ماذا يحدث في العراق؟
خلال ساعات من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تعرّضت منشآت أميركية في إقليم كردستان العراق لهجمات انتقامية شنتها مجموعات مدعومة من طهران، ما أدخل العراق في دائرة الصراع التي امتدت لاحقاً في أنحاء الشرق الأوسط وخارجه. منذ ذلك الحين تعرّضت أهداف أميركية في العراق لسلسلة هجمات شنتها فصائل مؤيدة لإيران والحرس الثوري الإيراني، فيما شنت الولايات المتحدة أيضاً ضربات ضد بعض هذه الميليشيات العراقية.
أصاب الهجوم بطبيعة الحال مرافق دبلوماسية وعسكرية: يوم الأربعاء تم اعتراض طائرة انتحارية قرب القنصلية الأميركية في أربيل وسُمع دوي انفجارات في المنطقة، بحسب وكالات أنباء نقلت عن مصادر أمنية ودبلوماسية. في اليوم نفسه قُتل عضو في حزب كوملة المعارض الإيراني في هجوم بطائرة مسيرة استهدف إقليم كردستان شبه المنقطة، وحمّلت الحزب إيران مسؤولية القصف، فيما لم يصدر تعليق من طهران.
أفادت تقارير بأن مسيرة ضربت مركز دعم دبلوماسي أميركي مهماً قرب مطار بغداد، وهو مقر لوجستي للدبلوماسيين الأميركيين وقاعدة عسكرية عراقية. ذكر تقرير أن ست طائرات مسيرة أُطلقت نحو المجمع في بغداد، أصابت إحداها المرفق الأميركي بينما أُسقطت الخمس الباقيات، ولم يتسنَّ التأكد من وقوع إصابات. ونسبت تقارير أمنية الهجوم على الأرجح إلى «المقاومة الإسلامية في العراق»، التي تضم فصائل مسلحة مدعومة من إيران.
من جهته أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قاعدة أميركية في منطقة الحريّير في إقليم كردستان بخمس صواريخ، فيما أفادت كتائب الإمام علي، المرتبطة بميليشيات الحشد الشعبي والمدعومة من طهران، بمقتل أربعة عناصر لها وإصابة 12 في غارات جوية شمال العراق اتهمت الولايات المتحدة بتنفيذها، ووصفت الحادث بـ«العدوان الأميركي».
ردُّ الفعل الرسمي العراقي
على صعيد دبلوماسي قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال مؤتمر صحفي في بغداد: «أصبح العراق من الدول المتأثرة مباشرة بالصراع الجاري»، مضيفاً أن البلاد تتعرّض لهجمات «من كلا طرفي الصراع». وفي اتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، شدّد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على أن العراق لا ينبغي أن يُستغل كمنطلق لشن هجمات في حرب الشرق الأوسط.
لماذا التصعيد يهدد اقتصاد العالم؟
شنت إيران، أيضاً، هجمات شبه يومية على منشآت أميركية في دول الخليج الغنية بالطاقة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وطرح مخاطر على الاقتصاد العالمي.
جهات كردية وإمكانيات التمدد عبر الحدود
هاجمت طهران أيضاً مجموعات كردية إيرانية مقرّها في إقليم كردستان العراقي بعد تقارير عن نوايا واشنطن تسليح هذه الفصائل لمواجهة طهران. قال قيادي كردي إيراني لقناة الجزيرة الأسبوع الماضي إن احتمال شن عملية برية عابرة للحدود إلى داخل إيران «مرجّح جداً»، بينما أكد باباشيخ حسينّي، الأمين العام لمنظمة الخبات، أنه «لا توجد عملية في هذه المرحلة» لكن المجموعة تلقت اتصالات أميركية وتدرس خياراتها.
استهداف قواعد ومطارات
خلال الأيام الأخيرة استهدفت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ مطار بغداد الدولي الذي يضم قاعدة عسكرية ومرفقاً دبلوماسياً أميركياً، إلى جانب حقول ومرافق نفطية، كما تعرّضت أربيل لعدة هجمات. وأفادت تقارير محلية بأن القوات العراقية أسقطت طائرة مسيرة حاولت استهداف قاعدة فيكتوريا الجوية قرب مطار بغداد الدولي.
ما هي الأصول العسكرية الأميركية في العراق؟
تحافظ الولايات المتحدة على تواجد في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار الغربية لدعم القوات العراقية والمساهمة في مهمة حلف الناتو، وقد تعرّضت القاعدة سابقاً لضربات إيرانية عام 2020 انتقاماً لاغتيال قائد إيراني بارز. كما تُستخدم قاعدة أربيل الجوية كمركز للقوات الأميركية والتحالف لإجراء تدريبات وتنسيق استخباراتي ولوجستي في شمال العراق. واعتباراً من أوائل 2026، يوجد نحو 2500 جندي أميركي في العراق.
