آلاف مواطنين غربيين شاركوا في الحرب الإسرائيلية على غزة ما يجب معرفته — تقرير توضيحي

انضمَّ آلاف المواطنَين الغربيين إلى القوات المسلحة الإسرائيلية وسط حرب على غزة وُصفت بـِ”إبادة جماعية”، ما أثار تساؤلات حول المساءلة القانونية الدولية للمواطنين الأجانب الذين تُحاط مشاركتهم باتهامات بارتكاب جرائم حرب بحق الفلسطينيين.

أظهرت معلومات حصلت عليها المنظمة الإسرائيلية غير الحكومية “هاتزلخا” بموجب قانون حرية المعلومات الإسرائيلي أن أكثر من 50 ألف جندي في الجيش الإسرائيلي يحملون جنسية أخرى على الأقل، بينما يحمل أغلبهم جوازات سفر أميركية أو أوروبية.

منذ 7 أكتوبر 2023، أودت حرب إسرائيل على غزة بحياة ما لا يقل عن 72,061 شخصاً، في عمليات وصفتها منظمات حقوقية بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتسعى منظمات حقوقية حول العالم لتحديد وملاحقة مواطنين أجانب متهمين بالمشاركة في هذه الجرائم، بينهم من وثَّقوا أعمالاً على شبكات التواصل الاجتماعي.

فما الذي تكشفه هذه البيانات الأولى عن الجيش الإسرائيلي؟ وما هي التداعيات القانونية المحتملة على الجنود ذوي الجنسية المزدوجة؟

صورة: جندي إسرائيلي يدفع رجلاً فلسطينياً بينما تُدمّر جرافات الجيش ثلاثة منازل تعود ملكيتها لفلسطينيين في قرية شقبا، غرب رام الله، في الضفة الغربية المحتلة — 21 يناير 2026 [زين جعفر/أ ف ب]

أيّ الجنسيات الأجنبية تسجَّل أعلى نسب انخراط في الجيش الإسرائيلي؟
تُظهر الأرقام أن 12,135 جندياً مسجلاً في الجيش يحملون جواز سفر الولايات المتحدة، وهو رقم يتصدر بقية الجنسيات بفارق كبير. بالإضافة إلى ذلك، هناك 1,207 جنود يحملون جواز سفر آخر إلى جانب جوازيهم الأميركي والإسرائيلي.

وكشفت بيانات شاركها المحامي الإسرائيلي إيلاد مان، المستشار القانوني لمنظمة هاتزلخا، أن 6,127 مواطناً فرنسياً يخدمون في الجيش الإسرائيلي. ولفت الجيش إلى أن الجنود الذين يحملون جنسيات متعددة تُحتسب أسماؤهم أكثر من مرة في التفصيلات الإحصائية.

تُبيّن الأرقام وضع التجنيد حتى مارس 2025، أي بعد 17 شهراً من اندلاع الحرب المدمّرة في غزة. روسيا جاءت في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وفرنسا، حيث يخدم 5,067 مواطناً روسياً، تليها أوكرانيا بـ 3,901 مواطناً، ثم ألمانيا بـ 1,668.

كشفت البيانات أيضاً أن 1,686 جندياً يحملون الجنسية البريطانية والإسرائيلية معاً، إضافة إلى 383 آخرين لديهم جواز سفر ثالث إلى جانب البريطاني والإسرائيلي. وكان لجنوب أفريقيا، التي رفعت قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل لدى محكمة العدل الدولية، 589 مواطناً يخدمون في صفوف الجيش.

علاوة على ذلك، يحمل 1,686 جندياً الجنسية البرازيلية، و609 أرجنتينية، و505 كندية، و112 كولومبية، و181 مكسيكية — إلى جانب جنسيتهم الإسرائيلية. ويقدَّر أن الجيش الإسرائيلي يضم نحو 169,000 عنصر نشط و465,000 احتياطياً، من بينهم يقارب ثمانية بالمئة يحملون جنسيات مزدوجة أو متعددة.

