شهدت العاصمة البريطانية هذا الأسبوع انعقاد أسبوع لندن للعمل المناخي، فعُقدت مؤتمرات جمعت باحثين وقادة وناشطين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التغير المناخي. وقد شعر الحاضرون بحدة المشكلة عن قرب: فدرجات الحرارة تجاوزت 36 درجة مئوية في مناطق من المملكة المتحدة، ولندن نفسها عانت موجة حر خانقة أدت إلى إلغاء نشاط كان مخصصًا لمناقشة الحرارة القصوى، مما بيّن صعوبة المدينة في التكيّف مع هذا النوع من الظواهر.
تتعرض أوروبا لموجة حرارة واسعة النطاق. والآلية الفيزيائية لذلك معروفة: يهبط التيار النفاث غربًا، ما يتيح للهواء الحار القادم من شمال أفريقيا أن يجتاح القارة، ثم يتعزز حقل ضغط مرتفع يبقى مكانه لأيام، مكوّنًا قبة تحبس الهواء الساخن وتُعيق تكوّن السحب. ترتفع درجات الحرارة، وتتحول أوروبا إلى فرن — والمؤشرات المتكررة لكسر الأرقام القياسية تعكس بوضوح أثر الاحترار طويل الأمد، لا سيما حين تشير بيانات مثل بيانات مرصد كوبيرنيكوس إلى أن القارة هي من أسرع المناطق احترارًا.
هذه الأنماط الجوية ليست جديدة تمامًا، لكن شدتها وتكرارها يزدادان؛ لم تعد أحداثًا استثنائية نادرة بل بدأت تشكل واقعًا متكررًا. وهي تُظهر أيضًا القصور البنيوي في نواة العمران الأوروبي: المباني ليست معزولة بما يكفي لمنع تسرب الحرارة، ولا يتوفر التكييف بصورة منتظمة تكفي لحماية السكان. هذا القصور يبرز بشكل خاص في مدن مثل باريس ولندن التي كانت تشتهر شتاءً بالبرد والسماء الرمادية، والتي لم تُبْنَ تصاميمها أصلاً لتتحمل مناخًا حارًا ومشمِسًا — إهمال قد يتحول إلى إهمال متعَمَّد إن استمر.
المشهد سيتدهور إذا استمرت درجات الحرارة بالارتفاع؛ فعدد أيام الحرارة القصوى سيزداد، وحتى مدن جنوب أوروبا التي اعتادت مناخ البحر المتوسط اللطيف ستواجه صعوبات أكبر. المخاطر عالية: موجة الحر عام 2003 أودت بحياة نحو 70 ألف شخص، فتبعتها جهود للتكيّف، لكن صيف 2022 سجّل أكثر من 60 ألف وفاة ناجمة عن الحرارة، ما يوحي بأن الإجراءات المتخذة لم تكن كافية. وقد تكون موجة هذا العام أكثر فتكًا؛ فمدن أوروبا ليست جاهزة بعد.
فما الذي يجب أن يفعله صانعو القرار؟ لخصت لجنة تغير المناخ البريطانية المشكلة بعبارة قاطعة: «المملكة المتحدة بُنيت لمناخ لم يعد موجودًا». والقول ينطبق على معظم أنحاء القارة. ثمة حاجة إلى نهج عمراني جديد. وللإنصاف، اعترف عدد من رؤساء البلديات بالتحدّي وشرعوا في استجابات عملية، وكان من أبرزها التشجير—خطوة مهمة للتخفيف من تأثير الأسطح الخرسانية والحجرية التي تمتص الحرارة وتبعثها خلال النهار. وقد تعهّدت باريس، على سبيل المثال، بغرس آلاف الأشجار لتلطيف المناخ المحلي.
تشكّل الأبنية الجديدة فرصة لبناء معايير أفضل، ومع تشجيع الاتحاد الأوروبي لزيادة المعروض السكني لمواجهة أزمة السكن، هناك متسع لتحسين التصاميم و«البناء للحرارة». لكن المشكلة الأساسية تبقى للمخزون التاريخي الموجود بكثافة: في كثير من الدول الأعضاء، يقلّ نصيب المباني السكنية المبنية بعد 2000 عن ربع الإجمالي، فيما يقارب نصفها كونها أقدم من ستين عامًا. دول مثل إيطاليا ستواجه صعوبة في التوفيق بين وظائف المبنى الحديثة ومتطلبات الحفاظ على التراث؛ الأولى تحتاج ابتكارًا ومواد جديدة لمواجهة المناخ، والثانية تستلزم صونًا دقيقًا. لقارة تَتَغذى هويتها من تاريخها، ليس من السهل رسم مستقبل مختلف.
