هل تكسر أوروبا ارتباطها بترامب؟ قصة في الطاقة والدفاع والتبعية الاقتصادية

تصاعدت حدة التوتر عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة ودول أوروبية بعدما جدد الرئيس دونالد ترامب الطموح لشراء جزيرة غرينلاند ذات الحكم الذاتي، التابعة للمملكة الدنماركية، ما أثار استنفاراً دبلوماسياً وتجاذبات تجارية.

ماذا قال ترامب هذا الأسبوع؟
أعاد ترامب التأكيد عبر منشورات في منصة “تروث سوشل” عقب مكالمة هاتفية مع رئيس وزراء هولندا مارك روتّيه، مؤكداً أن “لا عودة” عن مخططات واشنطن، وأنه اتفق على لقاء “الأطراف المعنية” في دافوس، سوسرا، على هامش منتدى الاقتصاد العالمي. نشر ترامب أيضاً لقطات شاشة لرسائل نسبها إلى روتّيه ورئيس فرنسا ايمانويل ماكرون، وشارك صوراً مركبة بالذكاء الاصطناعي تُظهره يرفع العلم الأميركي على غرينلاند وتصورات أخرى له في المكتب البيضاوي مجاوراً قادة أوروبيين وخريطة تمتد عليها أعلام الولايات المتحدة على كندا وغرينلاند وفنزويلا.

لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
غرينلاند، ذات نحو 56 ألف نسمة غالبيتهم من الشعوب الأصلية الإنويت، تقع جغرافياً في أميركا الشمالية ولكنها سياسياً جزء من الدنمارك ومن ثم من الناحية المؤسسية مرتبطة بأوروبا. تتمتع بحكم ذاتي منذ ثمانينيات القرن الماضي ولها وضع خاص مع الاتحاد الأوروبي كإقليم خارجي مرتبط، مع حقوق مواطنة عبر الدنمارك وإمكانية وصول محددة إلى السوق الأوروبية.
الاهتمام بالغرينلاند نابع من موقعها الاستراتيجي في المنطقة القطبية واحتياطياتها المعدنية، بما في ذلك عناصر نادرة مطلوبة لصناعة التقنيات المتقدمة. كما أن ذوبان الجليد يفتح مسارات بحرية جديدة، ما يزيد من أهميتها لوجستياً وعسكرياً. اقتصاد الجزيرة يعتمد أساساً على الصيد، والسكان المحليون يعارضون عادةً التعدين على نطاق واسع؛ لا توجد حالياً عمليات تجارية كبيرة للنفط والغاز.

ما هي التعريفات الجمركية التي يهدد بها ترامب؟
أعلن ترامب في 17 يناير أن بلداناً أوروبية عدة—بما فيها الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا—ستُفرض عليها منذ 1 فبراير رسوم بنحو 10% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، على أن ترتفع إلى 25% في 1 يونيو، وأضاف أن الرسوم ستُبقى سارية “حتى يتم التوصل إلى صفقة لشراء غرينلاند بالكامل”. تبنى هذا التهديد انعكاساً سريعاً على المستوى الأوروبي فدعت الدول المستهدفة إلى اجتماع طارئ وأصدرت بياناً متحداً يؤكد التضامن مع الدنمارك وشعب غرينلاند ويرفض أساليب الابتزاز التجاري.

ماذا قد تفعل أوروبا؟
تدرس عواصم أوروبية سلسلة من الخيارات تمتد من الدبلوماسية والردود المحدودة وصولاً إلى إجراءات انتقامية جمركية، وربما إلى تفعيل آلية الردع التجاري الأوروبية المعروفة بالـ “أداة مكافحة الإكراه” (Anti-Coercion Instrument) أو ما يسمّى غير رسمياً “بازوكا التجارة”. هذه الآلية، التي اعتمدها الاتحاد عام 2023، لم تستخدم من قبل وتستلزم موافقة لا تقل عن 15 دولة تمثل 65% من سكان الاتحاد وإجراء تحقيق مطول، لذا تطبيقها قد يستغرق شهوراً.

يقرأ  شقة سوداكوف تضررت إثر هجوم في روسيا

مدى اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة
تزايد اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في مجالات عدة، ولا سيما في الدفاع والمعلومات الاستخباراتية منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022. الولايات المتحدة تلعب دوراً مركزياً في الشبكات العسكرية والاستخبارية التي تدعم أوروبا، ما يجعل أي تصعيد عبر فرض تعريفات متبادلة يحمل مخاطر استنزاف للعلاقات وحاجة عملية لتقييم التبعات الأمنية والاقتصادية قبل الانزلاق إلى صراع طويل الأمد.

