نهاية صبر إيران الاستراتيجي الصراع الإسرائيلي‑الإيراني

منذ 7 أكتوبر 2023، اعتقدت الولايات المتحدة وإسرائيل أن ضغطاً دبلوماسياً وعسكرياً مستمراً على ايران سيُثني طهران ويقلص من قدرتها على المواجهة. لكن ما تآكل فعلاً كان شيئاً آخر: استعداد إيران لأن تبقى مقيدة. الصواريخ والطائرات المسيرة التي تضرب اليوم أنحاء الخليج تكشف أن طهران لم تعد تكبح جماحها.

لسنوات اعتمدت إيران مبدأ «الصبر الاستراتيجي»؛ ضبط مقصود وحسابات دقيقة تحدد كيفية تعامل طهران وشبكة حلفائها مع واشنطن وتل أبيب. بدلاً من المواجهة المباشرة، بنت طهران شبكة ردع من حلفاء محوريين — حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق — ما شكّل حزاماً حول إسرائيل وقلّل من احتمال اندلاع عدوان واسع.

التصدّع الجدي الأول في هذه السياسة وقع في أبريل 2024، حين دمرت ضربة إسرائيلية قنصلية إيران في دمشق وقتلت قادة كبار في الحرس الثوري. ردّ طهران كان عملية «الوعد الحقيقي»؛ هجوماً مباشراً بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية استُهدف به عمق الأراضي الإسرائيلية.

طيلة 2024 وحتى 2025 حاولت إيران المحافظة على شكل من أشكال الضبط المدروس وردع محسوب لتجنب حرب شاملة، لكن المعطيات تغيرت وجعلت هذه الاستراتيجية غير قابلة للاستمرار. الاستهداف المنتظم لقيادات حماس وحزب الله قوض نقاطاً أساسية في هيكل ردع إيران، وسقوط نظام الأسد في سوريا هدد خطوط الإمداد عبر الممر الأرضي الرئيسي من إيران إلى حزب الله.

بعد حربَة الاثني عشر يوماً عام 2025، أعلنت إيران في يناير 2026 عقيدة جديدة وُصفت بأنها «ردع نشط وغير مسبوق». وعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة في 28 فبراير 2026 أثناء مسار تفاوضي، أرسلت هذه الضربات رسالة واضحة إلى القيادة الإيرانية بأن الكبح لم يعد يوفر حماية، وربما لن يوفرها في المستقبل.

يقرأ  لاري سامرز يستقيل من مجلس إدارة OpenAI بعد ذكر اسمه في ملفات إبستينأخبار الأعمال والاقتصاد

إلى جانب ضرب إيران مباشرة، استهدفت إسرائيل لبنان والعراق واليمن وسوريا. وكانت ردود طهران تعبيراً عملياً عن عقيدتها الجديدة: دول عدة — الكويت وقطر والامارات والسعودية والعراق والأردن وإسرائيل وقبرص — تعرضت لضربات خلال أيام معدودات.

تباينت أدوار هذه الدول في الإقليم. قطر، على سبيل المثال، حافظت على استراتيجية وساطة مضبوطة واستضافت قاعدة أميركية ومكاتب لحماس في آنٍ واحد، ما شكّل أبلغ مثال على موازنة التوترات الإقليمية. وأن تكون قطر جزءاً من هذا التصعيد يُعدّ إدانة لفشل حكومات ذات نفوذ، وخصوصاً الولايات المتحدة، في معالجة أزمة غزة بشكل جوهري على مدار سنوات.

من أبرز التطورات في هذا التصعيد استهداف إيران المكثف للامارات. اتبعت الإمارات سياسات خارجية تعتمد على استراتيجية تفكيك؛ أي العمل مع إسرائيل وشركاء آخرين لتفتيت أي معارضة سياسية وعسكرية موحدة في المنطقة إلى عناصر أصغر يسهل احتواؤها وإدارتها. تلك الاستراتيجية كانت مبنية على افتراض أن استقرار الإمارات محمي من عواقب ما تفعل. ومع سقوط الصواريخ على دبي وأبوظبي تبددت أوهام هذا الفصل بين السياسة الخارجية واستقرار الداخل.

لم تُعبّئ حلفاء إيران في المنطقة تعبئة كلية بعد، ومع أنهم تكبدوا خسائر كبيرة فإنهم لا يزالون يحتفظون بعمق تنظيمي قد يمكّنهم من مواصلة مقاومة مسلحة منخفضة المستوى على نحو يشبه ما أجهد القوات الأميركية في العراق.

ومع انخراط الفاعلين الرئيسيين في دورة مواجهة عسكرية معلنة، بدأت أزمات داخلية كامنة تشعل سريعاً مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. تُفيد تقارير بأن الإدارة الأميركية تشجع قوى كردية على شن هجوم بري ضد إيران؛ وفي البحرين اندلعت موجة احتجاجات متجددة ضد السلطة مع نشر قوات سعودية لقمع المعارضة؛ وفي بغداد حاول محتجون اقتحام المنطقة الخضراء مقر البرلمان.

يقرأ  ترامب يلوّح بقطع تمويل مؤسسات ذات طابع ديمقراطيفي ظل استمرار الإغلاق الحكومي

فلسطين تبقى التعبير الأوضح للنظام الإقليمي الذي سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى فرضه بدعم من الإمارات: جيوب معزولة تخضع لضغط عسكري منخفض المستوى بشكل دائم في الضفة الغربية، وتدمير شامل في غزة. قُضِيَ على إمكانية حكم ذاتي ذي معنى بينما تستمر عملية التوسع الإقليمية الإسرائيلية. هذا هو النموذج السائد.

فُصل باب الصراع المضبوط والمحسوب بالقوة والقرار، بفعل تراكم اختيارات إسرائيل. كل ضربة أميركية أو إسرائيلية ضد إيران أو قيادات موالية لها، وكل تفاوض جرى قبيل عمليات عسكرية، وكل رفض لاعتبار الفعل السياسي الفلسطيني متغيراً جادّاً في أي تسوية إقليمية، كانت قرارات اتخذتها حكومات تؤمن بأن الأمن يُؤمّن عبر التفكيك والقوة.

عندما تحدث وزير الخارجية الأميركي روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، بدا الحنين إلى حقبة تفوّق غربي غير منازع جلياً. لكن تلك الحقبة هي نفسها التي ولّدت ظروف الانفجار الراهن في المنطقة. استمرار التوسع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي، وتمديد نموذج التفتيت إلى لبنان وسوريا وحتى القرن الأفريقي، وإطلاق رياح تغيير أنظمة للاستفراد بإيران لخدمة هذا المشروع، كل ذلك أدى إلى تراكم مقاومة — من دول ومن فواعل غير دولية — لم تعد مكبلة بصبرٍ كان يجعلها قابلة للإدارة.

سيُحدد مصير الاستقرار الإقليمي ما إذا كان بالإمكان تشكيل تحالف عالمي بعد محاسبة تسائل جوهري: النظام القائم على قواعد لا يمكن أن يتعايش بلا نهاية مع توسعٍ إقليمي، وعقاب جماعي، ومحاسبة انتقائية.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق