أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى اضطراب كبير في إمدادات النفط والغاز الطبيعي حول العالم، لكن يبدو أن قطاعاً واحداً من قطاعات الطاقة يجني أرباحاً من هذه الأزمة، وهو الفحم.
فقد أعلنت شركة “ثونجيلا” الجنوب أفريقية لإنتاج الفحم الحراري هذا الأسبوع أنها ضاعفت أرباحها في النصف الأول من العام، مع اضطرار المزيد من الدول إلى شراء الفحم بسبب الحرب.
ومع أن الفحم متوفر ورخيص نسبياً، فإنه يُعد من أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً. فالتعدين يسبب تلوث المياه، وحرقه يطلق كميات هائلة من الكربون في الغلاف الجوي، مما يسهم في الاحتباس الحراري.
وفي الأشهر الأخيرة، تراجعت عدة دول، خاصة في آسيا، عن وعودها بإنتاج أقل من الفحم أو أرجأت تنفيذها. وكان الاستهلاك العالمي للفحم في ارتفاع منذ عام 2025، حيث تستخدمه مناطق في أوراسيا والولايات المتحدة لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وفقاً للبنك الدولي.
هذا ما نعرفه حتى الآن:
### لماذا يزداد استخدام الفحم؟
أشعلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أزمة طاقة عالمية. فبعد بدء الضربات على طهران في 28 فبراير، أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره في أوقات السلم نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. والمفاوضات حول إعادة فتح المضيق ما تزال جارية.
وقد أدى إغلاق المضيق إلى تقليص إمدادات النفط والغاز وارتفاع حاد في أسعار النفط، ما دفع الكثير من الدول إلى الاعتماد على البديل الأسهل المتاح لإبقاء الكهرباء شغالة، وهو الفحم. ورغم أن أسعار الفحم ارتفعت أيضاً، فإنه لا يزال أرخص بكثير من النفط وأسهل في الحصول عليه.
أكثر المناطق تضرراً كانت آسيا، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الخليج في احتياجاتها من الطاقة. ففي عام 2022، ذهب نحو 82% من شحنات النفط والغاز التي عبرت مضيق هرمز إلى آسيا، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، وكانت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية في مقدمة الوجهات.
وبالإضافة إلى عدم قدرة دول الخليج على شحن صادراتها عبر المضيق، تأثرت بشكل كبير بالضربات الإيرانية. ففي مارس، اضطرت قطر إلى إعلان “القوة القاهرة” في عقود تسليمها بعد أن أصابت مسيّرات إيرانية منشأة رأس لفان، أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم، ما أدى إلى توقفها عن العمل. وقال مسؤولون قطريون إن الضربات الإيرانية أوقفت 17% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال بحلول مارس.
كما تعرضت منشآت إماراتية مثل محطة الغاز في جزيرة داس، وميناء الفجيرة النفطي، ومجمع مصفاة الرويس، لهجمات خلال النزاع. كذلك استُهدفت منشآت في السعودية وعمان.
### أين زاد استخدام الفحم؟
بحسب تحليل لشركة بيانات الطاقة “إمبر”، فإن إنتاج الفحم سيرتفع عالمياً بنسبة 1.8% بحلول نهاية 2026 مقارنة بعام 2025 في سيناريو “أسوأ الحالات”. ويرى خبراء أن هذه زيادة ملحوظة، خاصة وأن الدول كان من المفترض أن تنتقل بعيداً عن الفحم.
منذ بداية الحرب، أعلنت عدة دول آسيوية خططاً لزيادة توليد الكهرباء من الفحم. فاليابان رفعت القيود عن محطات فحم قديمة وعالية الانبعاثات لمواجهة الصدمات في الطاقة، بينما أرجأت كوريا الجنوبية إغلاق محطات فحم كانت تعهدت بإيقافها بحلول 2040.
أما في بنغلاديش، فقد فرضت الحكومة في البداية انقطاع الكهرباء وأغلقت الجامعات وقيّدت بيع الوقود للمركبات، قبل أن تعلن أنها رفعت توليد الكهرباء من الفحم. كما زادت تايلاند والفلبين وفيتنام من توليد الكهرباء بالفحم للحفاظ على احتياطيات الغاز المتناقصة.
وفي باكستان، أظهرت بيانات هيئة تنظيم الكهرباء الوطنية أن الكهرباء المولدة من الفحم المستورد ارتفعت بنسبة 90% بحلول يوليو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الصين والهند تستهلكان معاً 70% من فحم العالم، وتعدان أيضاً منتجين رئيسيين له. وفي الهند، حيث يزداد الطلب على الكهرباء جزئياً بسبب موجات الحر الأشد، تخطط الحكومة لإطلاق عدة مشاريع تعدين جديدة من شأنها رفع الإمدادات العالمية بنحو 2.5 مليار طن سنوياً، وفقاً لمشروع “غلوبال إنيرجي مونيتور”.
