بيروت، لبنان — مساء الأحد، كان جورج، البالغ من العمر 44 عاماً، جالساً على شرفته في منطقة عين سعادة، وهي منطقة ذات أغلبية مسيحية شرقي بيروت، حين رن هاتفه في المطبخ. توجه إلى هناك ليردّ عليه، وبمجرّد أن رفع السماعة هزّت انفجار عالٍ المبنى المقابل خلفه.
اختَرَقَ قنبلتا GBU-39 أمريكيتا الصنع سقفَ المبنى المواجه لشرفته، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. الضحايا هم بيار معوض، عضو في حزب القوات اللبنانية المناهض لحزب الله، وزوجته فلافيا، وصديقتهم الزائرة رولا مطر.
قصص موصى بها
غالبية ضحايا القصف والغزو الإسرائيليين في لبنان كانوا من الطائفة الشيع، بمن فيهم كثيرون لا علاقة لهم بالمقاتلين التابعين لحزب الله المدعوم من إيران. لكن يوم الأحد شمل الضحايا أيضاً مسيحيين، وإثر هجوم منفصل سودانيين، حيث شهد لبنان أحد أكثر أيامه دموية منذ بدء الهجمات الإسرائيلية الواسعة في أوائل مارس في إطار الحرب الأميركية ــــ الإسرائيلية على إيران.
بشكل عام، أدت الهجمات الإسرائيلية إلى مقتل نحو 1500 شخص في لبنان، منهم 130 طفلاً، بينما اضطر أكثر من 1.2 مليون شخص لمغادرة منازلهم.
ومع اتساع نطاق الهجمات تتسع أيضاً الشقوق في النسيج اللبناني. صارت البلاد منقسمة بشكل أوضح بين من يحمّل إسرائيل مسؤولية الهجوم المستمر على لبنان منذ أكتوبر 2023، ومن يحمّل حزب الله مسؤول رسم الغضب الإسرائيلي.
والجمهور الثاني غالباً ما ينفِّذ غضبه على النازحين داخلياً. وقد أبلغ كثيرون من المشردين بأنهم يتعرّضون للتمييز، بغضّ النظر عن موقفهم من حزب الله.
«حتى لو كان ما حدث في عين سعادة خطأً، فليس من المرجّح أن يُوضح الإسرائيليون سبب استهدافهم لذلك المكان»، قال مايكل يونغ، خبير شؤون لبنان في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، لـ«الجزيرة».
«الإسرائيليون يريدون خلق شقّ بين المكونات اللبنانية وعزل المجتمع الشيعي، وما حدث أمس سيعزّز ذلك فقط.»
«ليس دقيقاً… إطلاقاً»
في الثاني من مارس كثّفت إسرائيل حربها على لبنان مجدداً بعد أن ردّ حزب الله على هجمات إسرائيلية للمرة الأولى منذ أكثر من عام.
وادّعى حزب الله أن هجومه جاء انتقاماً لاغتيال الزعماء الإيرانيين، في إطار ما وصفته طهران باغتيال القائد الأعلى آية الله علي خامنئي قبل يومين. كان وقف إطلاق النار ظاهرياً سارياً بين إسرائيل وحزب الله منذ 27 نوفمبر 2024، على الرغم من تسجيل الأمم المتحدة أكثر من عشرة آلاف خرق إسرائيلي للهدنة ومقتل المئات من اللبنانيين.
ومع ذلك استغلت إسرائيل هجوم حزب الله ذريعة لتوسيع ضرباتها في أرجاء لبنان وإصدار تهديدات بعمليات إجلاء قسرية واسعة للجنوب وضواحي بيروت الجنوبية، وهي مناطق تقليدياً تحظى بدعم كبير لحزب الله. ومع تزايد النزوح، تواصل القوات الإسرائيلية القتال ضد حزب الله في قرى الجنوب، وأعلن مسؤولوها نواياهم توسيع المنطقة العازلة واحتلال جنوب لبنان.
يوم الأحد نشرت الجيش الإسرائيلي مقاطع تظهر هدم منظم في قريتي نقورا وتيبه الجنوبيتين. كما شنّ هجمات في أنحاء البلاد، مُدمّراً مساحات واسعة من الجنوب ومهاجماً الضواحي الجنوبية لبيروت ثماني مرات على الأقل.
