وفاة وليد خالدية عن مئة عام
توفي المؤرخ الفلسطيني المرموق وليد خالدية، الذي ساهمت أبحاثه في توثيق النكبة وتشكيل أجيال من الدراسة الأكاديمية حول فلسطين، عن عمر يناهز مئة سنة في ولاية ماساتشوستس بالولايات المتحدة، بحسب بيان نشره معهد دراسات فلسطين الذي شارك في تأسيسه عام 1963.
سيرة ومناصب
ولد خالدية في القدس عام 1925 في أسرة مثقفة بارزة، وتلقّى تعليمه الأولي في راماللة قبل أن يلتحق بمدرسة سانت جورج في القدس. ثم تخرج من جامعة أكسفورد عام 1951، وخاض مسيرة أكاديمية لامعة شملت تدريس العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت حتى عام 1982، قبل أن يصبح باحثًا زائرًا في مركز العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، كما ألقى محاضرات في مؤسسات أكاديمية مرموقة منها جامعة برينستون، وانتخِب زميلًا في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم.
توثيق النكبة وإسهامات علمية
عرف خالدية بدقته في توثيق تدمير القرى الفلسطينية أثناء النكبة، إذ جاء كتابه المرجعي “كل ما تبقى” (1992) محاولة موسوعية لحصر أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية تعرضت للتدمير أو التفريغ السكاني خلال الحرب العربية ــ الإسرائيلية الأولى، جامعًا بين البحث التاريخي والخرائط وشهادات الشهود لإعادة بناء سيرة مجتمعات اختفت من المشهد المادي.
وصف المعهد خالدية بأنه رائد في الكشف عن معالم كانت طيّ الكتمان تشرح كيف نجح المشروع الصهيوني في احتلال فلسطين عام 1948، مشيرًا إلى أنه كان من أوائل من أظهروا مخططًا ممنهجًا للسيطرة والتهجير المعروف بـ«خطة دالت». ومن أعماله الأخرى البارزة كتاب يوثّق الحياة الفلسطينية قبل 1948 بصور أرشيفية نادرة حمل عنوان “قبل شتاتهم”، الذي قدّم سجلاً بصريًا للمدن والقرى والحياة اليومية قبل التغيّر الكبير.
دور أكاديمي ودبلوماسي
امتد تأثير خالدية إلى الميدان الدبلوماسي. بعد حرب 1967، تحوّل عمله جزئيًا نحو السياسة، فقدم المشورة لوفد العراق في الأمم المتحدة، وانضم إلى وفود قمة عربية تواصلت مع الحكومة البريطانية في ثمانينات القرن العشرين، وعمل مستشارًا خاصًا لأمين عام الجامعة العربية في منتصف الثمانينات، كما كان جزءًا من الوفد الأردني ــ الفلسطيني المشترك في مؤتمر مدريد عام 1991.
مواقف وحضور فكري
كان خالدية مؤيدًا لحل الدولتين؛ ففي مقالة له ضمن Foreign Affairs عام 1988 كتب أن إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 “تعايشًا سلميًا جنبًا إلى جنب مع إسرائيل” تمثل الخيار المفاهيمي الوحيد لتسوية تاريخية لهذا الصراع العتيق. وبعد إعلان وفاته انهالت التعازي والتمنيات من علماء ودبلوماسيين ومسؤولين فلسطينيين، فقد وصفه السفير حُسام زملوط بأنه “كنز وطني وحارس للذاكرة وملهِم لأجيال”، ووصفه آخرون بأنه اسم مرادف لوطنه الحبيب.
إرث مستمر
يبقى إرث خالدية لا يقتصر على نتاجه الكتابي فحسب، بل على المؤسسات التي ساهم في بنائها وطلاب البحث الذين احتضنهم وحَفِظوا ذاكرة مجتمع كان معرضًا للتفتت. في زمن كادت فيه سجلات التاريخ الفلسطيني أن تتبدد أو تُشرَدّ، كرّس حياته لجمعها وحفظها، فضمن أن تبقى صورة المجتمع الفلسطيني قبل وبعد 1948 جزءًا من السجل التاريخي العالمي.