على مدار العامين الماضيين تعرّضت شبكة حلفاء إيران في الشرق الأوسط لسلسلة من الضربات المؤلمة. في سوريا انهار نظام بشار الأسد. في لبنان أُجبر حزب الله على إلقاء السلاح بموجب وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة ويواجه الآن ضغوطًا للتفكيك أو نزع السلاح. في اليمن أُكره الحوثيون على الكف عن عرقلة حركة الملاحة في البحر الأحمر بعد قصف مدمر للبنى التحتية والمناطق المدنية بواسطة قوى أميركية. وخلال يوم الخميس قتلت غارة إسرائيلية رئيس وزرائهم أحمد الرحاوي مع عدد من الوزراء الآخرين.
لقد تقلصت قدرة الردع التي كانت لإيران بشكل لافت، ويبدو أنها قد تنكمش أكثر مع تزايد هشاشة نفوذها في العراق. تواجه الحكومة العراقية ضغوطًا متصاعدة من واشنطن لكبح جماح حلفاء إيران ضمن تشكيل الحشد الشعبي، وهو تشكيل يضم في معظمه مجموعات شبه عسكرية شيعية.
قد يكون دمج الحشد ضمن الجيش العراقي، كما تطالب الولايات المتحدة، مسألة عسيرة ومحفوفة بالمخاطر، لكن نجاح هذا المسعى من شأنه أن يعزز من بنية الدولة العراقية وسيادتها.
نجاح الضغوط الأمريكية
تاريخ الحشد القصير يجسّد معاناة العراق الأوسع في محاولة الوصول إلى الاستقرار والأمن والسيادة، متأرجحًا بين ضغوط واشنطن وطهران.
تكونت المجموعات شبه العسكرية في الحشد كرد فعل لصعود تنظيم داعش عام 2014، وهو نتاج مباشر للفراغ الأمني في البلاد بعد تفكيك الجيش العراقي عام 2003 عقب الغزو الأمريكي، إذ كان الجيش المُعاد تشكيله يفتقر إلى الروح المعنوية والجاهزية اللازمة لحماية البلد.
نجح الحشد في إيقاف تقدم داعش حيث فشل الجيش النظامي، لكن كثيرًا من عناصره استُغِلّوا من قبل الحرس الثوري الإيراني كأدوات نفوذ إقليمي.
ما يزال للحشد تأثير هائل داخل العراق اليوم؛ فهو يضم تيارات تسعى فعلاً للاندماج مع المؤسسة العسكرية العراقية وفصائل متشددة تظل ولاؤها لإيران صريحًا وغير متردّد.
يواجه رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني ضغوطًا أمريكية متزايدة لتفكيك الميليشيات، مع مقاومة قوية داخل تحالفه الحكومي الذي يجد فيه الحشد دعمًا راسخًا.
تتمحور المقاربة الأمريكية المقترحة حول استيعاب الوحدات المطيعة في الجيش النظامي مع تنحية قادة الميليشيات عن مواقع السلطة، وهو ما يمثّل عمليًا إعادة هيكلة شاملة للهندسة الأمنية العراقية. وردًا على ذلك دفع بعض النواب العراقيين نحو مسار معاكس بتقديم تشريعات تقنّن وجود الحشد كقوة عسكرية مستقلة دائمة.
مشروع قانون دمج الحشد الذي وُضع في مارس يسعى إلى ترقية وضعه من قوة مؤقتة إلى جسم عسكري مستقل دائم، بميزانية خاصة وتركيب قيادي وأكاديمية عسكرية، كما يمنح قائد الحشد رتبة وزارية، ممأسسًا ما تعتبره واشنطن نفوذًا إيرانياً داخل الحكومة العراقية.
نجحت الضغوط الأمريكية في سحب مشروع القانون من البرلمان مؤقتًا. وقد حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صراحةً من أن تمرير تشريع من هذا النوع سيؤدي إلى مراجعة شاملة للعلاقات الأمريكية-العراقية، بما في ذلك احتمال فرض عقوبات. وكان لهذا التهديد وقع إذ سبق لواشنطن أن فرضت رسوماً جمركية بنسبة 35% على العراق.
في يونيو، وبناءً على ضغوط أمريكية، تعطل صرف رواتب مقاتلي الحشد عندما امتنع بنك الرافدين المملوك للدولة عن إجراء المعاملات الإلكترونية.
وقد دعت أصوات في الكونغرس الأميركي إلى معاقبة بنك الرافدين بسبب فضيحة فساد عام 2022، التي شهدت اختفاء نحو 2.5 مليار دولار من الأموال العامة وسط اتهامات بتورط جهات مقربة من الحشد.
المحاسبة الحتمية
لم يعد النقاش في بغداد يدور حول بقاء الحشد كما هو؛ الإجابة حُسمت في واشنطن. يواجه السوداني ضغوطًا ساحقة لوقف التسامح مع جيش موازٍ موالٍ لإيران داخل الدولة العراقية.
التوجه واضح: النظام السياسي العراقي، الذي ظل لسنوات تحت هيمنة حلفاء طهران ومُغذّى بفساد ممنهج، يواجه تحوّلًا جوهريًا تحت وطأة ضغوط أمريكية مستمرة. المعقل الإقليمي الأخير لطهران محاصر، وواشنطن تبدو مصممة على عدم ترك النتيجة للصدفة.
سيرضخ السوداني إلى الضغوط الأمريكية لأنه لا يملك بديلًا واقعيًا. الفصائل المستعدة للفكاك من طهران ستُدمج في الجيش النظامي، أما الرافضة فستُعزل أو تُفكك أو تُقطَع عنها موارد التمويل. هذه النتيجة ليست مسألة إن أمكن حدوثها بل مسألة متى ستقع.
المخاطر كبيرة؛ فقد تقاوم مجموعات شبه عسكرية ولاؤها لإيران عملية التفكيك بعنف. ورغم تراجع موقع طهران الإقليمي، فإن لديها ما يكفي من القدرة على إشعال الفوضى داخل الأراضي العراقية.
قد تشتعل أشباح 2006 من جديد، وقد يُقذف العراق، منهك الحرب، نحو نزاع أهلي آخر. لكن إذا تمكنت المؤسسات العراقية من الصمود أمام العاصفة، فسيكون ذلك مدخلاً لاستعادة سيادة أَقوى—وهي سيادة افتقدتها الدولة العراقية بشدة منذ غزو 2003.
الآراء الواردة هنا تعكس وجهة نظر الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن موقِف الجزيرة التحريري.