يظل إدماج الفصائل المسلحة أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا — سياسة

عند انتهاء الصراع الداخلي في سوريا في ديسمبر 2024 بسقوط نظام بشار الأسد، ظل مئاتِ الآلافا من المواطنين مسلّحين. على مدى ما يقرب من أربعة عشر عاماً من الحرب، تكاثرت الفصائل المسلحة: من طيف واسع من فصائل المعارضة المسلحة في الشمال الغربي وقوات النظام وما يلحق بها من تشكيلات عسكرية وميليشيات في الوسط والغرب، إلى قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي وشبكة معقدة من الميليشيات في الجنوب، فضلاً عن وجود تنظيمات متطرفة مثل داعش والقاعدة.

في هذا السياق، مثلت مهمة نزع السلاح وإعادة توحيد المجتمع والوطن تحدياً هائلاً للسلطة الانتقالية السورية. فمسار نزع السلاح وتجريد المقاتلين من السلاح وإعادة إدماجهم، بالتوازي مع تأسيس قوات مسلحة جديدة وإصلاح قطاع الأمن، يحتلّ صلب مشروع بناء الدولة الانتقالية. والأيام الأخيرة من القتال العنيف بين قوات الحكومة وقوات قسد في حلب أظهرت بوضوح انعكاسات الفشل في حلّ مسألة الدمج.

كخطوة أولى في ديسمبر 2024، تم بسرعة حل قوات النظام المسلحة وفتح مسار لتسوية الوضع الوظيفي، حيث أتيح لجميع الجنود السابقين—ضباطاً ومجندين—التسجيل بهوياتهم الوطنية والتقدم بطلبات للخروج إلى الحياة المدنية أو لإعادة الالتحاق بالجيش الجديد.

اختار آلاف الرجال عبر البلاد الخضوع لهذه التسوية لتصحيح أوضاعهم وبدء حياة جديدة. لكن آلافاً آخرين امتنعوا، خصوصاً في المنطقة الساحلية ذات الغلبة العلوية، فاندثر بعضهم في المجتمعات الريفية بينما شكّل مئات منهم فصائل معادية للحكومة نفّذت هجمات منخفضة الكثافة، تصاعدت إلى حملة منسقة كبرى في 6 مارس أودت بحياة أكثر من مئة عنصر من قوات الحكومة—مما أدى إلى أسبوع من العنف العشوائي والوحشي راح ضحيته أكثر من ألف شخص.

في الأشهر التالية، خضع آلاف عناصر النظام السابق لتدريبات وانضموا إلى الأجهزة الأمنية الجديدة في مناطق متعددة. ومع ذلك، استمر العنف، جزئياً بسبب الدعم المالي الذي حصل عليه عناصر بارزون من النظام المنفيين في لبنان وروسيا، وهو ما يضعف قدرة سوريا على ترميم علاقاتها مع هذين البلدين ويعقّد الموقف الجيوسياسي لدول المنطقة التي دعمت الحكومة الجديدة في دمشق على أمل تحويل سوريا إلى قاعدة للاستقرار والازدهار.

يقرأ  الولايات المتحدة تشن هجمات واسعة النطاق ضد تنظيم داعش في سوريا بعد كمين قاتل

في الوقت نفسه، تحاول الحكومة الانتقالية إعادة بناء وزارة الدفاع لتضمّ جيشاً وبحراً وسلاح جو، وإعادة تأسيس وزارة الداخلية مع مديريات أمنية إقليمية وقوى متخصّصة لمكافحة الإرهاب، ومكافحة المخدرات، والأمن السيبراني.

في هذه المرحلة الانتقالية برزت وزارة الدفاع كالإطار الذي ضمَّ طيف المعارضة المسلحة بأجمعه. وعلى الرغم من أن جميع الفصائل المعارضة حُلّت تقنياً، إلا أن بعضاً منها بقي شكلاً فعالاً داخل ما يقرب من عشرين فرقة تشكّل الجيش. الفصائل ذات العلاقات الطويلة مع تركيا—وخاصة من الجيش الوطني السوري المتمركز في ريف حلب الشمالي—بدت المستفيد الأكبر من الدعم العسكري والإمدادات مقارنة بفصائل كانت تقاتل من إدلب. بعض قادتها لهم ماضٍ مثير للجدل ومتّهمون بجرائم عنف وفساد، ومنهم من عليه عقوبات دولية معلقة.

في المراحل الأولى من الانتقال، كانت وزارة الدفاع هي الجهة المسؤولة عن الرد على التحديات الأمنية وتأمين الأراضي عبر نقاط التفتيش والانتشارات المحلية. ولم يكن هذا نهجاً ناجعاً للأمن ما بعد الحرب، إذ كشفت شُحّ الانضباط والتماسك وسلطة القيادة والسيطرة في الوزارة عن أخطاء جسيمة في التقدير والتعامل—لا سيما على الساحل في مارس 2025، وكذلك في السويـداء عندما تدخلت قوات وزارة الدفاع في اشتباكات دموية بين أبناء المجتمعات الدرزية والبدو في يوليو.

خلال النصف الثاني من 2025، تراجع دور وزارة الدفاع في الأمن الداخلي وحلّت مكانها وزارة الداخلية، التي تولّت وحداتها الأمنية مسؤولية الأمن المحلي على مستوى البلاد.