وقعت إحدى هذه الغارات قرب أكبر مرفق صحي في لبنان، مستشفى رفيق الحريري الجامعي في حي الجناح، على بعد أمتار من موقع غارة أخرى في 2024. أودت بحياة أربعة أشخاص، بينهم مواطنان سودانيان، وأصابت 39 آخرين.
خارج المستشفى وقف مجموعة من السودانيين ينتظرون تسلّم جثامين رفاقهم المرحّلين لدفنهم. قال سعيد، صديق أحد القتلى ويبلغ من العمر 40 عاماً ويقطن في الجوار: «الضربات ليست دقيقة. إطلاقاً.»
الذعر «جزء من خطتهم»
عندما وقع الهجوم في عين سعادة، قال جورج إنه سمع انفجاراً واحداً فقط، على الرغم من وجود ثقبين واضحين في سقف المبنى المقابل لشرفته. أدّت قوة الانفجار إلى انحناء إطار الألمنيوم لبوابة الشرفة المنزلقة وتحطيم زجاج نافذة المطبخ. ولحسن الحظ، لم يصب أحد من أفراد عائلته بجروح بالغة، كما قال.
لا تزال الروايات متداولة حول من كان الهدف من الهجوم، فيما نفت إسرائيل أن تكون قد استهدفت عمدًا معوّض، عضو القوات اللبنانية.
إلا أن للهجوم أثرًا مدمرًا على المجتمع المحلي. قال جار للضحايا، رفض ذكر اسمه وذكر أنه يعمل حارسًا في بلدية مجاورة، إن السكان طردوا عائلتين نازحتين كانتا لائحتين في المنطقة.
وأضاف الرجل في العشرينات من عمره: «يقولون إنهم لا يضربون المسيحيين، لكن انظروا. هذه النتيجة.»
«نحن خائفون»، قال رجل آخر في الأربعينات، طلب حجب اسمه.
ودعا إلياس حبّكش، نائب من حزب الكتائب، وهو حزب مسيحي بالأساس، الأجهزة الأمنية إلى إقامة نقاط تفتيش. وأخبر السكان «الجزيرة» أنهم يريدون وجود حراس ليلاً لمراقبة الداخلين والخارجين.
«هناك بُعد نفسي كبير في الحرب على لبنان لخلق حالة من عدم اليقين والذعر والخوف الشامل»، قال يونغ. «هذا جزء من خطة لعبهم.»
«نموت رويداً رويداً»
مرّر جورج إصبعه على رف الشرفة المغطى بالسواد والدخان. «انظر إلى الغبار الناتج عن الانفجار»، قال وهو يرفع إصبعه الملطخ برماد رمادي.
«لن يضربوا لو لم يكن هناك شخص موجود»، قال جورج عن الضربة الإسرائيلية. ومع ذلك أضاف: «لا نستطيع أن نمنع الناس من الطائفة الشيعية من القدوم والذهاب».
يعتقد بعض اللبنانيين أن إسرائيل تستهدف عادةً حزب الله فقط. وقد اتهمت هيومن رايتس ووتش إسرائيل بـ«شن هجمات متعمدة أو عشوائية على ما يبدو» ضد مدنيين في لبنان.
تقول إسرائيل إن ضرباتها تستهدف عناصر بنية حزب الله التحتية، وأنها «تفعل كل ما في وسعها لتقليل الخسائر المدنية».
كريس، الذي يعمل في مجال التمويل ويقطن في المبنى المجاور للمبنى المستهدف، قال: «الناس عمومًا، وأنا شخصياً، ينادون لمساعدة الآخرين، لكن ليس على حساب أنفسنا. لكل إنسان الحق في المسكن، ونحن شعب واحد ودولة واحدة، لكن هذه الحرب ليست حربنا.»
قريبةً هناك، بدت سيدة مسنة تُدعى هدى مرتجفة وبادية عليها الصدمة. واقفة بجانب زوجها قالت إنها كانت في إحدى القرى بأقصى الشمال حين وقع الهجوم. هي الان في منزلها فقط لتلتقط بعض الأمتعة ثم ستتجه مجدداً شمالاً نحو منطقة تأمل أن تكون أكثر امنًا.
ودّعت الحاضرين، لكن قبل رحيلها التفتت هدى وقالت بصوت خافت: «نحن نموت شيئاً فشيئاً».