هل تسلّح الولايات المتحدة عصابات المخدِّرات في المكسيك؟ أخبار الأسلحة

مقتل “إل مينتشو” ومصدر الأسلحة

بعد العملية الصباحية التي أسفرت عن مقتل أحد أخطر زعماء المخدرات في المكسيك، المعروف باسم “إل مينتشو”، أعلن وزير الدفاع ريكاردو تريفيا تريخو للصحفيين أن 80% من الأسلحة التي صادرتها السلطات من الكارتلات دخلت مهربة عبر الحدود من الولايات المتحدة. بمساندة معلومات استخباراتية أمريكية، تمكنت قوات الأمن المكسيكية من تتبعه — واسمه الحقيقي نيمسيو أوسيغيرا سيرفانتس — إلى عقار في بلدة جبلية بولاية تابالپا غربي البلاد. يقود “إل مينتشو” ما يُعرف بعصابة جاليسكو للجيل الجديد (CJNG)، التي اشتهرت بسرعة توسعها وترسانتها الشبيهة بالقوات العسكرية.

من هم أبرز الكارتلات ومقدار تسليحها؟

تضم الخريطة الرئيسية للعصابات في المكسيك تنظيم الخليج، وكارتل سينالوا، وCJNG. كلها تمتلك أسلحة من طرازات عسكرية — بنادق ذات عيار مرتفع، مخازن ذات سعة كبيرة، وفي حالات متعددة عبوات متفجرة وأسلحة ثقيلة؛ وتعدّ CJNG استثنائية في قوة نيرانها إلى درجة أنها أسقطت مروحيات عسكرية مكسيكية عام 2015. تضع المكسيك والولايات المتحدة جوائز مالية على رؤوس عدد من القئاد الميدانيين، بينهم قادة بارزون من سينالوا والخليج وفصائل أخرى، وأفضت مداهمات قتل أو اعتقال بعضهم إلى ردود عنيفة من العصابات، شملت هجمات منسقة على طرق ومحطات شرطة ومناطق متنازع عليها وأدت إلى سقوط قتلى واضطرابات واسعة.

قوانين اقتناء السلاح في المكسيك

تنص القوانين الفدرالية المكسيكية على أن المدنيين مسموح لهم بشراء أنواع محدودة من الأسلحة الصغيرة مثل مسدسات قصيرة العيار وبنادق ق .22 وبعض البنادق الصيد، وذلك حصريًا عبر متجريْن تديرهما المؤسسة العسكرية: DCAM في مكسيكو سيتي وOTCA في أبوداكا، ونحتاج لعدة موافقات وفحوصات أمنية من جهة الدولة قبل إتمام أي عملية شراء. أما البنادق العسكرية ومعدات القتال الثقيلة فمقتصرة على القوات المسلحة فقط.

يقرأ  تشارلي كيرك: خطر التعاطف الانتقائي — آراء

كيف يحصل المهربون على الأسلحة؟

بحسب خبراء في الأمن والدراسات اللاتينية، تعتمد العصابات على مزيج من الشراء بالواسطة “سترو” (شخص يشتري بالنيابة عن آخر لا يحق له الشراء)، وبائعين دون ترخيص، وسرقات من مخازن أو عن طريق فاسدين داخل أجهزة الأمن، وسماسرة متخصصين يستخرجون أسلحة وذخائر من السوق التجاري الأمريكي. كثيرٌ من الشحنات تُنقل برًا داخل حمولات صغيرة ومجزأة، أو بعد تفكيك الأسلحة لتقليل احتمالات الاكتشاف. تُقدَّر السلطات أن بين 200 ألف و500 ألف قطعة سلاح تُهَرب سنويًا من الولايات المتحدة إلى المكسيك لتزود بها الكارتلات.

أمثلة على تتبُّع وملاحقات قانونية

أحبطت السلطات مكاسب كبيرة؛ فوزارة الدفاع المكسيكية أعلنت مصادرة نحو 137,000 خرطوشة من عيار .50 منذ 2012، وهي ذخائر قوية مخصصة لأسلحة ثقيلة ويمكنها اختراق المدرعات، ونُسبت نسبة كبيرة منها إلى مصنع بحيرة سيتي في ميزوري، الذي يعتبر أكبر منتج أمريكي لذخيرة الأسلحة الخفيفة العسكرية.

على الصعيد القانوني، رفعت المكسيك في 2021 دعوى بمليارات الدولارات أمام محكمة اتحادية أمريكية ضد عدة شركات تصنيع أسلحة في الولايات المتحدة، متهمة إياها بممارسات تسهّل تداول الأسلحة نحو عصابات المخدرات المكسيكية. قادت القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية التي قضت لاحقاً بأن قانون حماية التجارة المشروعة للأسلحة لعام 2005 يحول دون مقاضاة الشركات طالما لم تُثبت الحكومة أنها “ساهمت وتواطأت” مباشرة في عمليات تهريب الأسلحة. كما رفعت المكسيك دعاوى مستقلة ضد بعض متاجر الأسلحة في أريزونا متهمةً إياها بتسهيل عمليات الشراء بالواسطة والتهريب، وتلك القضايا ما تزال منظورة في المحاكم.

