ميزانية إسرائيل القياسية كيف ستموّل توسّع المستوطنات غير القانونية؟ — أخبار بنيامين نتنياهو

صوت مشرّعون إسرائيليون على أكبر ميزانية في تاريخ الدولة من مخبأ محصّن فجر يوم الاثنين، وبدا أن أحد الأهداف الأساسية لهذه الموازنة البالغة 271 مليار دولار صار واضحاً: ضخ مالي ضخم لمشاريع اليمين المتطرف التي، بحسب محللين، ستعيد تشكيل الضفة الغربية المحتلة بشكل جذري.

في ظل تبرير متكرر بـ«الأمن الوطني» وبخلفية الحرب القائمة مع إيران، تجاوزت الحكومة الائتلافية الأطر القانونية لتوجه مليارات الشواقل نحو أهداف أيديولوجية، من بينها دعم المستوطنين الإسرائيليين في إقامة بؤر ومستوطنات على أراضٍ فلسطينية — غالباً بعد أن تُنشأ فعلياً، وفق مراقبين.

وعلى الرغم من أن بند الدفاع القياسي بقيمة 45.8 مليار دولار احتل العناوين، تكشف التفاصيل الدقيقة للميزانية عن تحول محسوب نحو ترسيخ الاحتلال وتمكين عناصر اليمين المتطرف في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

تمويل اليمَن المتطرف والاحتلال

ركيزة أساسية في هذه الاستراتيجية هي تخصيص 400 مليون شيكل (نحو 129.5 مليون دولار) لوزارة «الاستيطان والمهام الوطنية»، الهيئة التي تمنح ضمناً الشرعية العملية للبؤر والمستوطنات اليهودية الحصرية على الأراضي الفلسطينية — عادة بعد إقامة هذه البؤر. وزير المالية اليميني المتطرف بيزليل سموترش، وهو من المستوطنين نفسه ويعتبر أن الأرض حق توراتي، مُنح في 2023 صلاحيات إدارية واسعة على الأراضي المحتلة، وقد عبر عن معارضته لأي حل يقوم على دولتين بقوله مؤخراً: «على الأرض نمنع إقامة دولة فلسطينية إرهابية».

يتردد صدى هذا الموقف أيضاً على لسان نتنياهو الذي لطالما سمح بتوسيع الاستيطان وأعاق اتفاقات سلام؛ إذ صرّح مؤخراً: «لن تكون هناك دولة فلسطينية غرب نهر الأردن»، في تحدٍ واضح للتسوية الدولية المدعومة من الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وعدد من الدول.

يقول عبد الحكيم القرعلة، أستاذ العلوم السياسية المقيم في الأردن، إن الحكومة الإسرائيلية نجحت في تسويق «التهديد الإيراني» كستار استراتيجي لتمرير هذه الميزانية، بما في ذلك تمويل الاستيطان. «هذا ليس مجرد خطة طوارئ زمن الحرب، بل أداة لفرض وقائع دائمة على الأرض»، كما أبلغ القناة الإعلامية.

يقرأ  عباس عراقجي يشيد بـ«تقدّم جيد»في المحادثات النووية مع الولايات المتحدة

يصف الباحث إيهاب جبارين الموازنة بأنها «هندسة للسيادة»؛ الأموال ستُستخدم لبناء «دولة موازية» للمستوطنين، تمكّن الانتقال من سيطرة عسكرية مؤقتة على الضفة إلى هيمنة مدنية يومية.

وتتخذ هذه الهندسة أشكالاً عملية ضمن بنود الميزانية: إنشاء طرق التفافيّة جديدة تقطع المدن والبلدات الفلسطينية، توفير حماية رسمية لبؤر الاستيطان غير القانونية عبر تخصيص 50 مليون شيكل لمعدات أمن مدنية وطائرات مسيّرة وكاميرات يديرها المستوطنون، إخلاء صامت للفلاحين عبر تحويل مساحات زراعية إلى «مناطق مضايقة» تدفع الفلسطينيين للرحيل دون أوامر ترحيل رسمية، ودمج عناصر مسلحة من المستوطنين في الجهاز الأمني المدني للدولة.

تأتي هذه التحركات في ظل تزايد أعمال العنف من جانب المستوطنين وكذلك عمليات الاقتحام التي تنفذها القوات الإسرائيلية في مجتمعات فلسطينية بالضفة، والتي تصاعدت منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن المستوطنين — وغالباً ما تحميهم قوات إسرائيلية — شَنّوا نحو 3,000 هجوم على الفلسطينيين خلال العامين الماضيين.

وتضيف الأمم المتحدة أن توسعات الاستيطان بلغت أعلى مستوى لها منذ 2017؛ بموجب الحكومة ذات التوجه اليميني المتطرف الحالية ارتفع عدد المستوطنات والبؤر من 141 في 2022 إلى 210 في 2025، ويقطن هذه المواقع نحو 700,000 مستوطن، أي ما يقارب 10% من السكان اليهود في إسرائيل.

«مال للبقاء»

ولإقرار هذا البرنامج اضطرّت الحكومة إلى تأمين توازناتها الداخلية. يرى جبارين أن نتنياهو اعتبر الميزانية «بوليصة تأمين» لبقائه السياسي، مقايضاً أموال الدولة بمشاريع تضمن استمرار دعم شركاء الائتلاف.

