هَلْ خَسِرَتْ أَمْرِيكَا حَرْبًا أُخْرَى؟ حَرْبُ الوِلايَاتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرَائِيل عَلَى إِيرَانَ

بعد تهديده يوم الثلاثاء بأن «حضارة بأسرها ستموت الليلة»، اضطر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب إلى التراجع والإعلان عن تأجيل دام أسبوعين قبل تنفيذ تهديده. خلال هذا التوقف المؤقت ستسعى واشنطن وطهران، مع إسرائيل كطرفٍ ما زال على الهامش، إلى فتح قنوات تفاوض تؤدي إلى تهدئة أو إلى سلام مؤقت.

وبالرغم من التفوق العسكري الساحق الذي تملكه الولايات المتحدة، فإن إيران تمسُكها ببطاقات استراتيجية حاسمة: السيطرة على مضيق هرمز التي تمنحها نفوذاً مباشراً على أسعار البنزين والديزل وحالة أسواق المال العالمية.

على المسار الحالي، قد تُعيد الحرب مع إيران تكرار إخفاقات أمريكية سابقة في تحقيق نصر حاسم أو نتائج ناجزة في الحروب التي خاضتها واشنطن.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم تُحسم حرب فيتنام على ساحة المعركة التي كانت القوات الأمريكية تفوز فيها غالباً، بل في غرف المعيشة وعلى شاشات التلفزيون الأمريكية، حيث تكشفت سلسلة الأكاذيب بشأن الصراع والآثار النفسية لنبأ 58 ألف كيس جنازة لجنود أمريكيين.

في أفغانستان أيضاً، كان التفوق العسكري الأمريكي موجوداً، لكنه لم يكن كافياً لـ«الانتصار». عقود من محاولات «بناء أمة» فشلت في بناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام إصرار طالبان.

وفي العراق بعد اجتياح 2003 نجحت الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين، لكنها غرقت البلاد في فوضى غذّت حالة من عدم الاستقرار امتدت في المنطقة لعقود، بما أضر بمصالح واشنطن وحلفائها الإقليميين.

من أسباب هذه الإخفاقات تكرار مآخذ في قيادة البيت الأبيض: قادة رئاسيون لم يكونوا مهيئين لمتطلبات الحرب والسلام، افتقار عميق إلى المعرفة بشروط استخدام القوة، عدم تحدّي الفرضيات التي قادت إلى الحرب، الغرور الناجم عن اعتبار التفوق الفكري والعسكري أمريكياً مفروغاً منه، التفكير الجماعي والقصور البيروقراطي في اختبار جميع النتائج المحتملة مهما كانت قدرات الجيش الأمريكي عالية. كل هذا أفضى إلى أحكام استراتيجية معيبة.

يقرأ  امنح نظام إدارة التعلم مظهراً احترافيًا وفعّالًا ٥ نصائح للنجاح

ويبدو أن هذه الإخفاقات السابقة لامست الحرب مع إيران أيضاً. ففي السيناريوهات العسكرية والتمارين التي أجريت في الخليج كان إغلاق مضيق هرمز إحدى نتائج السيناريو المتوقعة. هل لم يخبر أحد ترامب بهذه الاحتمالية أم لم يستمع؟ ولماذا اختار خوض حرب — أو كما وصفها «رحلة» إلى إيران — متكرراً خطأ التقدير الكارثي الذي ارتكبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين توقع سقوط كييف خلال أيام؟

أقنع التفسير الأكثر احتمالاً ما صرَح به ماركو روبيو ثم تراجع، حين قال إن إسرائيل كانت على شفا مهاجمة طهران أولاً، وبالتالي لم يبقَ أمام الولايات المتحدة خيارٌ سوى الانضمام إلى الضربة. الهرسلة المسبقة كسبب للعمليات الاستباقية تظل مبرراً هزيلاً؛ كان بإمكان واشنطن أن تُبلغ إسرائيل بالمضي قدماً أو التوقف.

الغرور وقلة الفهم بدت جليّة حتى قبل أن يضغط الإسرائيليون على ترامب لاتخاذ قرار سريع. مفاوضوه الرئيسيون، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، افتقروا إلى المعرفة التقنية بالجوانب النووية، فكانوا أقل فاعلية في أي تواصل مع الإيرانيين. البيت الأبيض بالغ في تقدير الوقت اللازم لطهران لتطوير سلاح نووي وصواريخ استراتيجية بعيدة المدى.

نجاح العملية الفنزويلية وتضخيم انتظار القدرات العسكرية الأمريكية زوغا رؤوس ترامب، فآمن بسهولة بسردية إسرائيل القائلة إن نظام طهران على شفير الانهيار.

الواقع ألقى بثقله الآن: الفوز بكل معركة لا يعني الفوز بالحرب. كما حصل مع الفيتناميين الشماليين ومع طالبان، اعتمدت إيران استراتيجية «النصر بعدم الخسارة». إغلاق مضيق هرمز كان السلاح الأكثر فتكاً في ترسانة الإيرانيين. مع مرور نحو عشرين في المئة من الطاقة العالمية عبر الخليج، ومع احتواء أجزاء كبيرة من خامات الفوسفات للأسمدة والهيليوم اللازم لصناعة الرقائق، كانت نتيجة صراع مطوّل كارثة اقتصادية واضحة — والحربب الطويل ستترك أثرها البليغ.

يقرأ  «هل يستطيع السد الكبير الجديد أن يفي بالغرض؟»

مقياس نجاح الإيرانيين لم يكن عدد الطائرات الأمريكية المُسقطة أو القواعد التي استهدفت، بل كان مستوى سعر البنزين في اميركا وحالة أسواق الأسهم المتدهورة.

حتى في بداياتها، كانت الحرب غير شعبية بشدّة داخل الولايات المتحدة، حيث عارضها ما يقارب ثلثي الأمريكيين. أسعار الوقود المرتفعة وخطر تسارع التضخم أشعروا بزيادة الاستياء الاجتماعي قبيل انتخابات نصف الولاية الحاسمة.

الآن يواجه ترامب خيارين سيئيين: كما فعل الرئيس ليندون جونسون في فيتنام، إما أن يقبل بشروط إيران لإنهاء الاقتتال أو يواصل التصعيد ويغرق في نزاع استنزافي — حرب «أبدية».

في المرحلة الراهنة اختار الرئيس التمسك بمقولة وينستون تشرشل أن «الكلام أفضل من الحرب». أيّاً كان مسار ترامب القادم، وبما أنه قد وضع نفسه في مأزق بلا خيارات جيدة، فسوف تُثبت حرب إيران أنها أخطر قرار اتخذه خلال فترة رئاسته.

وجهات النظر الواردة هنا تعبر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف التحرير في قناة الجزيرة.

أضف تعليق