ثم ثمة حواجز بنيوية تحول دون بعض الحلول الشائعة. خذ غرس الأشجار مثلاً: شوارع فلورنسا المزدحمة بالسياح تكاد تخلو من المساحات الخضراء، ذلك أن قصورًا فخمة من قرون مضت حشرت الشوارع الضيقة وضيّقت مساحة الفضاء العام. هذه القصور تجذب ملايين الزوار وتزين المدينة، لكنها تترك مجالًا ضئيلاً للغطاء النباتي. مدن أوروبية أخرى استفادت من حدائق وبالاتجاهات الشجرية التي سهّلت زيادة المساحات الخضراء، لكن قيود الحفاظ على المباني التاريخية لا تزال تعيق الابتكار في أماكن عديدة، ما يجعل التاريخ والمستقبل يبدو أحيانًا على خصومة صفرية النتيجة.
وتتعقد المسألة أكثر لأن الحرارة ليست أولى التحديات المناخية لمدن القارة؛ فالتعرّض لتقلبات المياه—فيضانات وجفاف—له أيضًا آثار بالغة، وحيث يلعب التاريخ دورًا آخر معقدًا: قنوات المياه وطواحينها التي ميّزت الاقتصاد الوسيط أحيانًا أصبحت اليوم عامل خطر حين تُدفن أو تُهمَل. كثير من هذه القنوات دُفنت تحت طرق القرن العشرين، وما نجم عن ذلك من آثار غير مقصودة يظهر حاليًا في مشاهد الفيضانات والشبكات التحتية المشوّهة.
مقارنة، تمتلك بولونيا، المدينة الجامعية العريقة، نحو أربعين كيلومترًا من القنوات تحت شوارعها. كانت تحمل بضائع وتدير طواحين، لكنها اليوم تتحمل مياه الأمطار الغزيرة فتُغرق الخِدْمات وتُغلق القبوّم وتنفجر أحيانًا عندما تتدفق الفيضانات عبر هذا الشبك التحت أرضي، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى التوفيق بين التراث العميق والظروف المادية المتغيرة بسرعة.
وليس الصراع تقنيًا فحسب؛ بل هو سياسي بالأساس: فالتوسع في التكييف مثلاً يستلزم شبكة كهرباء قادرة على استيعاب زيادة كبيرة في الطلب، وهذا في وقت تضغط فيه مراكز البيانات والنقل الكهربائي والأتمتة على منظومة الطاقة، وتزداد مصادرها تشتتًا وتقطعًا. نظريًا يمكن نقل الفئات الأكثر عُرضة إلى ارتفاعات أعلى حيث تنخفض الحرارة، لكن ذلك يتطلب إعادة التفكير في الخدمات والبنية التحتية لمناطق جبلية تعاني من هجرة سكانها منذ عقود.
تعديل الفضاءات الحضرية الخارجية يستلزم أيضًا إدارة تبعات هيدرولوجية—مدن أكثر مسامية قد تساعد في تهدئة الحرارة لكنها قد تصبح أكثر عرضة لهطولات قصوى. وفي الوقت نفسه، البنيات الإقليمية التي تشكل خط الدفاع الأخير ضد الفيضانات والجفاف تبدو غير كافية لمناخ الغد، بينما يشيخ السكان الأوروبيون ويحتاجون إلى خدمات صحية عامة أكثر في لحظة تزداد فيها الضغوط على هذه الخدمات بسبب التغير المناخي.
موجة الحر هذا الأسبوع هي نذير لما هو آت؛ تذكير بأن مدن أوروبا ومناظرها الطبيعية مُطالبة بالتكيّف مع ظروف مادية متغيرة وإلا فهي مهددة بعواقب جسيمة. نجاح القارة سيعتمد على قدرتها ورغبتها في تسخير الموارد لبناء المستقبل لا الاكتفاء بحفظ الماضي. ولقارة تتأسس هويتها على التاريخ، قد يكون هذا التحدّي الأكثر استراتيجيةً على الإطلاق.
وجهات النظر الواردة هنا خاصة بالمؤلف ولا تعكس بالضرورة سياسة التحرير في قناة الجزيرة.