في أكتوبر 2022 اجتمعت وفود التفاوض عن الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي في بريتوريا، جنوب أفريقيا، سعياً لتحقيق السلام.
جرت محادثاتنا في ظل حرب ضارية كانت تدمر وطننا. لذلك كان من الطبيعي أن يتخذ مضيفونا الجنوب إفريقيون احتياطات لفصل وفديّ التفاوض وإبقائهما على مسافة عن بعضهما. بدا أن ضباط البروتوكول والأمن يخشون لُحظة احتكاك قد تتحول إلى شجار وسط قاعة المؤتمر لو لم تُقَدمهم التوجيهات. لكن سرعان ما تفاجأ المضيفون بأن العمل بأدب واحترام متبادل لم يكن أمراً صعباً على أحد في الغرفة.
ومع استرخاء الأجواء بفضل النبرة الودية التي رسخها رؤساء الوفود، سمح الوسطاء بفتح نقاشات مباشرة بين المفاوضين في غرفة أصغر وإطار أقل رسمية، مع التخلّي عن الاقتصار على اللغة الإنجليزية كوسيلة للتواصل. وقد ظل الوسطاء يواكبون تقدمنا ويتدخلون لحل المآزق، وأجرينا المحادثات لأيام متواصلة، وفي أحيان كثيرة امتدت الجلسات حتى ما بعد منتصف الليل. دار جدل محتدم ونقاشات عسيرة، وكاد النقاش ينهار مرات عدة، لكننا أصررنا، وبمساندة رجالات ونساء الدولة الأفريقية المخضرمين الذين سهّلوا الحوار، حققنا اختراقات أكثر من الانهيارات.
رغم انقسامنا لجهة القتال الداخلي، وحدتنا إرادتنا على إحلال السلام. كنا نصبو إلى إنهاء الأعمال القتالية ووقف حمام الدم. أصابنا الرعب من رؤية جيلٍ كامل يُهدر على ساحات المعارك في شمال إثيوبيا. واتفقنا أيضاً على مبادئ أساسية يجب أن تشكل إطار أي اتفاقية نبرمها. منذ البداية ركّز نقاشنا على المبادئ الجوهرية التي ينبغي أن توجّه التفاوض ونتائجه. وبعد التوافق على مجموعة من المبادئ كمعايير أساسية، تبقى العمل على تفصيلها وترجمتها إلى إجراءات عملية، وهو أمر لم يكن يسيراً أو مباشراً، خصوصاً وأن الحرب كانت مشتعلة أثناء التفاوض. وغالباً ما علت المشاعر واتسمت الضغوط بقساوة على الجميع، لكن عزيمتنا كانت على إيجاد أرضية مشتركة وصنع السلام.
وبالرغم من الصعاب، وخاصة في ضوء التاريخ الحديث لإثيوبيا الذي نادراً ما شهد تسويات تفاوضية، نجحنا. فقد وُقّع في الثالث من نوفمبر 2022 اتفاق دائم لوقف الأعمال القتالية بين حكومة جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الفدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
احتفى المواطنون بهذا الاتفاق في الداخل وشعر كثيرون بالارتياح لأن الحرب آخذة في الانتهاء. لكن لم يشارك الجميع هذا الفرح؛ فقد استاءت عناصر متطرفة داخل الجبهة نفسها وكذلك داخل ميليشيا أمهرة فانو من الاتفاق.
أصرّ متشدّدو الجبهة على هدنة مؤقتة تسمح لهم بإعادة التجمع لمواصلة الحرب؛ لم يكونوا يريدون وقفاً دائماً للأعمال العدائية. بغضّ النظر عن التكاليف، وخصوصاً حياة الشبان والشابات الذين كانوا يستخدمونهم كوقود للقتال، كانوا ينوون الاستمرار في القتال على أمل إعادة التسلح واستعادة المبادرة.
العناصر المتطرفة داخل الفانو كذلك كانت ترغب باستمرار القتال. علناً كانت تشتكي من تساهل الحكومة الفيدرالية، لكن ما تبين لاحقاً أن على رأس دوافعهم دوافع أخرى. وأكثر الجهات معارضة لاتفاق بريتوريا تأثيراً كانت حكومة إريتريا نفسها. الرئيس الإريتري إسياس أفورقي ذهب إلى حد اتهام الاتفاق بأنه مؤامرة من وكالة الاستخبارات الأميركية ضد مصالح المنطقة.
بالنسبة لإسياس، كان الصراع الداخلي في إثيوبيا بمثابة حلم يتحقق؛ أراد أن تستمر المعارك وأن ينهك بلدنا. رأى المصالحة والسلام تهديداً لمخططاته؛ لذلك لطالما دعم حركات مسلّحة ومتمرّدة ضد الدولة الإثيوبية. لم يرغب في أن يُنهِي اتفاق بريتوريا الأزمة والمعاناة التي كانت تمنحه متعة ونفعاً سياسياً، فمدّ يده إلى العناصر المتطرفة داخل الجبهة واستمر في تنمية قوى مماثلة داخل الفانو. عملت أجهزة إريترية على نسج تحالف بين المؤمنين بخلاف الاتفاق، وتجمّعت قوى السعي لإدامة العداء تحت وصاية إريترية في كيان سمّوه “تسمدو”.
واليوم، هذا التحالف، الذي بُني عبر لقاءات سرية وأخرى علنية في أسمرا وميكلي والسودان، يتهيأ لإشعال جولة جديدة من النزاع. وبمساعدة مباشرة من أسمرا، قرّر جناح الجبهة المتشدد شن هجوم على الحكومة الفيدرالية في الأيام المقبلة. وفي خرق واضح لاتفاق بريتوريا، شرع هذا الجناح في تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وتأسيس إدارة غير قانونية خاصة به، واستمر في تجنيد وتدريب وتسليح قوة قتالية كبيرة بدعم إريتري مباشر. كما طهّر صفوفه من كل من دعا للسلام والتمسّك بالاتفاق.
أبَى أبناء إقليم تيغراي أن يلتزموا بأجندة الحرب ولا بسلوك الجناح المتشدد المتهور. لكن، باتباع أساليب أُخذت من دفتر سياسات العاصمة الإريترية، شرع الجناح المتشدد في التجنيد القسري محاولةً لتحويل تيغراي إلى ما يشبه “يوتوبيا محررة مشوّهة”. لقد أعلن هذا الكيان مفارقة لاتفاق بريتوريا واستعد للعدائية المفتوحة مع الحكومة الفيدرالية.
من الضروري أن يضغط كل من يمتلك تأثيراً على الجبهة وراعيتها في أسمرا بأقصى ما يمكن لمنع العودة إلى الاقتتال. فإن استئناف الأعمال العدائية سيكون خطراً ويحمل عواقب إقليمية جسيمة. لا يجب السماح للجبهة بأن تلجأ مجدداً إلى العنف وتراهن على أرواح آلاف الشبان والشابات. على المجتمع الدولي أن يوجّه رسالة واضحة، قاطعة، وغير قابلة للتفاوض، مفادها أن الخطوات التي يتخذها الجناح المتشدّد وداعموه في أسمرا لتمزيق اتفاق بريتوريا بعنف وبطرق قد تكون لا رجعة فيها هي أمر مرفوض تماماً.
اتفاق بريتوريا لم يكن مثالياً، وتنفيذ بنوده لم يخلُ من نقائص وكان عملاً جارياً يحتاج مزيداً من الجهد. لكنه أطفأ المدافع وأعاد قدراً من الحياة الطبيعية إلى منطقة مزقتها الحرب. ولا ينبغي أن تسمح الحماقات الاستراتيجية لأولئك الذين غدا قساة القلوب تجاه موت وجراح جيل بكامله بأن تعيدنا إلى كابوس الحرب.
الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة موقف شبكة الجزيرة التحريري.