مقدمة حول جولةِ الامتنان: رحلةُ مُعلِّمٍ في التَّقاعد

نظرة عامة:

على مدى سنواتٍ من العمل التربوي خلصتُ إلى فكرة «جولة الامتنان» لأشكر وأُكْرّم من شكّلوا مِساري المهني والحياتي في ميدان التدريس.

في سنواتي الأخيرة — التي لم أخطط لها دائماً وربما تشكّكتُ فيها أحياناً — تتابعت الأحداث وأجبرتني على التأمل في مدى امتناني لمديري المدارس السابقين، وزملائي، وطلابي، وحتى لأصدقاء من أيام الثانوية الذين اختاروا مهنة التدريس. في ربيع 2024 كنتُ أنهي سنتي السادسة والعشرين في Blue Ridge، مدرسة داخلية صغيرة ذات روح كبيرة في مقاطعة جرين بولاية فيرجينيا، على بعد نحو عشرين دقيقة شمال شارلوتسفيل. لم أكن أتقاعد نهائياً من التعليم، لكني كنتُ أغادر Blue Ridge، فطُلب مني إلقاء «محاضرة الوداع». استحضرت خلالها أخطاء ارتكبتها (طبيعة بشرية، أظن)، وكوارث وطنية أو عالمية غيّرت الخطط الدراسية فجأة، وأشخاصاً — إداريين وزملاء وطلاباً وأصدقاء — تذكّروني عبر السنين بأن ما أقوم به له قيمة ومعنى.

خلال سنوات كوفيد راودتني فكرة التقاعد. التحديات التي فرضها الوباء على المعلمين والطلاب والأسر كانت ساحقة لكثيرين. وكوني في شتاء مسيرتي المهنية، لم يكن التفكير في الانسحاب قفزة بعيدة. رغبتُ أن أُزيح الستار عن مسيرتي في Blue Ridge لأنني مدين لتلك المدرسة بالكثير وقدمت لها ما أستطيع.

Blue Ridge مدرسة داخلية، ويعيش كثير من أعضاء الهيئة التعليمية مع عائلاتهم في الحرم؛ أما أنا فلم يحدث أن سكنتُ هناك. لكن في سنتي الأخيرة أتاحت لي ظروف سعيدة — فقد بعنا منزلنا أسرع مما توقّعنا وتوظّفت زوجتي في ولاية أخرى — فرصة السكن في مجموعة من المقطورات مع ثلاثة شباب أصبحوا أصدقاء لا أنساهم: دروف مهروترا من بونيه بالهند (خريج Blue Ridge وطالبي في الصف العاشر سابقاً، وهو الآن مدرّب كرة سلة جامعي)، سيمون كاري من فيلادلفيا (معلم تاريخ ومدرّب كرة قاعدة وكرة قدم ثانوي)، وكاسيوس كريستي من مابلوود بنيوجيرسي (مدرّب لاكروس ثانوي الآن). احتووني كأنني واحد منهم رغم فارق العمر الكبير، وسأظل ممتناً لقبولهم لي.

يقرأ  قطر تنفي فرض قيود جديدة على تأشيرات الرجال النيجيريين

بعد محاضرة الوداع احتضنني زملائي في المقطورة وآخرون؛ ما قلتُ أثر فيهم. طُلب مني أيضاً التحدّث أمام الخريجين في حفل الانطلاق، واحتُفِل بي في حفلة نهاية العام لأعضاء الهيئة. ربما لم أعبر حينها كما ينبغي عن شكري لكل هذه التكريمات، لكن كان امتناني عظيماً.

لم تكن نهاية العلاقة مع Blue Ridge سوى بداية فرصة أخرى لم أستطع رفضها: عمل بدوام جزئي في St. Anne’s School في أنابوليس، ميريلاند، حيث كانت زوجتي وابنتي موظفتين وحضنت حفيدتاي. قَرِبتُ كثيراً من المستشارين والطلاب في مركز التعلم لدرجة أنني أضفت فقرة إضافية في محاضرة الوداع تحسّباً لأن يُطلب مني إلقاؤها ثانية.

أعلنت انني سأتقاعد تماماً من St. Anne’s في شتاء 2025. صدفةً كنت قد انتهيتُ للتو من قراءة كتاب John “Chick” Donohue وJ. T. Molloy (2015) The Greatest Beer Run Ever؛ العنوان لفت انتباهي، ووجدت أن القصة أكثر من رحلة لتوصيل بيرة. تشيك عبّر عن امتنانه لرفاقه في الحي الذين كانوا يقاتلون في فيتنام بتوصيل البيرة لهم.