خلاصة
القضية تجمع بين اعتبارات استراتيجية وسيادية واقتصادية: طموح أميركي يستند إلى موقع وموارد استراتيجية، ورد فعل أوروبي يوازن بين الحاجة للتضامن مع الدنمارك وحماية قواعد التجارة الدولية، وبين واقع اعتماد أمني على واشنطن. في الأجل القريب قد تبقى المواجهة بيانياً ودبلوماسياً، لكن السيناريوهات الأكثر تصعيداً ليست مستبعدة إذا استمرت التهديدات والردود المتبادلة. مع ذلك، تؤكد التقارير ومسؤولون على وجود دورين حاسمين لعبتهما هذه القدرات: أولاً، تساعد استخبارات الأقمار الصناعية والاستخبارات الإشارية أوكرانيا على توقع الهجمات الروسية والاستعداد لها؛ وثانياً، تسهم في تحديد مواقع القوات والقواعد المعادية ليمكن للأوكرانيين استهدافها بصواريخ، بما في ذلك منظومات بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى داخل الأراضي الروسية.

بين عامي 2020 و2024، حصلت دول الناتو الأوروبية على 64% من واردات أسلحتها من الولايات المتحدة، ارتفاعاً من 52% خلال الفترة 2015–2019، وفق تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) نُشر في مارس 2025.

وساهمت الولايات المتحدة بنحو 16% من الميزانيات المشتركة لحلف الناتو، وهي أكبر مساهمة مشتركة تُقاس بمستوىٍ مساوي لمساهمة ألمانيا، بحسب تفصيل نشره الحلف العام الماضي.

«عسكرياً، يأتي نحو نصف مشتريات أوروبا الحديثة من الولايات المتحدة، خصوصاً في قدرات العمود الفقري الحرجة مثل الطائرات القتالية، والصواريخ، والدفاع الجوي، والأنظمة المدفوعة بالبرمجيات، وكذلك الصيانة والدعم»، قالت كريستين نيسن، كبيرة المحللين في مركز التفكير «يوروپا» في كوبنهاغن، للجزيرة. «هذه الاعتماديات مترسخة بعمق عبر المنصات والتحديثات وقطع الغيار والبيانات وقابلية التشغيل البيني.»

يقرأ  هل انتقلت إسرائيل وحماس إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار؟ أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

اقتصادياً

تعتمد أوروبا أيضاً بشدة على الولايات المتحدة في توفير خدمات التكنولوجيا والبنى التحتية الاقتصادية، مثل خدمات السحابة، وأشباه الموصلات، والمنصات الرقمية، وخدمات الأقمار الصناعية، والأمن السيبراني، وتقنيات الطاقة وجزء من النظام المالي، بحسب نيسن. «في كثير من هذه المجالات، تعتمد أوروبا على شركات ومعايير ونطاق تنظيمي أميركي، ما يعزز نفوذ واشنطن في مواجهة محتملة.»

يمتلك مستثمرون في دول أوروبية أكثر من عشرة تريليونات دولار من سندات الخزانة الأميركية. والسندات هي استثمارات يقرض من خلالها المستثمرون حكومات أو شركات لفترة محددة مقابل دفعات دورية من الفوائد واسترداد رأس المال عند الاستحقاق للشخص الذي يمتلك السند وقتها. يمكن شراء السندات وبيعها في الأسواق المالية، وبالتالي قد يردّ المُصدر رأس المال لمستثمر مختلف عن صاحب الشراء الأول.

عادةً ما تمنح السندات عوائد أقل من أسهم البورصة لكنها تُعد منخفضة المخاطر، وخصوصاً سندات الحكومات. وتُعد سندات الخزانة الأميركية جذّابة بوصفها أصولاً «ملاذاً آمناً». لكن إذا تفاقمت الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، فسيصبح هذا الملاذ شديد التسييس مع تنامي المخاوف من أن الولايات المتحدة قد لا تعيد رأس المال الأصلي المُستخدَم لشراء السندات.