على عكس فرق وزارة الدفاع، يهيمن على قوى وزارة الداخلية عناصر مجنّدون حديثاً من مختلف المحافظات. وبينما تبقى وحداتها المتخصّصة متأثرة بعناصر من الهيئة الإسلامية المسلحة سابقاً، فإن غياب الانتماءات الفصيلية السابقة إلى حدّ كبير في صفوف قوات الأمن العام أدى إلى تحسّن ملحوظ في بعض البيئات الأكثر تعقيداً.

يقرأ  أحد المشاركين في القافلة البحرية المحتجَزة متهم بأنه عضّ طاقماً طبياً داخل السجن أثناء خضوعه للفحص

في الواقع، تحوّل الساحل السوري من أخطر وأعنف منطقة في النصف الأول من 2025 إلى الأكثر استقراراً وأقل عنفاً بنهاية العام—رغم استمرار تمرد محدود—وذلك إلى حد كبير بفضل تولي وزارة الداخلية مسؤولية الأمن وجهود أشهُر لبناء الثقة مع المجتمعات المحلية.

التحدي الاستراتيجي الأبرز الذي يواجه الانتقال السوري اليوم ينبع من قضايا إقليمية لم تُحل: في الشمال الشرقي مع قوات قسد ذات الغاية الكردية، وفي محافظة السويداء الجنوبية ذات الغالبية الدرزية. في كلا المنطقتين تقدم مجموعات مسلحة نفسها بديلاً لسيطرة دمشق، ما يولّد توترات وصراعات مستمرة.

حاولت الولايات المتحدة بجهد تسهيل وساطات لدمج قسد في منظومة الدولة السورية، لكن المفاوضات لم تُفضِ بعد إلى نتيجة. وبعد تجاوز مواعيد نهائية عدة، بلغت التوترات مستويات عالية لأسابيع.

هجوم بطائرة مسيّرة على نقطة تفتيش ليل 5 يناير في ريف حلب الشرقي استهدف قوات حكومية وأطلق دوامة من الأعمال العدائية انتهت بطرد ميلشيات مرتبطة بقسد من أحياء شمال غربي مدينة حلب بحلول 10 يناير. هذه الجولة الأخيرة ألقت بظلّها على مفاوضات التكامل وأظهرت عواقب إخفاقها؛ فاحتمال امتداد القتال إلى خطوط المواجهة في حلب الشرقية يهدد بإنهاء المسار التفاوضي نهائياً.

في السويداء، ما يزال التوتر حاضراً بعد العنف الدموي في يوليو الذي أودى بحياة أكثر من 1,400 شخص. توحّدت ميليشيات درزية تحت إطار “الحرس الوطني” الذي يتلقّى دعماً إسرائيلياً. الدور المهيمن لضباط سابقين من نظام الأسد في قيادة هذه التشكيلة صاحبه ارتفاع كبير في تهريب المخدرات باتجاه الأردن—بمعدل زيادة يقدّر بأكثر من 400 في المئة وفق بيانات جمعتها وسائل محلية—مما دفع الأردن إلى تنفيذ ضربات جوية في أواخر ديسمبر.

وتشير تقارير متزايدة عن عنف داخلي بين أجنحة الحرس الوطني وتزايد الهجمات خارج إطار القانون ضدّ شخصيات درزية تنتقد السلطات الجديدة إلى أن الواقع القائم لا يقدّم استقراراً حقيقياً.

يقرأ  ٣٧نشاطًا هادفًا حول مارتن لوثر كينغ الابنلجميع الأعمار

في السويداء تجلّت حِدة الأبعاد الجيوسياسية: دعم إسرائيل للسلطات الدرزية لا يشكّل تحدياً لعملية الانتقال فحسب، بل يمسّ أيضاً الأمن الأردني، ويفكك الدعم الإقليمي لدمشق، ويصطدم برغبة إدارة الرئيس الأمريكي في أن تستعيد الحكومة السورية الجديدة السيطرة الوطنية الشاملة.

القائد الدرزي الفعلي في السويداء، حكمت الحِجري، على اتصال منتظم مع قيادات قسد في الشمال الشرقي، ويبدو في أوقات أن ثمة تنسيقاً في المواقف تجاه دمشق. في المقابل، تواصلت شخصيات علوية على الساحل، بما في ذلك قائد احتجاجي بارز، مع كل من قسد والحِجري في محاولة لتشكيل رؤية سياسية موحّدة تقف في مواجهة دمشق.

في النهاية، حلّ إشكاليات الفصائل المسلحة مسألة سياسية بامتياز، مرتبطة مباشرة بالحرب الأهلية وبالتوترات والاختلالات التي أفرزها مسار الانتقال ذاته. توحّدت غالبية المجتمع الدولي لدعم الحكومة الانتقالية السورية، ما منح وقتاً ومجالاً لإجراءات حل الفصائل ودمج المقاتلين، لكن طالما استمرت التحديات الجيوسياسية فسيبقى مسار الدمج ناقصاً ومصدراً للاستقرار الهش.

وجهات النظر المعبر عنها هنا تعكس رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري للمصدر الإعلامي.

أضف تعليق