هل يمكن محاكمة مزدوجي الجنسية عن جرائم حرب في غزة؟
قال إلياس بانتيكاس، أستاذ القانون العابر للحدود في جامعة حمد بن خليفة في قطر، لقناة الجزيرة إن “جرائم الحرب تُنطوي على مسؤولية جنائية بمقتضى القانون الدولي، بغض النظر عما تقوله قوانين الجنسية.” وأضاف أن حجج مماثلة كانت ستبرئ النازيين الألمان لو كانت قوانينهم تبيح الفظائع؛ لذا فمسألة الجنسية المزدوجة “غير ذات صلة بالمسؤولية الجنائية”.

يقرأ  كيبيجون الكينية تحرز لقب ١٥٠٠ متر للمرة الرابعة وتُسجّل رقماً قياسياً في بطولة العالم لألعاب القوى

ومع ذلك، أشار بانتيكاس إلى أن القضية العملية الكبرى في ملاحقة المتهمين تتمثل في “كيفية جلبهم إلى إقليمك ووضعهم أمام محكمة”. كما بيّن أن لا فارق في مسألة المسؤولية بين الجنود المحليين وأولئك ذوي الجنسيات المزدوجة، وأن على المزدوجي الجنسية أيضاً احتمال مواجهة مسؤولية إضافية بموجب قوانين تُجرّم الخدمة العسكرية في نزاعات أجنبية أو الانضمام لجيش دولة أخرى.

وأضاف أن ملاحقة الأجانب كانت “أمراً معتاداً إلى حد كبير”، مستدلاً بمحاكم جرائم الحرب التي أقامتها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية ضد النازيين، والمحاكم العسكرية الأميركية ضد ضباط يابانيين، والمحاكم الأوروبية التي نظرت في جرائم ارتُكبت عند تفكك يوغوسلافيا.

في مايو الماضي، قالت وزارة الخارجية البريطانية إن مزاعم جرائم الحرب يجب أن تُقدَّم إلى شرطة العاصمة (ميتروبوليتان بوليس). وذكرت: “المملكة المتحدة تعترف بحق مزدوجي الجنسية البريطانيين في الخدمة ضمن القوات المسلحة المعترف بها قانونياً في بلد جنسيتهم الأخرى. ينبغي تقديم مزاعم جرائم الحرب إلى شرطة المترو للتحقيق.”

صورة أرشيفية: إسرائيل أتلفت أو دمّرت أكثر من 80 بالمئة من مباني غزة [ملف: أ ف ب]

هل حوكم مواطنون أجانب بتهم جرائم حرب في غزة؟
لا توجد حتى الآن حالات اعتقال لمواطنين ذوي جنسيات مزدوجة بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، لكن منظمات حقوقية ومحامون يعملون على سعي لفتح تحقيقات وملاحقات قضائية.

في بريطانيا، قدَّم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة (PCHR) ومركز المصلحة العامة للمحاماة (PILC) في المملكة المتحدة تقريراً من 240 صفحة لشرطة ميتروبوليتان في أبريل الماضي. وتشتمل الاتهامات الموجَّهة ضد 10 أفراد بريطانيين—لم تُفصح أسماؤهم علنياً—على القتل، والترحيل القسري لسكان، والاعتداء على عمال إنسانيين، في الفترة بين أكتوبر 2023 ومايو 2024.

وفي سبتمبر الماضي، قُدِّمت دعوى في ألمانيا ضد جندي يبلغ من العمر 25 عاماً، وُلد ونشأ في ميونيخ، بتهمة المشاركة في قتل مدنيين فلسطينيين في غزة، قُدمت هذه الشكوى من قبل مركز حقوق الإنسان الفلسطيني، والمركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان (ECCHR)، ومؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان.

