«مقامرة إندونيسيا بشأن غزة»

أعلنت حكومة الرئيس برابوو سوبيانتو في العاشر من فبراير أن إندونيسيا تستعد لنشر ما يصل إلى ثمانية آلاف جندي ضمن قوة متعددة الجنسيات مقترحة لتهدئة غزة في إطار ما يُسمى بمبادرة دونالد ترامب المعروفة باسم «مجلس السلام». يشكل هذا الاقتراح العسكري جزءاً من قرار أوسع لجاكرتا بالمشاركة في إطار المجلس، وهو تحوّل دالّ في موقفها الخارجي التقليدي. في وقت تتصاعد فيه التقلبات الجيوسياسية، تبدو العاصمة الإندونيسية ملتزمة بمشروع مركّز حول شخصية سياسية مستقطبة للغاية. والسؤال المبدئي هنا: هل تخدم هذه الخطوة مصالح اندونيسيا الوطنية ومصداقيتها الدبلوماسية، أم أنها تستجيب لأجندة خارجية قد تضعف استقلالية سياساتها الخارجية؟

الجغرافيا السياسية ليست مسرحاً للتقارب الرمزي من مراكز القوة، بل هي حساب عقلاني ومنضبط للمصالح الوطنية والمصداقية السيادية. قرار جاكرتا بالتعامل مع مجلس السلام لا يبدو كخيار استراتيجي دقيق مدروساً، بل أقرب إلى رد فعل سريع قد يقضم الأسس الفلسفية لدبلوماسيتها التي شُكّلت على مدى عقود. لقد قامت تأثيرات اندونيسيا الدولية تاريخياً على مبدأ التوازن الاستراتيجي والحياد النشط بدلاً من الاصطفاف الشخصي خلف قادة مثيرين للجدل.

تتزايد المخاوف من أن تحرّك جاكرتا ناتج عن إحساس بالإلحاح الجيوسياسي، بينما يقود المبادرة شخصية تُعرف بالدبلوماسية المعاملاتية وتجاهلها أحياناً للإجماع الدولي. وتخرج تبعات ذلك عن نطاق مبادرات السلام في الشرق الأوسط لتطال سمعة اندونيسيا كفاعل مستقل ومستقر في الساحة الدبلوماسية العالمية.

إذا مضت إندونيسيا في نشر قوات تحت مظلة مجلس السلام، ستتفاقم المخاطر. غزة ليست مسرح حفظ سلام تقليدياً؛ إنها واحدة من أكثر البيئات صراعية وتقلباً على مستوى العالم، حيث تتصادم المتطلبات الإنسانية مع أهداف الأمن الصارم. إن إدخال آلاف الجنود إلى مثل هذا السياق من دون تفويض متعدد الأطراف شامل يهدد بتحويل دور إندونيسيا من وسيط محايد إلى طرف في صراع يصعب عليه المحافظة على حياده.

يقرأ  وداعٌ في مدينة غزة: مشاهد من الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

تآكل مبدأ «النِفْي والنشاط» في السياسة الخارجية
أخطر ما في الأمر هو التآكل التدريجي لعقيدة «النفي والنشاط» في سياسة اندونيسيا الخارجية، العمود الفقري الفكري لدبلوماسيتها منذ إعلان داؤندا ومؤتمر باندونغ. تميّزت إندونيسيا تاريخياً بدورها الوسيط والملتزم بالمبادئ العامة بدل أن تكون تابعاً لأجندات دبلوماسية مُشخصنة.

بالمشاركة في مؤسسة تُرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصية مثل دونالد ترامب، تُخاطِر جاكرتا بتقنين نهج أحادي الجانب قد يتعارض غالباً مع المعايير الدولية الراسخة. فالديبلوماسية الحرة تعني الاستقلال، والنشطة تعني الانخراط المبني على أولويات وطنية لا الخضوع لضغوط خارجية.

كما أن هناك مخاطرة بأن تتحوّل إندونيسيا إلى مجرد توقيع رمزي يؤيّد منظوراً خارجياً موجهاً من الولايات المتحدة. إذا انجرفت جاكرتا بعيداً إلى مدار هذا التوجّه، فقد يفقد قدرتها على التأثير لدى فاعلين كبرى آخرين مثل الصين وروسيا وشركاء الآسيان. لقد اعتمدت قيادة إندونيسيا في جنوب شرق آسيا على مصداقيتها كقوة موازنة ومحافظة على الاستقرار، ومصداقية كهذه قد تتآكل إذا اعتُبرت مشاركتها جزءاً من أجندات أمنية كبرى.

سجل اندونيسيا المحترم في حفظ السلام عبر الأمم المتحدة استند تاريخياً إلى الحياد المعترف به دولياً وتحت هياكل الأمم المتحدة. والمشاركة في إطار خارج المنظومات متعددة الأطراف المعترف بها قد تُحَوِّل دورها من حكم محايد إلى مشارك في بنية أمنية سياسية لا تتوافق مع معايير حفظ السلام العالمية.

