سوكوتو في شمال غرب نيجيريا — كلما عاد ابنها الفضولي البالغ من العمر سبع سنوات من المدرسة ومعه واجب منزلي جديد، كانت حبيبة أبو بكر، البالغة من العمر 28 عاماً، تعرف أنه الوقت المناسب لأخذه إلى جارتها التي يناديها الطفل «خالة» رغم أنها ليست من أقربائه، فقد كانت منقذته في كل مرة رغب فيها بالوقوف أمام صفه ونيل تصفيق متواصل.
لكن الواقع تغيّر في 2021 عندما التحقت حبيبة بمركز المرأة للتعليم المستمر في ولاية سوكوتو. كانت تشعر بالخجل كلما أخبرها محمد بأنهم أعطوا واجبًا جديدًا، فذلك الحرج مع حماسها لتعلّم الإنجليزية دفعاها للعود إلى المقاعد الدراسية بعد انقطاع دام 13 عاماً. الآن، تقول الأم لأربعة أطفال إنها تساعد جميع أولادها في أداء واجباتهم.
انقطاع حبيبة عن الدراسة ليس حالة منفردة في شمال نيجيريا، وخصوصاً في المناطق الريفية حيث تسهم التقاليد مثل الزواج المبكر أو الفقر الذي يفرض اختيارات متحيزة جنسياً (إدخال الأولاد إلى المدارس على حساب البنات) في ارتفاع معدلات الانقطاع عن التعليم. وتشير اليونيسف إلى أن أكثر من نصف الفتيات في المنطقة خارج المدرسة.
تعتبر جينيفر أغباجي، المتخصصة في المساءلة الاجتماعية والمديرة التنفيذية لمبادرة باسليا لحقوق الأشخاص الضعفاء، وهي منظمة نيجيرية غير ربحية تعمل على ترقية حقوق النساء والفتيات والفئات الضعيفة عبر التعليم وتطوير القيادات، أن هذا النوع من المبادرات إيجابي وضروري. ومع ذلك، تحذر من أن برامج التعليم كفرصة ثانية لا ينبغي أن تقتصر على التعلم داخل الفصول فقط: «إذا كان الحصول على التعليم يتوقف كلياً على الحضور المادي، سيبقى كثير من النساء المستبعدات لأسباب تتعلق بالتنقل أو رعاية الأطفال أو الأوضاع الاقتصادية أو الصحية أو الأمنية».
كيف يعمل النظام
تأسس مركز المرأة للتعليم المستمر عام 1997 بتكليف من الحاكم العسكري آنذاك لولاية سوكوتو، الكابتن البحري عبد الرشيد عديصة راجي، ليقدم تعليمًا للكبار ومهارات مهنية للنساء. يقول نور الدين لادن دوجون داجي، أستاذ الفيزياء، إن المركز درب العديد من الطالبات اللاتي يمارسن اليوم مهنًا مثل التدريس والتمريض، مساهمةً بذلك في التخفيف من نقص الكوادر الماهرة في البلاد.
وبعكس المدارس الحكومية التقليدية التي تمتد ست سنوات في المرحلة الابتدائية، صمم المركز منهجًا ثلاثي السنوات لقطاعه الابتدائي (مستويات الكبار واحد إلى ثلاثة). أما في المراحل الثانوية فتمتد السنوات ثلاث سنوات لكل من المستويات الإعدادية والثانوية، وينهي المتعلّمون سنواتهم بالجلوس لامتحانات شهادة ترك المدرسة الابتدائية (JLSCE) وشهادة المدرسة الثانوية (SSCE) الإلزاميتين.
وحرصاً على تمكين الطالبات وإتاحة الفرصة لمن فقدن سنوات من التعليم، يقدم المركز التعليم مجاناً بدعم من حكومة الولاية ضمن جهودها لخفض أعداد الأطفال خارج المدرسة. وقد أفادت حبيبة، التي اعتمدت بعد طلاقها على دعم والدها للبقاء في الدراسة، بأنهم كانوا يدفعون 5,000 نايرا (نحو 3.5 دولارات) لكل فصل دراسي ثم أُبلغوا بالتوقف عن الدفع لأن حكومة الولاية منحتهم فرصة الدراسة مجاناً. مع ذلك، لا تُلغي الرسوم الدراسية المجانية تكاليف أخرى؛ فالطالبات ما زلن يتحملن نفقات النقل والكتب والمصاريف اليومية.
التحديات
تتجاوز العقبات الفقر والزواج المبكر، إذ توجد عوائق هيكلية أخرى من قبيل الأعراف المجتمعية المقيدة التي تُعطي الأولوية لأعباء المنزل على حساب التعليم. كثير من النساء يفقدن الثقة بعد سنوات من البعد عن التعليم الرسمي، وفي بعض المجتمعات لا يزال يُنظر إلى التعليم كاستثمار للأولاد وليس كحق مدى الحياة للنساء، وتتلخص المشكلة في أن هذه المعايير غالبًا ما تتضافر لتجعل العوده إلى منظومة التعليم أكثر صعوبة حتى عندما تتوفر الفرص.
في سبيل أن تصبح ممرضة، اضطرت فاطمة عطا الله، التي تركت الدراسة بعد المرحلة الابتدائية منذ 12 عاماً، إلى العودة إلى الفصول واستئناف المسار التعليمي من البداية. ولتمويل نفسها أثناء الدراسة تساعد في أنشطة التجارة العائلية وقت عدم تواجدها في المحاضرات. والرغم من أن بعض صديقاتها رأين في قرارها مضيعةً للوقت، إلا أنها تشعر بأن مدة بعض البرامج قصيرة ولا تكفي: «أتمنى لو كانت مدة المرحلة الابتدائية ست سنوات أيضاً، لأنني لأصبح ممرضة أحتاج إلى أساس متين في المواد الأساسية».