وقد وثقت عمليات قنص بالقرب من مستشفيي القدس والناصر في غزة بين نوفمبر 2023 ومارس 2024، وكان القناص عضواً في وحدة تُعرف باسم “رفאים” (وهي كلمة عبرية تعني “الشبح”). وتُجرى أيضاً إجراءات قانونية ضد أعضاء من نفس الوحدة في فرنسا وإيطاليا وجنوب أفريقيا وبلجيكا. وفتحت النيابة العامة البلجيكية تحقيقاً قضائياً في أكتوبر الماضي بشأن مواطن بلجيكي-إسرائيلي يبلغ 21 سنة، كان عضواً في وحدة “رفאים”.

يقرأ  الجيش الإسرائيلي يطلق النار على أشخاص يُشتبه بكونهم إرهابيين في قطاع غزة

ويُشير القانون الذي يلزم بالخدمة العسكرية في إسرائيل إلى إعفاء مزدوجي الجنسية المقيمين في الخارج، ما يجعل الالتحاق بالخدمة أمراً تطوعياً بالنسبة لهم، وهي مسألة تكتسب أهمية لدى محاكمات مرتقبة في دول أجنبية، حيث لاحظ محامون أن الطابع التطوعي للخدمة قد يرفع من درجة مسؤوليتهم الجنائية.

صورة: رجال يحملون كيس جثّة وهم يدفنون أحد 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة في 13 فبراير 2026. أعاد الاحتلال الإسرائيلي عدداً كبيراً من جثث الفلسطينيين إلى غزة مُعلَّمةً بأرقام بدلاً من أسمائهم (ملف: وكالة الصحافة الفرنسية)

ماذا تقول القوانين الدولية عن مشاركة الجنود في حروب خارجية؟
قدمت جنوب أفريقيا قضيتها إلى محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، مدعيةً أن حرب إسرائيل على غزة تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 الخاصة بمنع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية. وبينما قد تستغرق الحكم النهائي سنوات، أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة في يناير 2024 تطالب إسرائيل باتخاذ خطوات لمنع أعمال إبادة جماعية في غزة والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. ومع ذلك، واصلت إسرائيل تقليص إمدادات المساعدات إلى غزة بما يخرق أمر المحكمة المؤقت.

بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948، تتحمل الدول الأطراف التزاماً ملزماً بمنع هذه الجريمة ومعاقبة مرتكبيها. وللدول الحق في التحقيق وملاحقة الأفراد الذين قد يكونون ارتكبوا أو ساهموا في ارتكاب مثل هذه الجرائم.

في مارس من العام الماضي، أعلن المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين عن حملة «195 العالمية» لمساءلة مواطنين إسرائيليين وأشخاص مزدوجي الجنسية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. تهدف الائتلاف إلى العمل في آن واحد عبر عدة ولايات قضائية لتقديم طلبات أوامر توقيف خاصة ورفع دعاوى ضد المتورطين، ويشمل نطاقها أعضاء الجيش الإسرائيلي والقيادة العسكرية والسياسية بأكملها.

كما تضيف انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بعداً قانونياً آخر، إذ يمكن للمحكمة الدولية أن تمارس ولايتها على القضايا المتعلقة بجرائم الحرب. وقد أصبحت فلسطين دولة طرف في النظام منذ 2015. وتعترف 157 دولة من أصل 193 عضواً بالأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، أي بنسبة تقارب 81% من المجتمع الدولي، ومن بين الدول التي اعترفت بها مؤخراً فرنسا وبلجيكا وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة. كما أن أجنبيًا تنظر بلاده إلى فلسطين كـ«دولة صديقة» قد يكون عرضة للملاحقة إذا شارك في جرائم حرب ارتكبتها القوات الإسرائيلية في غزة.