المفارقة الفلسطينية
تثِير مشاركة إندونيسيا في مجلس السلام توتراً أخلاقياً ودستورياً واضحاً. الدستور الإندونيسي يرفض أشكال الاستعمار ويؤكد على العدالة الدولية؛ لذلك، الارتباط بمبادرة يقودها من اتُّهم تاريخياً بالانحياز إلى إسرائيل يخلق تناقضاً يصعب تبريره. سجل ترامب الإقليمي مثير للانقسام، وقراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس قلب إجماعاً دبلوماسياً عقوداً وجلب انتقادات واسعة في العالم الإسلامي. وبالنسبة لأكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم وداعمة ثابتة لحقوق الفلسطينيين، فإن الانخراط في هذا الإطار يحمل حساسية سياسية كبيرة داخلية وخارجية.

يقرأ  إيقاف مراسم حرق جثمان امرأة تايلاندية بعد سماع طرقات من داخل التابوت

إذا أدى مجلس السلام إلى تطبيع إقليمي من دون ضمانات قطعية لسيادة فلسطينية، فستربط إندونيسيا بعملية يُنظر إليها على نطاق واسع كفرض خارجي، ما يتناقض مع الشعور العام المحلي ويضعف ريادتها الأخلاقية في منظمات مثل منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة. ويزيد بُعد نشر القوات من هذه المخاوف؛ إذ يمتد المشهد القتالي في غزة ليشمل شبكات إقليمية واسعة، وقد تُعتبر قوات اندونيسيا من قبل جماعات مسلّحة امتداداً لهياكل أمنية مدعومة غربياً، ما يرفع احتمال استهدافها.

مقايضات استراتيجية واقتصادية
نشر ثمانية آلاف عنصر عسكري ليس قراراً هامشياً؛ إنه يعادل لواءً كاملاً من وحداتها الأكثر جهوزية. في ظل توترات متصاعدة في بحر ناتونا الشمالي وتنافس متزايد في المحيطين الهندي والهادئ، فإن تحويل قوات نخبوية إلى الشرق الأوسط قد يشتت التركيز عن أولويات الدفاع الوطني ويضع عبئاً على الجهوزية العسكرية في مسارح بعيدة.

البعد المالي لا يقل أهمية. الحفاظ على آلاف الجنود في معقل مدمّر ومسلحاً يتطلب بنية لوجستية ضخمة. وحتى عندما تحظى العمليات بدعم دولي، تتحول تكاليف مخفية في كثير من الأحيان إلى الميزانيات الوطنية. وفي وقت تحتاج فيه اقتصاديات اندونيسيا المحلية إلى حوافز ويسعى القطاع الدفاعي لتحديث قدراته، فإن تخصيص موارد كبيرة لمهمة خارجية ذات عوائد استراتيجية غير مؤكدة يستلزم مساءلة برلمانية دقيقة.

الانخراط الدبلوماسي يجب أن يحقق منافع ملموسة للشعب بدلاً من فرض أعباء جديدة على ميزانية دولة مضغوطة بالفعل. من دون فوائد أمنية أو اقتصادية واضحة، تبدو مخاطر نشر القوات مقامرة جيوسياسية مكلفة. وقد تجد إندونيسيا نفسها مُقيدة بترتيبات أمنية تتأثر بتقلبات السياسة الأميركية الداخلية، فتتحول التزاماتها إلى التزامات غير موثوقة على المدى الطويل.

الافتقار إلى نقاش عام رصين حول هذا القرار أيضاً يثير قلقاً ديمقراطياً؛ فالتزامات عسكرية خارجية واسعة تستدعي رقابة وشفافية. من دون ذلك، تتحوّل السياسة الخارجية إلى شأن نخبوِيّ بعيد عن توافق المجتمع.

يقرأ  إعادة فتح معبر رفح — أعداد محدودة من الفلسطينيين تغادر وتدخل غزة

مخاطر السمعة وقصر النظر الاستراتيجي
الترابط الوثيق لإندونيسيا بمبادرة مرتبطة بشخصية مثيرة للانقسام مثل ترامب يعرضها لمخاطر سُمعة طويلة الأمد. تظل السياسة الأميركية مستقطبة، وإذا ابتعدت إدارات مستقبلية عن مبادرات عهد ترامب، فقد تتعرّض جاكرتا لانكشاف دبلوماسي لا مبرر له. الأُطر الخارجية المبنية حول قيادات مُشخصنة تكون غالباً هشة. ولطالما استندت شراكات اندونيسيا الدبلوماسية إلى مؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والآسيان، التي تمنح استدامة لأنها ليست مرتبطة بأفراد.

إذا تحول مجلس السلام إلى منصة سياسية مثيرة للجدل أو أداة أمنية قسرية، فسيجد من الصعب على إندونيسيا الانسحاب دون تكبّد أضرار سمعة كبيرة. بالتالي، فإن المشاركة تركز المخاطر الدبلوماسية بدلاً من تنويعها.

خاتمة
في عالم متعدد الأقطاب سريع التغير، لا تحتاج إندونيسيا إلى اختصارات للوصول إلى نفوذ عالمي. لقد بنَت مصداقيتها على الاستقلالية والتوازن والدبلوماسية المبنية على مبادئ. السؤال المركزي هو ما إذا كانت ستحافظ على هذا الإرث أو تُضحي به سعياً وراء رؤية جيوسياسية تظهرها أقرب إلى مراكز السلطة. إندونيسيا تستحق دوراً أكثر استقلالية ومراعاة لمصالح شعبها ومبادئ دستورها.

أضف تعليق