أحد أكبر التحديات التي أوردها طلاب تحدثت إليهم الجزيرة هو الجمع بين الالتزامات الأكاديمية والمسؤوليات المنزلية؛ قبل طلاقها كانت حبيبة تستيقظ مبكراً لتحضير الإفطار وتنظيف المنزل وتجهيز أطفالها للمدرسة، ولدى دخولها الفصل كانت متعبة للغاية لدرجة أنها كانت تتثاءب وتغفو أحياناً خلال المحاضرات، وتفاقم الضغط حين كان أصغر أطفالها يمرض كثيراً مما يضطرها أحياناً لمغادرة الدرس قبل نهايته. وبعد الطلاق أصبحت تكاليف النقل عائقاً آخر؛ إذ صار والدها هو من يتحمل أجرة التنقلات، وعندما يعجز عن ذلك فقدت القدرة على الحضور لأنها لا تستطيع تحمل المصاريف بمفردها. لاحقاً قدم لها والدها مبلغ 10,000 نايرا لبدء بيع المأكولات المحلية والوجبات الخفيفة الصغيرة، وما زال هذا المشروع الصغير يساعدها في تغطية مصاريف النقل والنفقات المدرسية الأخرى. لا تزال أبو بكر تُعطي الفضل للجارة التي كانت تساعد ابنها في أداء الواجبات المنزلية قبل أن تعود هي إلى المدرسه.
عندما أصبحت تكاليف النقل عبئًا بعد طلاقها، تدخل والداهما متى تمكنَا من ذلك، ثم سبق لوالدها أن منحها رأس المال الذي مكنّها من فتح مشروع صغير ومواصلة دراستها.
تجربتها ليست استثنائية.
جلسة صفية في مركز المرأة للتعليم المستمر بشمال نيجيريا [عبدالعزيز بغاوي/الجزيرة]
طالبة أخرى، حفصَة عليو، قالت إنها تترك طفلها البالغ من العمر عامين عند أهل زوجها كلما التحقت بالدروس لتتفادى إيقاف سير الحصص. يدفع زوجها ثمن الكتب واحتياجات المدرسة العرضية، بينما تبيع هي المعجنات المحلية خلال استراحة المركز لتؤمن مصروف النقل اليومي ونفقاتها الشخصية.
في فترات الامتحانات، تذاكر حتى ساعات متأخرة من الليل بعد إنجاز الأعمال المنزلية وإيصال أطفالها إلى النوم.
«زوجي يبذل ما يستطيع، لكن شعرت أن الوقت حان لأن أجد مصدر دخل خاصًا بي»، قالت. «الآن، أنا أدفع أجرة نقلي وبعض الاحتياجات اليومية بنفسي.»
من جهته، قال معلم الفيزياء دوجون داجي إنه خلال سبع سنوات من التدريس في المركز، كانت وتيرة التعلم من التحديات المتكررة لدى الطالبات. «لقد درَّست شبابًا، ومستوى استيعابهم متباين للغاية»، أضاف. ومع ذلك، ثمة الطالبات المتفوقات بينهن؛ فقد فازت إحداهن مؤخرًا في مسابقة أسبوع عثمانو دانفوديو لهذا العام، وهي مسابقة ثقافية سنوية لطلاب المدارس الثانوية في الولاية.
أما القسم المهني في المركز، الذي صُمم لتزويد المتدرِّبات بمهارات عملية مثل الخياطة وصناعة الصابون، فلا يقدم اليوم سوى تدريب الخياطة. ويُطلب من المتدربات توفير أدواتهن الخاصة، كالمقص، حتى ممن تنحصر اهتماماتهن في حرف أخرى.
الطريق إلى الأمام
أقرت أغباجي بأنه لكي تُقلص نيجيريا الفجوة بين الجنسين في التعليم، يجب عليها اعتماد إطار للتعلّم مدى الحياة يعترف بالتعليم كحق مستمر وفرصة دائمة.
تُفيد تقارير اليونيسف بأن أكثر من نصف الفتيات في شمال نيجيريا خارج المدرسة، ويمثل ذلك من أعلى المعدلات في البلاد [عبدالعزيز بغاوي/الجزيرة].
يتطلب ذلك زيادة الاستثمارات في تعليم الكبار، والمنصات الرقمية والتعليم عن بُعد، والتعليم المجتمعي، ومسارات مرنة للنساء اللائي فاتهم التعليم الرسمي، لأن للعواقب الطويلة الأمد آثارًا جسيمة. وأضافت أن الكثير من النساء اللائي يتابعن فرص التعليم الثانية يوازنّ بين رعاية الأطفال والمسؤوليات المنزلية وأنشطة توليد الدخل، وغالبًا ما يعتمدن في استمراريتهن على شبكات الدعم العائلية والمجتمعية.
«الاستبعاد من التعليم يكرّس الفقر، ويحدّ من الفرص الاقتصادية، ويزيد من التعرض لسوء المعاملة والاستغلال، ويقلص مشاركة النساء في الحوكمة والخدمة العامة. كما أنه يؤثر على الأجيال المقبلة لأن أطفال الامهات المتعلمات عادةً ما يكونون أكثر ميلاً للالتحاق بالمدرسة وإكمالها»، أوضحت أغباجي.