يصر رئيس الولايات المتحده دونالد ترامب على أن «مفاوضات بناءة» جرت مع إيران لإنهاء الحرب التي افتعلها مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قبل نحو شهر، لكن المشكلة الجوهرية في هذا السرد أنه قوبل بنفي متكرر من قبل كبار المسؤولين الإيرانيين.
في ظل ضباب الحرب والدعاية المتبادلة من كل طرف، يصعب الوقوف على حقيقة ما يحدث. لذا فإن فحص ما قد تكسبه كلّ من الأطراف من أي مفاوضات محتملة — ومن إنهاء الصراع — قد يساعد في توضيح الصورة.
من يُفيد من إظهار أن المفاوضات جارية؟
تزامن تصريح ترامب عن «نقاط اتفاق كبرى» بعد «محادثات جيدة جداً» مع قيادي إيراني لم يُسمَّ علنًا، مع افتتاح الأسواق الأميركية لبداية أسبوع التداول، كما أن المهلة التي منحها لرد إيراني إيجابي تتقاطع مع نهاية أسبوع التداول التجاري. لقد لاحظ كثيرون هذه التوقيتية بنبرة سخريّة، خصوصًا بعد تقلبات أسعار النفط خلال الأسبوعين الماضيين التي دفعت السعر إلى نحو 120 دولارًا للبرميل في ذروته.
الترويج لوجود محادثات قد يخدم مصلحة واشنطن في تهدئة الأسواق وخفض ضغوط أسعار الطاقة قبل انتخابات الكونغرس، كما يتيح مساحة زمنية لإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة إذا قررت إدارة ترامب توسيع العمليات العسكرية أو تنفيذ غزو بري محدود. من جهة أخرى، إن إنكار طهران لأي مفاوضات يخدمها أيضاً: إذ يسعى النظام إلى استغلال أثر الحرب على الاقتصاد الأميركي والدولي كوسيلة ردع لإثبات تكلفة أي هجوم مستقبلي على ايران.
التوقيتُ السياسي والاقتصادي هنا واضح: كل طرف يراهن على روايته لتغذية حساباته الداخلية والخارجية.
ما الذي يريده ترامب؟
من الواضح أن ترامب قلل من تبعات الصراع الذي أطلقه مع نتنياهو في 28 فبراير، والتقدير بأنه لم يتصور امتداد العمليات إلى دول أخرى بالمنطقة. الواقع أجبره على إعادة حساباته، لا سيما بعدما بدا أن الخبراء – بمن فيهم مسؤولو مخابرات أميركيون – قد حذروا من هذا المسار مسبقًا.
على المستوى الداخلي، الحرب غير شعبية وهي تؤثر على أسعار الوقود والمعيشة قبيل انتخابات تشريعية قد تضر بحزب الجمهوريين. لذلك أمام ترامب خياران متعارضان: إطالة أمد الحرب وتحمل كُلفة اقتصادية وسياسية عالية، أو السعي لاحتواءها وإنهائها مع مواجهة اتهامات بعدم إتمام ما وصفه بـ«مغامرة قصيرة الأجل».
إدارياً، أعفى البيت الأبيض مؤقتًا بعض العقوبات على نفط إيران في محاولة لخفض الأسعار—خطوة لم تحدث منذ 2019—وقد جاءت هذه التنازلات بعد توسيع طهران نطاق العمليات إلى الخليج ومضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يعبره خام وغاز عالمي كبيران.
المنظور الإيراني
لكن قرار إنهاء الحرب ليس قرارًا أميركيًا بحتًا. إيران، التي تعرّضت لهجوم للمرة الثانية خلال أقل من عام، لا تبدو اليوم معنية بوقف التصعيد ما لم يصاحب وقف النار ضمان رادع فعّال يمنع تكرار الاعتداءات لاحقًا. لقد تغيرت تكتيكات طهران منذ بداية النزاع؛ فقد تخلت عن تسلسل التصعيد المرحلي وبدت أقل ميلًا للترقب والضبط.
من زاوية صانعي القرار في طهران، قد يكون من المنطق الاستراتيجي إطالة الصراع لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالخصم الإقليمي والدولي، لا سيما إذا اعتقدوا أن مخزون اعتراضات الصواريخ لدى إسرائيل بدأ ينفد، ما يمنح إيران فرصًا لضرب أهداف بفعالية أكبر. هذا التوجُّه يتعزز لدى التيارات المتشددة التي تبدو اليوم في موقع قوة داخل النظام.
ومع ذلك، فإن إيران تكبدت ثمنًا باهظًا: آلاف الضحايا وفقًا للحكومة، أضرار واسعة بالبنية التحتية، وشبكة كهربائية مهددة، وعلاقات متردية مع جيران الخليج التي قد يصعب استعادتها بعد سيل الهجمات. الأصوات المعتدلة داخل إيران تنظر إلى هذه الخسائر وتعدّها سببًا كافيًا لفتح قنوات تفاوضية طالما أن المحادثات تؤمن مكاسب ملموسة—مثل ضمانات بعدم تكرار الهجمات أو الحصول على مزيد من النفوذ الأمني والبحري في مضيق هرمز.
خلاصة موازنة المصالح
باختصار، كل طرف يحمل دوافع متعارضة لتركيب رواية المفاوضات: واشنطن ترى في تسويق الحوار وسيلة لامتصاص صدمات الأسواق ودرء كلفة سياسية داخلية، وطهران ترى في إبقاء الشارع مضطربًا وسيلة لبناء رادع وللحصول على مكاسب تكتيكية واستراتيجية. في نهاية المطاف، سيحسم ميزان القوى الميداني والسياسي — إضافة إلى قدرة المعتدلين من كلا الجانبين على فرض رؤى التهدئة—ما إذا كانت المفاوضات الجارية ستؤدي إلى تسوية دائمة أم إلى تمديد نزاع يفاقم خسائر الجميع.