القصة عن الحرب والسياسة والصداقة، لكن ما استلهمته كان الامتنان في زمنٍ كان فيه كثيرون في البلاد يحتجون على سلوكيات الشرطة. فكّرت كيف أُظهر امتناني لمن تركوا أثراً في حياتي المهنية؛ لفتني فعل تشيك: شراء مشروب تفضيلي لمديري وإداريي وزملائي وطلابي السابقين كفعل بسيط يرمز إلى تقدير عميق. كان هذا جزءاً من مهمتي.

في ذلك الشتاء علمت أيضاً أن Blue Ridge كرّمتني بتخصيص كتاب العام الدراسي 2023–2024 لي. يا لها من مفاجأة طيبة! تواصلت زميلتي السابقة ديدرا ديماري معي لتقول إنها بحاجة لإرسال شيءٍ ما؛ ظننتُ أنني نسيت شيئاً مريعاً في المقطورة فكانت هي الحريصة على إرساله. بعد أيام وصل الكتاب: Dedication وصور ورسائل مؤثرة من الهيئة والطلاب. لم أستطع منع الدموع.

يقرأ  السيدة الأولى السابقة في الغابون سيلفيا بونغو وابنها نور الدين حُكِم عليهما بالسجن بتهم الفساد

مع كل تلك المشاعر طرأت على بالي فكرة «جولة الامتنان». فعل تشيك كان محفوفاً بالمخاطر: وجد رفاقه وسط الطلقات والقنابل. أما أنا فكنت سأقود سيارتي الزرقاء الصغيرة وأتحمّل سلوك بعض السائقين الغريبين فقط. الفكرة نفسها: بعد ثلاثة وأربعين عاماً، هناك من أرغب برؤيتهم وسأقدّم لهم مشروباً؛ سأكتب عنهم وأحتفي بهم. الرياضيون المحترفون والممثلون يُحتفى بهم ويُكافأون جيداً؛ المعلمون، لا كثيراً. حاول أن تذكر شخصاً لا يتذكر معلّماً أو مدرّباً غيّر حياته — لن تجد. ومع ذلك يقع المعلمون غالباً في ذيل قائمة المهن المحتفى بها والمجزية مادياً. سأنحني عن منبري وأدع الكتابة تحكي القصص.

قررت أن أبدأ برؤساء المدارس، وبتلاتٍ من الزملاء الأعزاء، وقِلة من الطلاب، وبعض أصدقاء المدرسة الثانوية. لكن عندما وضعت قائمتي شعرت بالحزن لأن كثيرين قد وافتهم المنية؛ أورد هنا بعضاً منهم:

– Frank DeAngelis — خدم Blue Ridge لسنواتٍ في أدوار متعددة؛ توفّي في 16 سبتمبر 2014
– Ed McFarlane — رئيس سابق لـ Blue Ridge School؛ توفّي في 26 أغسطس 2017
– Joe Stiles — طالب ومُمثل في Carter High School؛ دفعة 81؛ توفّي في 28 يوليو 2022
– Jim Niederberger — معلم تاريخ وعازف أرغن في Blue Ridge لمدة تسعٍ وأربعين سنة؛ توفّي في 11 نوفمبر 2023
– Peter Cole — خدم Blue Ridge سبع سنوات؛ توفّي في 2 سبتمبر 2024
– Father Frank Kissel — معلم ومدرّب في Marist School؛ توفّي في 17 سبتمبر 2025

وانطلقت في جولتي للامتنان. حتى 5 يناير 2026 زرتُ اثنين وعشرين صديقاً في مدنٍ متعددة: نوكسفيل (تينيسي)، سانت جورج (فيرجينيا)، دورهام (كارولاينا الشمالية)، فيرجينيا بيتش (فيرجينيا)، أتلانتا (جورجيا)، بالتيمور وأنابوليس (ميريلاند). آمل أن الفصول التي كتبتها تعبر حقاً عن المكانة التي كانوا لها في حياتي وفي مجال التعليم.

يقرأ  مقتل عدة أشخاص مع انتشار احتجاجات في إيران احتجاجًا على ارتفاع تكلفة المعيشة

في الختام، تظلّ هذه الجولة محاولة بسيطة لقول ما لا تكفيه الكلمات وحدها: شكراً لمن علّمونا، ولمن تذكّرنا، ولمن جعل التعليم مهنة تستحق الاحتفاء.

أضف تعليق