هل يشهد تكتل «بريكس» انقساماً بسبب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران؟ أخبار التجارة الدولية

مرور نحو أسبوع على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لم يسجل تكتل بريكس — التحالف متعدد الدول الذي تضمّن طهران بين أعضائه — أي رد فعل واضح تجاه الصراع.

لدى المحللين والمراقبين السياسيين، يبدو هذا السلوك غير متسق مع ما اعتاد عليه التكتل. فقد كان موقف بريكس حاسماً العام الماضي عندما اندلع نزاع دام 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو؛ إذ أصدرت المجموعة، التي كانت تتولى رئاسة دورها حينها البرازيل، بياناً اعتبرت فيه الضربات المشتركة الأميركية – الإسرائيلية على إيران «انتهاكاً للقانون الدولي».

منذ أن انتقلت رئاسة بريكس إلى الهند في ديسمبر 2025، يرى منتقدون أن مصالح نيودلهي الذاتية بدأت تطغى على أهداف التكتل، مع إشارات متزايدة من الهند إلى توطيد العلاقات مع اسرائيل والولايات المتحدة.

تأسّس تكتل بريكس في 2009 كمجموعة اقتصادية، ويُنظر إليه على نطاق واسع كبديل «للجنوب العالمي» للتحالف الحصري لمجموعة السبع من الاقتصادات الصناعية. وقد سبق أن اتهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أعضائه بأنهم «معادون لأميركا»، رغم أن بريكس قالت دوماً إنها لا تسعى للتنافس مع أو مواجهة أي تكتل آخر.

اتسعت مهام المنظمة في السنوات الأخيرة لتشمل قضايا أمنية؛ فقد جرت في صفوف أعضائها تدريبات عسكرية مشتركة، كانت الأحدث استضافتها جنوب أفريقيا في يناير هذا العام، في حين امتنعت الهند عن المشاركة. يَشتق اسم «بريكس» من الأحرف الأولى لأعضاء التأسيس: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا. ومنذ 2024 توسّع التكتل ليضم إندونيسيا وإثيوبيا ومصر وإيران والسعودية والإمارات.

كيف ردت دول بريكس على الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران؟
تحت زعامة هندية في 2026، لم يصدر عن المنظمة بيان مباشر يدين «عملية إبك فيوري» التي شُنّت ضد إيران، والتي تضمنتها ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة متعدّدة أودت — بحسب التقارير — بحياة أكثر من 1,230 شخصاً في الأيام الستة الأولى من العمليات.

على الصعيد الفردي، عَبَّر ثلاثة من أعضاء التأسيس الخمسة عن تعاطفهم مع الإيرانيين الذين ينوحون على فقدان أحبائهم، ونددوا بانتهاكات محتملة للقانون الدولي. فقد عَبَّر رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، الذي يواجه حكومته نزاعاً منفصلاً مع واشنطن بشأن اتهامات سابقاً أُثيرت حول «إبادة جماعية» مزعومة ضد البيض في البلاد، عن القلق من إمكانية امتداد القتال خارج منطقة الشرق الأوسط. وقال رامافوزا للصحفيين: «نريد وقف إطلاق النار، ونريد أن يتوقف هذا الجنون»، وذلك بعد أن أصدر حزبه، المؤتمر الوطني الإفريقي، بياناً يدين ما وصفه «العمل الوقائي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل القائم على افتراضات وتخمينات».

يقرأ  خافيير ميلي يحتفل بنصر منتصف الولاية ٢٠٢٥بينما تتعمق فضيحة «ليبرا»

وأضاف رامافوزا أن جنوب أفريقيا مستعدة للعب دور الوسيط للمساعدة في تهدئة الوضع ووقف نزف الأرواح. وكانت جنوب أفريقيا قد تعرّضت لانتقادات أميركية حادة في يناير، عندما سُمِحَ لإيران بالمشاركة في تدريبات بحرية لبريكس استضافتها بريتوريا، في وقت كانت هناك تقارير عن قمع ممنهج للمتظاهرين في إيران.

من جهته، دان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضاً الضربات المشتركة، وندّد بمقتل المرشد الأعلى الإيراني في هجمات وقعت السبت، في رسالة موجهة إلى رئيس البرلمان الإيراني. وتربط موسكو وطهران علاقات وثيقة يتضمنها تزويد إيران بأسلحة، لكن روسيا لم تُدلِ بأي بوادر استعداد للتدخل عسكرياً لصالح إيران. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحفي أنه لا أدلة على أن طهران تطور أسلحة نووية — قضية مركزية لدى واشنطن وتل أبيب — وأن الحرب قد تؤدي إلى نتيجتها المعاكسة عبر تفشي الانتشار النووي في المنطقة.

