مقتل نيميزيو روبين أوسيغيرا سيرفانتس المعروف باسم «إل مينتشو» أشعل موجة عنف غير مسبوقة في المكسيك، ودفع أجزاء واسعة من البلاد إلى حالة فوضى وانهيار مؤقت للأمن العام.
كان «إل مينتشو»، زعيم كارتل جاليسكو الجديد، من أبرز المطلوبين وذو تأثير واسع بصفته مهرباً رئيسياً للفنتانيل والميثامفيتامين والكوكايين الى الولايات المتحدة، ومخططاً لهجمات جريئة ضد مسؤولين حكوميين.
لحظة الحسم جرت خلال عملية عسكرية يوم الأحد في مدينة تابالبا بولاية جاليسكو، حيث قُتل في تبادل لإطلاق النار مع القوات المكسيكية التي تحركت لاعتقاله. كانت ردود الفعل سريعة وممنهجة: ومع انتشار خبر العملية، انفجرت موجة من أعمال العنف المنسقة التي امتدت إلى ما لا يقل عن 18 ولاية من ولايات المكسيك الـ32.
في أنحاء الجمهورية، أحرق مشتبه بهم حافلات ومحال تجارية وأقاموا حواجز نارية على الطرق. وسرعة انتشار الفوضى أعادت تذكير السكان بمدى قدرة الكارتلات على النفوذ والفرض.
«الخوف الذي يسود المجتمع هائل»، قال أحد سكان زيتاكوارو في ولاية ميتشيواكان، طالباً إخفاء هويته. «عندها فقط تدرك القوة الهائلة التي تمتلكها هذه التنظيمات، لأنها قادرة على إسقاط مدينة خلال دقائق». وأضاف أن القادة المحليين الذين يديرون وسائل النقل أصبحوا متحالفين مع الجماعات، «وبإمكانهم في أي لحظة إغلاق مداخل ومخارج المدينة… وتعطيل الحركة بالكامل. كل الخدمات الأساسية تتعرض للاضطراب: الذهاب إلى المستشفيات، التسوق، طلب الطعام. يتحول الوضع إلى فوضى تامة».
أصدرت السفارة الأميركية في المكسيك تحذيراً أمنياً لمواطنيها في خاليسكو وتاماوليباس وميتشواكان وغيريرو ونويفو ليون، داعية إياهم إلى البقاء داخل المنازل.
ويرى بعض المحللين أن هذه الأفعال لم تكن مجرد انفلات عشوائي، بل رسالة استراتيجية مقصودة: «هكذا يرد النظام الإجرامي عندما يشعر بأنه مهدد»، قال المحلل الأمني إدغار غيرا على منصات التواصل، مضيفاً أن فهم هذه الأحداث يتطلب النظر إلى دلالاتها ورمزيتها، وليس الاكتفاء بمشاهدة الحرائق أو احتلال الأراضي.
تنسيق مطلق
نفذت العملية قوات خاصة مكسيكية بدعم استخباراتي من الولايات المتحدة. وقالت الرئيسة كلوديا شينباوم: «هناك تنسيق مطلق مع حكومات جميع الولايات؛ يجب أن نبقى على اطلاع وهادئين». وأثنت على الجيش والحرس الوطني والقوات المسلحة ومجلس الأمن لعملهم اليومي من أجل السلام والأمن والعدالة ورفاهية المكسيك.
كانت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA) قد عرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار للإيقاع به، ما جعله من أبرز المطلوبين دولياً.
أعلنت سلطات خاليسكو وميتشواكان وغواناخواتو عن مقتل ما لا يقل عن 14 شخصاً آخرين خلال أعمال العنف يوم الأحد، من بينهم سبعة من أعضاء الحرس الوطني.
أزمة خلافة
شهدت غوادالاخارا، عاصمة خاليسكو ومدينة من المتوقع أن تستضيف فعاليات كأس العالم 2026، شبه إغلاق تام يوم الأحد مع بقاء السكان في منازلهم. يكتنف المدينة غموض بشأن من سيقود الكارتل بعد مقتل زعيمه، وهو ما يثير مخاوف من صراع على السلطة بين قادة إقليميين داخل التنظيم.
«لا يوجد شخص واضح لتولي القيادة، وهذا خبر سيئ لما قد يحدث لاحقاً»، قال جون هولمان من مكسيكو سيتي. وأضاف أن خلافات بين رؤوس العصابات قد تتصاعد إلى حرب أهلية بين فصائل متنازعة، كما حدث سابقاً في ولايات أخرى مثل غيريرو وسينالوا.
التوقيت حساس جداً مع اقتراب انطلاق كأس العالم، ما قد يحوّل ما اعتبره البعض انتصاراً للحكومة إلى مشكلة أكبر في الأسابيع والأشهر المقبلة.
بالنسبة للمواطنين العاديين، سقوط زعيم قد يرافقه موجة ابتزاز وتجنيد قسري بينما تتنافس الخلايا المتصدعة على الموارد. «الكثيرون في خاليسكو الآن يختبئون في منازلهم. لا مدارس غداً»، قال هولمان. وفي الوقت نفسه، خرج بعض السكان إلى الشوارع لمراقبة محطات الحافلات ومواقف التاكسي بحثاً عن أي مؤشرات تحركات.
«إذا استيقظت المدينة بلا وسائل نقل عامة، فذلك يعني أن شيئاً ما على وشك الحدوث»، حذر أحد السكان، مختتماً: «أيام عصيبة بانتظارنا. حتى لو بدا أن الهدوء طاغٍ من ناحية، فإننا لا نعرف ماذا سيحمل القادم».