صورة عملاقة للطفلة الفلسطينية هند رجب (خمس سنوات) التي قتلت في غزة عام 2024 تُرفع على شاطئ بارسيلونيتا في برشلونة بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لوفاتها وبعد ترشح فيلم عن مقتلها لجائزة أوسكار (ناشو دوس/رويترز)

يقرأ  بحسب فرق الإنقاذ — انهيارات ثلجية في النمسا تودي بحياة خمسة أشخاص

كيف يتتبع «مؤتمر هند رجب» المشتبه فيهم بارتكاب جرائم حرب؟
مؤسسة «هند رجب» — التي سميت تكريماً للطفلة التي أصبحت رمزاً لآثار القصف الإسرائيلي في غزة — جمعت قواعد بيانات واسعة تحتوي على معلومات قابلة للتعريف عن جنود إسرائيليين. المؤسسة، ومقرها بيلجيكا، تقود جهوداً دولية للمساءلة عن جرائم الحرب في غزة وقد رفعت منذ ذلك الحين عدة دعاوى، بما في ذلك تحدٍ رائد يستهدف ألف جندي إسرائيلي.

حددت المؤسسة عدداً من الأشخاص مزدوجي الجنسية في شكاواها، من بينهم 12 شخصاً من فرنسا و12 من الولايات المتحدة و4 من كندا و3 من المملكة المتحدة واثنان من هولندا. واعتمدت المؤسسة على غنائم رقمية من منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب حيث تفاخر بعض الجنود بأعمالهم في غزة، مستخدمةً هذه المواد كأدلة لتتبع المشتبه بهم وملاحقتهم قانونياً.

«نحن بحوزتنا ملفات إضافية لمواطنين مزدوجي الجنسية تتجاوز الألف جندي المذكورين في شكوانا إلى المحكمة الجنائية الدولية. سنباشر إجراءات قانونية ضد جميعهم في المحاكم الوطنية لبلدانهم»، قالت المؤسسة في أكتوبر 2024، مضيفةً: «يجب أن تنتهي الإفلات من العقاب، في كل مكان».

تؤكد مؤسسة هند رجب أنها تسعى للمساءلة الجنائية ضد مرتكبي جرائم الحرب الإسرائيلية، بدءاً من المخططين والآمرين وصولاً إلى منفذي العمليات، ويشمل ذلك أجانب شاركوا أو موّلوا هذه الجرائم.

تعرض مؤسس المؤسسة، ضيّاب أبو جحنة، لتهديد من وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عاميتشاي شيكلي الذي نشر رسالة على منصة إكس ضمنها تلميحاً بـ«راقب جهاز النداء» في إشارة إلى هجمات استهدفت أجهزة اتصال لأعضاء حزب الله في سبتمبر 2024؛ تلك الهجمات أودت بحياة 12 شخصاً وجرح فيها أكثر من 3000 عندما فُجّر عدد كبير من أجهزة النداء بواسطة عناصر إسرائيلية.

في يناير من العام الماضي، أدت شكوى تقدمت بها مؤسسة هند رجب إلى إصدار قاضٍ برازيلي أمراً بفتح تحقيق بحق جندي إسرائيلي كان في إجازة في البلاد، ما اضطره إلى الفرار، وهو ما دفع الجيش الإسرائيلي لإصدار توجيه يطالب جميع الجنود المشاركين في القتال بإخفاء هوياتهم.

«المسؤولية الجنائية بموجب القانون الدولي لا تسقط بزمن»، قال بانتيكاس من جامعة حمد بن خليفة، «إنها ممتدة إلى الأبد ولا يسري عليها أي تقادم». ومع ذلك، أضاف أن مقاضاة عناصر الجيش الإسرائيلي «صعبة عملياً لسببين»: صعوبة الحصول على أدلة من الدرجة الأولى، وتحفّظ النُّظراء الوطنيين الذين قد يخشون عواقب سياسية أو غيرها. وإذا ما تغيرت الرأي العام والسياسات في أوروبا لصالح فلسطين بصورة أوسع، فقد تشعر النيابات الوطنية براحة أكبر لبدء مثل هذه الملاحقات.

أضف تعليق