كما قالت ألمانيا إنها لن تضحي بتوليد الكهرباء بسبب التزاماتها المناخية السابقة، فيما أرجأت إيطاليا خططها للتخلي عن الفحم من أواخر 2025 إلى 2038.
### من يجني الأرباح من الفحم؟
إندونيسيا هي أكبر مصدر للفحم في العالم وبفارق كبير، تليها أستراليا وروسيا.
في مارس، تراجعت جاكرتا عن خطط سابقة لخفض إنتاج الفحم وتقليل المعروض الزائد، سعياً للاستفادة من الأسعار المرتفعة. ووصل سعر الفحم في يوليو إلى 131.85 دولاراً للطن، مقارنة بـ 102.20 دولاراً في العام السابق.
أما شركة “ثونجيلا” الجنوب أفريقية، فقد أعلنت تضاعف أرباحها من يناير إلى يونيو مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مدفوعة بارتفاع الإنتاج في منجم “إنشام” بولاية كوينزلاند الأسترالية، إضافة إلى ارتفاع الطلب والأسعار في المنجم وعملياتها في جنوب أفريقيا.
وارتفع إنتاج “إنشام” بنسبة 38% في النصف الأول من العام، خلال ذروة النزاع، ليصل إلى 2.2 مليون طن، مقارنة بـ 1.6 مليون طن في الفترة السابقة.
وبلغت أرباح السهم الأساسية للشركة 4.80 راند جنوب أفريقي (نحو 0.30 دولار)، مقارنة بـ 1.92 راند (نحو 0.12 دولار) في يونيو من العام الماضي. وقالت الشركة إن الأسعار ستبقى مرتفعة على الأرجح مع استعداد الأسواق الأوروبية والآسيوية لفصل الشتاء.
### ماذا يعني ذلك للتحول نحو الطاقة النظيفة؟
في عام 2021، تعهدت أكثر من 40 دولة، بينها إندونيسيا وفيتنام، بخفض استخدام الفحم خلال قمة المناخ “COP26”. لكن الهند والصين لم تنضما إلى هذا التعهد. في العام الماضي، انضمّت كوريا الجنوبية إلى تحالف “تجاوز الفحم”، وهو تحالف يهدف إلى مساعدة الاقتصادات التي تعتمد على الفحم في التحوّل بعيداً عن هذا الوقود. لكن الأزمة في الشرق الأوسط عطّلت هذه الخطط، وذلك لأن كثيراً من الدول لا تملك قدرات كافية من الطاقة المتجددة لتلجأ إليها عند الحاجة، على حد قول نيك هيدلي، وهو محلل متخصص في تحول الطاقة في مركز “زيرو كاربون أناليتكس” بجنوب أفريقيا.
وأوضح هيدلي أنّ دولاً مثل بنغلاديش تجد من السهل زيادة استخدام الفحم عندما تتعطل إمدادات الغاز العالمية، لأنّها استثمرت بكثافة في البنية التحتية للفحم خلال العقود الأخيرة، وجزء كبير من هذه القدرات كان معطلاً. وأضاف أنّ الفحم يصبح أرخص من الغاز المستورد عندما ترتفع أسعار الغاز، لكنّه في المقابل لا يزال غير قادر على منافسة الطاقة المتجددة من حيث التكلفة.
لكن الأمور ليست كلها قاتمة. إذ يلاحظ المحللون أنّ الزيادات في بعض المناطق تُقابَل بانخفاضات طويلة الأمد في استخدام الفحم في مناطق أخرى مثل أوروبا. كما أن إنتاج الفحم المحلي في الصين تراجع هذا العام بعد أن شدّدت الحكومة الرقابة على قطاع التعدين إثر انفجار مميت في مايو في منجم لوشينيو، حيث لقى 82 شخصاً حتفهم. وكانت بكين قد استثمرت أيضاً مبالغ كبيرة في مشاريع الطاقة المتجددة.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي انهيار سلاسل التوريد العالمية للوقود الأحفوري إلى جعل البدائل النظيفة أكثر قدرة على المنافسة، ويدفع المزيد من الدول إلى الاستثمار فيها، بحسب هيدلي. وختم قائلاً: “الدرس المستفاد هنا هو أنّ الدول الآسيوية بحاجة إلى الإسراع في التحوّل نحو الطاقة النظيفة والكهربة، حمايةً لنفسها من الأزمات العالمية المستقبلية.”