لمحة ختامية
العراق صار، مرة أخرى، ساحة احتكاك بين قوى إقليمية ودولية، ما يعقّد الأمن الداخلي ويزيد من مخاطر تصاعد الصراع وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. هذه الديناميكية تبدو مرشحة للاستمرار ما دامت الأطراف المتورطة تتبادل الضربات وتستخدم العراق مسرحاً للردود والتصعيد، ما يضع بغداد أمام معضلة الحفاظ على سيادتها وسلامة مواطنيها. مع انسحاب القوات الأميركية من قواعدها في الشرق الأوسط، لا تزال الأعداد الحقيقية للجنود المتبقّين في العراق غامضة وغير معلنة رسمياً.
تحافظ الولايات المتحدة على عدد محدود من المنشآت العسكرية في عموم العراق وإقليم كردستان، بأحجام ومواقع أقل بكثير مما كانت عليه خلال سنوات الاحتلال، إلا أن تفاصيل أعدادها وحجمها لا تُكشف للعامة. من بين هذه المواقع قاعدة فيكتوريا (كمب فيكتوريا) قرب مطار بغداد الدولي، وقاعدة حرير الجوية شمال شرقي أربيل.
لماذا يُهاجم العراق من كل جانب؟
تعود معضلة العراق إلى تشظّي الدولة وسياساتها الخارجية، بحسب رند منصور، الباحثة والزميلة البارزة ومديرة مبادرة العراق في مؤسسة تشاتام هاوس البريطانية. فمكونات المشهدين السياسي والأمني العراقية تنحاز إلى قوى خارجية متنافسة: بعض الفصائل تقيم روابط وثيقة مع ايران، وأخرى ترتبط بعلاقات أقوى مع الولايات المتحدة.
بسبب هذا الانقسام لا توجد سياقة واحدة واضحة للسياسة الخارجية للدولة، وبغداد — رغم احتجاجاتها المتكررة على انتهاكات سيادتها من طرفيْن متنازعين — تفتقر إلى القدرة العملية لفرض هذه الاحتجاجات. تلعب الشبكات غير الرسمية والميليشيات دوراً محورياً في صناعة القرار والشأن الأمني، ما يضعف نفوذ المؤسسات الحكومية الرسمية.
عمّقت طهران دعمها لأحزاب وفصائل إسلامية شيعية ومجموعات مسلحة منذ الإطاحة بصدام حسين في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. ولعبت كتائب ومجموعات شيعية، تشكل جزءاً من هيئة الحشد الشعبي، دوراً قيادياً في هزيمة تنظيم داعش في العراق بين 2014 و2017. نشأ تنظيم الدولة الإسلامية في سياق سنوات من الفوضى والسياسات الطائفية، مستفيداً من استياء قطاعات من السنة.
تم دمج آلاف المقاتلين الذين يحيطون بميل إلى طهران ضمن مؤسسات أمنية رسمية. مجموعات مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، المنضوية تحت مظلة الحشد، تتوافق مع المصالح الجيوسياسية لإيران وتعمل على تحقيقها داخل الساحة العراقية.
يرى خبراء أن إيران اعتبرت العراق ساحةً لضرب المصالح الأميركية ورفع كلفة سياسات واشنطن. وفق بورجو أوزجيليك، الباحثة المتخصّصة في أمن الشرق الأوسط بمعهد رويال يونايتد سيرفيسز، فإن المجموعات المسلحة الموالية لإيران، التي تنشط تحت راية «المقاومة الإسلامية في العراق»، استهدفت أصولاً عسكرية أميركية عبر هجمات لا متماثلة تُرهق القدرات وتزيد الضغط على المصالح الأميركية.
من منظور طهران، تُعد مثل هذه الاستهدافات وسيلة للضغط على واشنطن وتقويض سمعة إقليم كردستان من خلال ضرب منشآته الطاقية ومواقع حيوية أخرى. يُعتبر إقليم كردستان خط تماس حساساً لإيران نظراً لقربه منيها ووجود جماعات معارضة فارسية-كردية تعتبرها طهران معادية.
بينما انخرطت دول أخرى في المنطقة، كلبنان والأردن، في دوامة الصراع بدرجات متفاوتة، يختلف الوضع في العراق لأن النفوذ الإيراني هناك أعمق وأشد تجذّراً. المجموعات الموالية لإيران ليست مجرد عناصر فاعلة على الأرض، بل هي متجذرة جزئياً ومندمجة في بنية الأمن الوطني العراقية، في حين يستمر العراق أيضاً في احتضان مصالح أميركية بارزة.
هذا الخليط من النفوذ المتقاطع والوجود المتداخل لكل من طهران وواشنطن يجعل العراق أكثر تعرضاً من غيره، ويزيد احتمالية بقائه في مرمى النيران لمدد طويلة بعد أن يعلن الرئيس ترامب أن الحرب قد انتهت.