ألكاراز ضد سينر التنافس الذي يشغل العالم قبل أستراليا المفتوحة ٢٠٢٦

سيول، كوريا الجنوبية — دخل كارلوس ألكاراز ويانيك سينر إلى قاعةٍ بيضاء بالكامل وكأنهما تجسيد ملموس لمبدأ «الين واليانغ». ارتدى سينر أسودًا داكنًا تمامًا بينما ظهر ألكاراز بقميصٍ أبيض وسروالٍ أسود، واستُقبا بصفير وتصفيق مدوٍ في مقر شركة هيونداي كارد بالعاصمة الأسبوع الماضي.

رغم أن أسلوبَي اللعب وسلوكهما داخل الملعب يبرزان التباين بين الخصمين كأنهما مثال معاصر للفلسفة الصينية الشهيرة، فإن النجمين تشابهت لديهما كثير من النقاط المشتركة؛ تبادلا الابتسامات العريضة وعبارات الدهشة أمام حشد كبير من الصحفيين والمصورين وما يقرب من مئة موظف في سيول.

ما إن جلسا حتى التفت ألكاراز إلى يمينه، ونظر إلى منافسه الكبير، ومضغ بصوت خافت كلمة «واو».

تنافس كبير، علاقة طيبة

بعد أربع سنوات من لقائهما الأول في جولات رابطة المحترفين بفرنسا، سرق الثنائي الأضواء والعناوين في كل مكان حلّا فيه.

لم يكن هذا ما تخيله ألكاراز تمامًا عندما قال سينر في نوفمبر 2021 إنه يأمل أن يلاقي خصمه في مبارياتٍ أكثر.

«كنت متأكدًا أننا سنلعب أكثر بعد تلك المباراة، لكن ربما في بدايات البطولات — الدور الأول أو الثاني»، قال ألكاراز للجزيرة في سيول.

يعتقد الإسباني أنه مع مرور السنوات «دفع كل منا الآخر إلى التحسن» وساعدا بعضهما البعض على الوصول إلى مستوىٍ باتت لقاءاتهما تُحجز عادةً في المراحل الأخيرة من البطولات الكبرى.

«إنه هدية أن نلعب في نصف النهائي والنهائي في البطولات الكبرى والأهم في العالم»، قال ألكاراز.

«عند النظر إلى الوراء ورؤية كل ما أنجزناه … كلانا دفع الآخر ليكون أفضل، ليكون بنسبة مئة بالمئة في لعبته. كانت تلك لحظة رائعة، اللحظة عند الشبكة، وكل ما مررنا به على مر السنين».

«سينكاراز» — كما أصبح يُعرف الثنائي — سيطر على جولات الرجال خلال العامين الماضيين، وتقاسما أكبر ألقاب اللعبة وتبادلا صدارة التصنيف العالمي.

حين طُلب من سينر استعادة ذكرياته من لقائهما في باريس حيث بدأ التنافس، أجاب بتواضع.

«عندما قلت ‘آمل أن نلعب المزيد من المباريات’، كان ذلك أمنية مني لأنني كنت متأكدًا من أن كارلوس سيصل إلى المستوى الذي هو عليه الآن. لكنني لم أكن متأكدًا إن كنت سأصل أنا إلى المكان الذي أنا فيه الآن»، قال الإيطالي.

يقرأ  الرجل الذي غيّر كينيا دون أن يحكمها قَطّ

«لكن تبين أنها كانت منافسة رائعة بيننا، وتتجاوز كذلك حدود الملعب لأن لدينا علاقة طيبة».

عصر «سينكاراز»

في رياضة تُعرف بالتفرد والتميز الفردي، كانت العلاقات بين لاعبي النخبة مصدرَ فضول للجماهير ومحركًا للاهتمام باللعبة.

مثلما جسّد بيورن بورغ وجون مكينرو التطرف العاطفي، ومثلما مثّل بيت سامبراس وأندريه أجاسي التزامًا مقابل تمرد، ومثلما قدّم روجر فيدرر ورافائيل نادال تباينًا في الجماليات والبدنية، كان فيدرر ونادال في ذروة منافستهم يجوبان العالم معا في عروض خيرية واستعراضية. وفي سيول، قدّم ألكاراز وسينر لمحةً عن ديناميكيةٍ مشابهة.

على مدى أربعة أيام كان الثنائي شبه منفصل عن بعضهما؛ من مؤتمر صحفي افتُتح به الحدث إلى اللوبي حيث شاهد الموظفون المبتهجون الثنائي يضحكان أثناء مباراة تنس طاولة ودّية.

تماشياً مع متطلّبات التسويق في العصر الحالي، سجّل «سينكاراز» مقاطع قصيرة مرحة، نفّذا تحديات رائجة وأجابا عن أسئلة خفيفة الظل. إحدى اللقطات التي ضحك فيها سينر بينما حاول ألكاراز نطق عبارة «مرحبًا أنا كارلوس ألكاراز» بالكورية، انتشرت بسرعة.

امتدّ المزاج المريح إلى مباراتهما الاستعراضية في التنس.

كما فعلت أساطيرٌ مثل ماريا شارابوفا وفينوس ويليامز وروجر فيدرر ورافائيل نادال، لعب ألكاراز وسينر أمام جمهورٍ اكتمل بيعه.

أخذ كلا اللاعبَين بعض الوقت لإيجاد إيقاعهما في البداية، مع ارتكاب ألكاراز عدة أخطاء غير مجبرة في أول ظهور له منذ نوفمبر.