وعلقت الخارجية الروسية بأن الضربات على إيران تُعد «أعمال عدوان مسلحة متعمدة وغير مبررة» ضد دولة عضو في الأمم المتحدة، في حين تبقى موسكو نفسها متهمة بشن عدوان ضد دولة ذات سيادة في إطار حربها المستمرة على أوكرانيا.

أما الصين، فأبلغ وزير خارجيتها وانغ يي نظيره الإسرائيلي غيديون ساعر هاتفياً أن الضربات على إيران جاءت في وقت كانت فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران «تحرز تقدماً ملحوظاً، شمل معالجة مخاوف إسرائيل الأمنية»، وأكدت بكين معارضتها لأي ضربات عسكرية تنفذها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران.

ماذا قالت الهند؟
من بين أعضاء التأسيس، تبدو الهند الدولة الوحيدة التي لم تُدِن بصورة قاطعة الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران. وتحت رئاستها للبريكس، بدا التكتل أكثر صمتاً من المعتاد بشأن الحرب. وبعد ثلاثة أيام من الهجمات الأولى التي استهدفت طهران وأسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين، دعت نيودلهي بحذر إلى «إنهاء مبكر للصراع» في بيان أصدرته وزارة خارجيتها، مؤكدة «التزامها بالحوار والدبلوماسية» و«دعمها لجهود وقف النزاع في أقرب وقت ممكن»، مع التحذير من المخاطر التي تهدّد الاستقرار الإقليمي وسلامة آلاف العمال والوافدين الهنود المقيمين في منطقة الخليج.

وتحدث رئيس الوزراء ناريندرا مودي مع دول الخليج، وانتقد الهجمات الانتقامية على أراضيها من دون أن يذكر إيران بالاسم. وقد واجه مودي انتقادات شديدة من خصومه، لا سيما حزب المؤتمر المعارض، لعدم إصداره إدانة صريحة للهجوم الأميركي – الإسرائيلي ولقتل خامنئي، لا سيما بعد زيارة مودي لإسرائيل التي استغرقته يومي 25 و26 فبراير 2026، وخاطب خلالها الكنيست في القدس قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب. ورأى معارضون أن توقيت الزيارة قد منح مظهراً من «الموافقة الضمنية» للضربات التي استهدفت إيران.

يقرأ  ما أهمية صفقة تجارية بين الولايات المتحدة والصين للاقتصاد العالمي؟أخبار التجارة الدولية

هل تقترب الهند من إسرائيل؟
أجرى مودي زيارة دولة إلى إسرائيل في 25 و26 فبراير 2026، في خطوة اعتبرها الكثيرون تعبيراً عن تعميق العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب، ما يطرح تساؤلات حول مدى تلازم هذه التقارب مع مواقف الهند داخل مسار بريكس وسياساتها تجاه ملفات الأمن الإقليمي. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المصالح الوطنية للهند — الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية — عاملاً حاسماً في رسم موقفها الحالي، وهو ما قد يفسّر الحياد الحذر أو الصمت الجزئي للتكتل تحت رئاسة نيودلهي، مقابل تعبيرات واضحة عن التضامن والادانة صدرت من بعض الأعضاء الآخرين. المتشدده التقى برئيس وزراء إسرائيل بنيتنياهو، المطلوب من محكمة الجنايات الدولية للاشتباه بارتكابه جرائم حرب مرتبطة بهجوم إسرائيل على غزة.

وأمام الكنيست أكّد ناريندر مودي أن «الهند تقف إلى جانب إسرائيل بحزم وبقناعة كاملة في هذه اللحظة وما بعدها»، رغم الانتقادات الدولية لسياسات إسرائيل في غزة والهجمات المميتة التي نفذتها القوات الإسرائيلية وبعض المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

واتفق الجانبان على توقيع عدد من الاتفاقيات التجارية في مجالي الدفاع والذكاء الاصطناعي، وهما مجالان تشتركان فيهما منذ زمن؛ كما تُصدّر إسرائيل نحو 40 في المئة من أسلحتها إلى الهند.

ونشر مودي على منصة X أن البلدين رفعا «شراكتهما المجربة زمنياً إلى شراكة استراتيجية خاصة» خلال الزيارة.

في الوقت نفسه كانت تهديدات بشن هجمات مشتركة إسرائيلية‑أمريكية على إيران تُلوح في الأفق، وذكر دبلوماسي هندي سابق لمجلة متخصّصة في شؤون الهندو‑باسيفيك أن مودي قد يكون على علم بتلك الهجمات. الحكومة الهندية لم ترد على هذا الادعاء. من جهته قال سفير إسرائيل لدى الهند ريفوين أزار لصحيفة The Indian Express إن فرصة شن هجمات مشتركة على إيران توافرت «فقط بعد مغادرة رئيس الوزراء مودي».

