلوح: نمو مكاتب الدعم الخلفية لتكنولوجيا المعلومات في الهند يتباطأ، والأسهم تُسجّل أداءً منخفضاً، والتوظيف تقلّص، والأجور شهدت ركوداً في ظلّ بروز مُعطّلات تكنولوجية جديدة.

في المحصّلة، تمنح استثمارات أمازون ومايكروسوفت دفعةً مهمة للنظام البيئي الهندي للذكاء الاصطناعي، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام الهند لتقليص الفجوات البنيوية وبلوغ مراتب متقدمة في سباق النماذج والسيادة التكنولوجية العالمي. رغم الإمكانات البشرية والابتكارية، يبقى السؤال حول قدرة الهند على تحويل هذه الفرص إلى ريادة صناعية وسياسية مستدامة.