حالياً، يقول المراقبون، تعتمد بقاء الحكومة فورياً على دعم الفصائل الحريدية — خصوصاً حزبي شاس ويهودية التوراة المتحدّة اللذان يشغلان 11 و7 مقاعد على التوالي. هذه الـ18 مقعداً في كنيست من 120 مقعداً تجعل من وجودهما أمراً لا مفرّ منه، إذ لا يملك نتنياهو أغلبية مستقلة بدونهما.

يقرأ  مظاهرات في تلّ أبيب بعد أن قدم نتنياهو طلب عفو في قضايا احتيال — أخبار بنيامين نتنياهو

وبتحايل على العوائق القانونية المعتادة، تضمنت مناورة ليلية في آخر لحظة تعديلاً ضمن «قانون الترتيبات» لتحويل نحو 255 مليون دولار لليشيفوت الحريدية، المدارس الدينية التقليدية. يصف جبارين هذه الأموال بأنها «مال للبقاء» يهدف إلى منع الفصائل الدينية من إسقاط الحكومة على خلفية أزمة التجنيد العسكري.

وكانت هذه الأموال قد جُمّدت سابقاً بأمر المدعية العامة غالي بهاراف-ميعار بعد حكم لمجلس العدل الأعلى في يونيو 2024 قضى بفرض تجنيد الرجال الحريديم، منهياً إعفاءً ظل سارياً لعقود. إن تحويل أموال الاحتياط يتجاوز هذا التجميد، وبذلك نجح نتنياهو في حماية حكومته من الانهيار قبيل الانتخابات المقررة في أكتوبر، وفق ما نقله جبارين.

وتجدر الإشارة إلى أن تبادل ميزانيات الدولة مقابل دعم الحريديم ليس أمراً جديداً ويعود إلى تسعينيات القرن الماضي، إلا أن «الحجم والتوقيت والجرأة السياسية» أثناء حالة حرب هو ما يعتبره المراقبون أمراً غير مسبوق.

معارضة منقسمة

وعكست المصادقة على هذه الميزانية أيضاً الانقسامات العميقة داخل صفوف المعارضة الإسرائيلية. خلال جلسة ماراثونية امتدت 13 ساعة، صوت نواب معارضون مرهقون لصالح تعديل الائتلاف الليلي الذي خصص 255 مليون دولار لليشيفوت، ما كشف عن هشاشة الموقف السياسي وعدم قدرة المعارضة على الحفاظ على تكتل موحد في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. يقول جبّارين إنه يرى أن ذلك حصل «عن طريق الخطأ» لأن «المعارضة تدير الرأي العام، بينما نتنياهو يدير حسابات البرلمان»، وقد تفوّق عليهم عبر إدخال الاموال ضمن تعديلات تشريعية في اللحظات الأخيرة.

لكن في النهاية تفشل المعارضه لأنها تعمل كـ «جبهة رفض لا جبهة حكم»؛ متحدّة ضد نتنياهو لكنها منقسمة بعمق حول أي بديل سياسي. ويشير جبّارين إلى أن التحالف ينهكه صراعات شخصية وسياسية بين قادة مثل يئير لابيد، بيني غانتس وأفيدغور ليبرمان.

يقرأ  ترامب يلوّح بقطع تمويل مؤسسات ذات طابع ديمقراطيفي ظل استمرار الإغلاق الحكومي

في أعقاب إقرار الميزانية، انقلبت الكتلة المناهضة لنتنياهو على نفسها، بحسب مراقبين، وتبادل أعضاؤها الاتهامات علنًا. وشن يئير لابيد، زعيم حزب يش عتيد، هجومًا على أحزاب المعارضة المنافسة وراح يتهمها بأنها أحرص على «تدمير يش عتيد» بدلًا من السعي إلى توحيد الجهود ضد الائتلاف الحاكم.

وفي بيان مطوّل على منصة X، وصف لابيد مناورة الحكومة بأنها «خدعة» تهدف إلى تضليل المعارضة وسرقة الأموال المخصصة للمتجنّبين عن الخدمة في وقت تعيش فيه البلاد حالة حرب. وأضاف أن حزب يش عتيد قد قدّم استئنافًا عاجلًا إلى النائب العام لوقف تحويل تلك الأموال. «الخدعة فشلت، الأموال لن تمر»، قال لابيد، مع الإشارة إلى أنه لا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي على إيقاف التحويلات نهائيًا، في حين أن الميزانية الأوسع، البالغة 271 مليار دولار، وُقّعَت وأصبحت قانونًا.

يحذّر محلّلون من أن إعطاء الأولوية للتوسع الاستيطاني والمشاريع الأيديولوجية لليمين المتطرّف سيترتّب عليه عواقب وخيمة وطويلة المدى. «كل شيكل يوضع على هذا الطريق يُسحب من أي دولة فلسطينية قابلة للحياة مستقبلًا»، يقول جبّارين، محذّرًا من أن الميزانية لن تُعمّق فقط الهوّة داخل إسرائيل بين الجمهور العلماني الملزم بالخدمة العسكرية واليمين الديني الحاصل على امتيازات الدولة، بل ستزيد أيضًا من زعزعة الاستقرار في المنطقة.

أضف تعليق