هل ضاغت الولايات المتحدة على الهند؟

اتبعت الهند منذ فترة طويلة سياسة الاستقلال الاستراتيجي التي مكنتها من التجارة مع الدول الغربية وفي الوقت نفسه تعميق العلاقات مع دول يُنظر إليها في الغرب على أنها منبوذة، مثل روسيا. هذا أحد أسباب كونها من الأعضاء المؤسسين لمنتدى البريكس.

شهدت العلاقة مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب توتراً كبيراً عندما واصلت نيودلهي شراء نفط روسي خاضع لعقوبات العام الماضي؛ فوَضَع ترامب رسوماً استيرادية واسعة تصل إلى 50 في المئة على الهند في أغسطس 2025، جزئياً كعقاب على ذلك. ووصفت نيودلهي هذه الرسوم الإضافية بأنها «غير عادلة وغير مبرّرة وغير معقولة».

يقرأ  الشرطة البريطانية تعتقل أربعة أشخاص على خلفية دعوات مؤيدة للفلسطينيين لـ«الانتفاضة»تطورات جديدة في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

حذّر مجلس أبحاث هندي بأن الرسوم قد تهدّد استقرار نحو 70 في المئة من صادرات الهند إلى الولايات المتحدة، داعياً إلى إصلاحات تجارية سريعة. وتتركز صادرات الهند إلى أميركا في الإلكترونيات والدواء والمجوهرات.

بحلول فبراير تغيّرت الصورة بعد محادثات أدت إلى إعلان ترامب عن اتفاق مع الهند خفّض الرسوم إلى 18 في المئة، مدعياً أن نيودلهي وافقت على تقليل مشترياتها من النفط الروسي والاعتماد أكثر على النفط والسلع الأمريكية. وكتب مودي على منصة X شاكراً ترامب نيابةً عن 1.4 مليار هندي على «هذا الإعلان الرائع».

هل ستؤثر علاقات الهند مع إسرائيل والولايات المتحدة على تحالف البريكس؟

عند تولي ترامب الرئاسة هدد دول البريكس برسوم إضافية بنسبة 10 في المئة ضمن حربه التجارية، ثم عاد واستهدف المجموعة قبل قمتها السنوية قائلاً إنه ضرب تلك الدول «بشدة» وإن أي تشكّل حقيقي للمجموعة سيُجهض سريعاً.

على الرغم من استمرار الهند في المشاركة في اجتماعات البريكس الروتينية في الأشهر الأخيرة، إلا أنها امتنعَت بوضوح عن الانخراط في القضايا الأمنية. ففي يناير، غابت نيودلهي عن مناورات عسكرية ضمّتها دول البريكس في جنوب إفريقيا رغم أنها كانت تتولّى رئاسة المجموعة آنذاك، ولم تقدّم أسباباً لغيابها. كما امتنعت البرازيل، التي واجهت بدورها مشاكل مع الرسوم الأمريكية، عن المشاركة الفعلية لكنها حضرت كمراقب.

قال هارش بانْت، محلل جيوسياسي في مركز أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي، إن خيار الهند بالامتناع كان «مسألة موازنة للعلاقات مع الولايات المتحدة».

من جانبها واجهت الصين حرباً تجارية مرهقة مع الولايات المتحدة لكنها عبّرت عن دعمها لإيران. وانتقد بعض المراقبين بكين لعدم تدخلها عسكرياً لصالح حليفها، فيما رأى دونغ وانغ، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بكين، أن هذه التوقعات تفهم موقف الصين خطأً: «الصين تدافع عن الوساطة لا التدخّل العسكري».

وبالمقارنة بين ردّي بكين ونيودلهي، وصف الأستاذ خيار الهند بأنه «موقف حذر ومتوازن يؤكّد على خفض التصعيد». وأضاف أن تباين مواقف دول البريكس يعكس حاجة أعضاء المجموعة إلى التوصل إلى اتفاق جماعي رغم علاقاتهم المتباينة وأولوياتهم الاستراتيجية المختلفة.

وأكد أن مثل هذا الإجماع سيكون ضرورياً لاستمرار مجموعة البريكس، وأن بكين تأخذ وحدة المجموعة على محمل الجد، مشدداً على أن «منظور الصين يدعو إلى الحفاظ على هدف البريكس التأسيسي: دعم التعددية، وتسوية السلمية للنزاعات، وصوت الجنوب العالمي المشترك».

أضف تعليق