علاوة على ذلك، إذا حدث انقسام في العلاقات عبر الأطلسي فقد يصاب المستثمرون بالذعر ويبدأون في بيع سندات الخزانة الأميركية على نطاق واسع. وعندما يبيع عدد كبير منهم في الوقت نفسه، تتراجع أسعار السندات، ما يعني انخفاض قيمة ممتلكات دول الاتحاد الأوروبي من هذه السندات وخسارتها لأموال على رصيدها الكبير من السندات الأميركية.

وبينما سيكون لذلك أثر اقتصادي سلبي على الولايات المتحدة أيضاً، فإنه سيحرم الحائزين الأوروبيين من إمكانية الاعتماد الكامل على هذه التشكيلة «الآمنة» من الأصول، وقد يواجهون صعوبة في إيجاد بدائل كبيرة ومستقرة لنقل هذه الأموال إليها.

«الاعتماد [الاقتصادي] متبادل لكنه غير متماثل. بالنسبة للولايات المتحدة، تُعد أوروبا في المقام الأول سوقاً وشريكاً صناعياً كبيراً، اعتماداً تجارياً. أما لأوروبا فالاتكال عملي وتكنولوجي ويمكن أن يمس الأمن الحيوي»، قالت نيسن. «ويمنح هذا التفاوت واشنطن نفوذاً هيكلياً دائماً، بغض النظر عن الجهة التي تشغل البيت الأبيض.»

يقرأ  غياب الرياضيين الروس والبيلاروسيين عن دورة الألعاب البارالمبية الشتوية 2026

الطاقة

بعد غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير 2022، فرضت أوروبا عقوبات على النفط الروسي وقلّصت تدريجياً اعتمادها الطاقي على روسيا. انخفضت واردات أوروبا من الغاز الروسي بنسبة 75% بين 2021 و2025، وفق تقرير لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (IEEFA) صدر مؤخراً.

وبدلاً من ذلك، زادت أوروبا واردات الطاقة من الولايات المتحدة، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال (LNG). قفزت واردات أوروبا من الغاز الأميركي المسال من 21 مليار متر مكعب في 2021 إلى 81 مليار متر مكعب في 2025 — ما يقارب زيادة أرباعية. «هذا يعني أن دول الاتحاد الأوروبي استمدت 57% من وارداتها من الغاز المسال من الولايات المتحدة في 2025»، وفق تقرير IEEFA.

ويضيف التقرير أن إذا أخذ الاتحاد الأوروبي كل شحنات الغاز المسال الأميركية التي تعاقد عليها ولم يخفض استخدامه للغاز، فقد تزود الولايات المتحدة ما يقرب من 75 إلى 80% من وارداته بحلول 2030.

ماذا يحدث إذا انهارت العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة؟

لدى أوروبا الكثير لتخسره. «سيسفر انقطاع خطير مع الولايات المتحدة على الأرجح عن خفض قدرة أوروبا على الوصول إلى الدعم العسكري الحاسم، والتكنولوجيا، والمعلومات الاستخباراتية، وتدفقات الطاقة، وأجزاء من النظام المالي والرقمي»، قالت نيسن. ولهذا الاعتماد قصداً كانت أوروبا تحرص حتى الآن على تجنّب التصادم مع الولايات المتحدة.

«على المدى القصير، لا تستطيع أوروبا أن تنفصل معنوياً دون تكاليف حقيقية على الصعيدين الاقتصادي والقدراتي»، أضافت. لذلك من غير المرجح أن تنفصل أوروبا فجأة عن الولايات المتحدة؛ بل ستميل تدريجياً إلى التنويع عبر بناء شراكات تجارية جديدة وتطوير قدراتها على الانتاج وإقامة سلاسل توريد أكثر استدامة.

«خلال الأسابيع الماضية بدأت أوروبا تتحرك صراحةً نحو التنويع كتحوط استراتيجي: تقليل التعرض لمورد واحد، توسيع الشراكات، وتعزيز المرونة الداخلية»، قالت نيسن. «وفي الوقت ذاته هناك تركيز سياسي أقوى على بناء القدرات الأوروبية — في الإنتاج الدفاعي، والتقنيات الحرجة، وبنية الطاقة التحتية، والقدرة الصناعية. المنطق لا يهدف إلى الانفصال عن الولايات المتحدة، بل إلى تقليل الضعف وزيادة هامش المناورة الأوروبي على المدى الطويل.»

أضف تعليق