ماذا فعلت الولايات المتحدة؟

في مواجهة تدفق الأسلحة، نفذت أجهزة إنفاذ أمريكية عمليات ومشاريع استخباراتية مُنسقة، من بينها مشروع “Thor” الذي أدارته إدارة الكحول والتبغ والأسلحة والمتفجرات (ATF) بين 2018 و2021، واستهدف شبكات تهريب قائمة في الولايات المتحدة تزود العصابات المكسيكية، وأسفر عن عدد من القضايا وكشف سلاسل التوريد التي تصب جنوبًا. Despite these جهود، تبقى السيطرة الكاملة على تدفق السلاح تحديًا معقدًا يتقاطع فيه القانون والتجارة والفساد عبر حدود طويلة ومعقدة. أُوقف تمويل المبادرة في عام 2022 بقرار إدارة الرئيس جو بايدن، ولم تُقدّم لا وزارة العدل الأمريكية ولا إدارة الكحول والتبغ والأسلحة والمتفجرات تفسيراً رسمياً لسبب ذلك.

يقرأ  توجيه تهم لرباعية تابعة «لجبهة تحرير جزيرة السلاحف» بتدبير مخطط تفجير ليلة رأس السنة في كاليفورنيا

الولايات المتحدة سعت مسارات أخرى للتعامل مع هذه المشكلة. بين 2009 و2011 أدارت إدارة الكحول والتبغ والأسلحة والمتفجرات عمليّة عُرفت باسم «فاست آند فيريوس» (Fast and Furious)، سمح بموجبها بشراء أكثر من ألفي سلاح بصورة غير قانونية داخل الولايات المتحدة ثم تهريبها إلى كارتلات مكسيكية، بغية تتبّعها وصولاً إلى كبار قيادات تلك المجموعات. إلا أن الوكالة بالغت في تبسيط صعوبة تتبّع الأسلحة بعد دخولها السوق المُظلِمة، فتاهت كمية كبيرة منها وانتهى بعض هذه الأسلحة مُستخدماً في جرائم عنف، من ضمنها مقتل عميل دوريات الحدود برايان تيري في 2010، ما أثار انتقادات حادّة للعمليّة.

في 2011 قال هومبرتو بنيتيز تريفينيو، الذي كان يرأس لجنة العدالة في مجلس النواب المكسيكي حينها، إن ما لا يقل عن 150 إصابة وقتلاً تعلّق بصلة بأسلحة تم تهريبها ضمن إطار تلك العمليّة، ووصف مشرّعون مكسيكيون ما جرى بأنه انتهاك لسيادة المكسيك. وتعمّق الجدل حين قدّم خيسوس فيسنتي زامبادا-نييبلا من كارتل سينالوا مرافعات في محكمة فدرالية أمريكية في شيكاغو زاعماً أن كارتله تلقى معاملة تفضيلية من السلطات الأمريكية تهدف إلى إضعاف منافسيه. نفى مسؤولون أمريكيون تلك الادعاءات، غير أن سميث لفت إلى أن سياسات مكافحة المخدرات الأمريكية تاريخياً اتّسمت أحياناً بلعب طرفَي الكارتلات ضد بعضهما البعض كجزء من استراتيجياتها.

هل يمكن أن تكون الولايات المتحدة تسلّح بعض الكارتلات المكسيكية بشكل تكتيكي؟
بحسب سميث، من غير المرجح أن تكون هناك سياسة مقصودة لتسليح كارتلات مثل كارتل خاليسكو (CJNG). أشار إلى أنه «من الممكن أن تتغاضى السلطات عن تهريب أسلحة من قِبَل خصم ما بغرض الحصول على معلومات عن سينالوا»، لكن لا توجد خطة صريحة لتزويد جهة ما بالأسلحة. النتائج السابقة، مثل وصول أسلحة ذات عيارات عالية إلى مجموعات إجرامية خلال عمليّة فاست آند فيريوس، عُدّت تبعات غير مقصودة لإستراتيجيات الإنفاذ لا سياسة متعمدة.

يقرأ  زيلينسكي يشير إلى إحراز تقدّم في المحادثات مع واشنطن لتأمين خطة سلام

وأضاف سميث أن الولايات المتحدة قادرة بسهولة على الحد من مثل هذا التهريب عبر تشديد التنظيم والرقابة، لكن امتناعها عن اتخاذ خطوات حاسمة هو خيار سياسي يتأثر بضغط داخلي ورغبة في تحميل اللوم لأطراف لاتينية بدلاً من تحميله لأمريكيين.

من جانبها ترى آيدلر أن وصول كارتلات مكسيكية إلى ذخائر بمعايير عسكرية، بما فيها ذخائر من مصنع ذخيرة ليك سيتي العسكري، يُفسّر بصورة أقرب عبر تحويل السوق والثغرات التنظيمية أكثر مما يُفسر بدعم أمريكي مقصود.

ما الذي يلزم لمواجهة تهريب الأسلحة إلى الكارتلات المكسيكية؟
وفق آيدلر، يتطلّب التصدي الفعّال تحولاً جذرياً في السياسات والأولويات الأمريكية. استراتيجية جديرة بالثقة تستلزم معاملة تدفّق الأسلحة جنوباً بقدر من الإلحاح لا يقل عما يُنفق على التدفقات الشمالية من المخدرات والبشر: تشديد الرقابة، استثمار في قدرات التتبع والتحقيقات، وإعادة تأطير الأمن عابر الحدود كالتزام متبادل حقيقي بدلاً من معضلة أحادية الاتجاه. ولن تُحسم معركة تدفّق الأسلحة من دون رقابة مستمرة وتنسيق فعّال وتعاون استخباراتي وإنفاذي بين الولايات المتحدة والمكسيك.

أضف تعليق