لكن مع سيطرة العرض بدأت الضربات الخادعة من الإسباني — منها «التويناير» — تذهل الجمهور.

تكرّر توجّه الخصمين إلى الجمهور الذي كان يلوّح بالأعلام الإسبانية والإيطالية، واستجابا لصيحات «أحبك» و«أنت وسيم» بتحيّات بالأيدي وقبضات التعارف.

في لحظة ما دعا سينر — الأقل ألفةً مع الاستعراضية — صبيًا صغيرًا من الصفوف الأمامية ليلعب نقطةً مع ألكاراز بينما جلس بين المشجعين وهتف له.

ارتفعت حدة اللقاء في الشوط الثاني، خصوصًا في الشوط الفاصل، حين ساعدت سلسلة إرسالَاتٍ سريعة من ألكاراز في إعداد نقطة المباراة.

وعندما وجدت ضربة فورهاند سينر الشبكة في النهاية، التقى اللاعبان بعناق عند الشبكة، تمامًا كما فعلوا في كل مواجهات «سينكاراز» حتى الآن.

يقرأ  شاهد: تيموثي شالاميه وتيانا تايلور في «المراهقة»

«يانيك، أنهينا الموسم الماضي ونحن نلعب معًا، وبدأنا الموسم ونحن نلعب معًا»، قال ألكاراز لزميله بعد المواجهة. «فعلًا نأمل أن يكون هذا الموسم جيدًا كما كان العام الماضي. نأمل أن نلتقي أيام الأحد في البطولات النهائية».

فقط البداية

في الممرات خارج الحلبة كانت الجماهير منقسمة بالتساوي تقريبًا بين أفضلَين في العالم.

«مفضّلي الشخصي هو سينر، لكن يبدو أن هناك ضجة أكبر حول ألكاراز في البلاد بسبب أسلوب لعبه البراق»، قال تشوي إن-سيك، الذي سافر 40 كلم من سول إلى إنشيون لمشاهدة المباراة برفقة صديقته، للجزيرة.

«يبدو أنهما يتبادلان الأفضلية كلما التقيا، لكن أعتقد أن سينر أثبت أنه أقوى على الملاعب الصلبة». أعتقد أنه سيحرز اللقب للمرة الثالثة على التوالي في استراليا هذا الشهر.

حضرت كيم جو-هي البطولة برفقة صديقة من نادي التنس، وقالت إن نتيجة المباراة كانت محور نقاشات الأسبوع بأكمله. وأضافت: “لكن بالمقارنة مع الثلاثي الكبير — فيدرر ونادال ونوفاك — لا يزال سينر وألكاراز في بداية الطريق، لم يصلّا بعد إلى ذلك المستوى”.

بالنسبة للي جيو-تشون، الذي يرى أن التنس شهد ازدهاراً هائلاً في كوريا الجنوبية منذ أن أمسك بالمضرب قبل خمسة عشر عاماً، كانت الفعالية حدثاً لا ينسى. وعلّق قائلاً إن رؤية أفضل اثنين في العالم في بلدك نادر جداً، ومشاهدة ذلك في بطولة غراند سلام أصعب لأن التذاكر نادرة، وحتى لو امتلكت تذكرة فسيتطلب الأمر وصول اللاعبَين إلى النهائي لتراهما يلتقيان.

محطات البث في إسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة نقلت المباراة مباشرة، كما بثت الحدث محطات في الهند واليابان داخل المنطقة. وفي شأن اقتصادي، ذكرت صحيفة لا غازيتا ديلو سبورت الإيطالية في تقرير أولي أن كلا اللاعبَين تلقيا رسم مشاركة بقيمة 2.3 مليون دولار، لكن ممثلاً عن منظّم الحدث SEMA Sports Marketing نفى هذا التقرير. أما اليومية الكورية No Cut News فذكرت مبلغاً أقرب إلى 1.35 مليون دولار لكل لاعب استناداً إلى مصدر صناعي خاص.

لعب ألكاراز وسينر أمام مدرجات ممتلئة، والحضور اعتبر المباراة بمثابة بروفة محتملة لنهائي أستراليا المفتوحة.

العودة إلى المنافسة في أستراليا

يقرأ  استطلاعات في المملكة المتحدة تكشف تراجعاً حاداً في شعبية ستارمرهل يستطيع الصمود لعام آخر؟

خلال الثمانية عشر شهراً الماضية وموسمين من بطولات الغراند سلام، تبادلا ألكاراز وسينر صدارة التصنيف وتقاسما ثمانية ألقاب من الغراند سلام، والتقيا في ثلاثة نهائيات كبرى متتالية. تتقدم سجلات المواجهات بينهما ألكاراز 10-6، لكن سينر كان المنتصر في آخر مواجهة بينهما خلال نهائيات نيتو ATP 2025 في تورين.

لذلك اعتُبرت مباراة العرض في سول تذكرة مشاهدة لنهائي محتمل في أستراليا: ألكاراز يسعى إلى لقبه الأول في البطولة لإكمال السلم المهني، بينما تتاح لسينر فرصة مشابهة لاحقاً هذا العام في رولان غاروس بباريس.

رغم الممازحات والتبادلات الودية في كوريا الجنوبية، إلا أن كلا اللاعبين ظلَّا واعيين بطبيعة علاقتهما التنافسية. قال ألكاراز مازحاً بعد مباراة العرض إن لقاء اليوم مفيد لرؤية ما إذا كان يانيك قد أدخل تغييرات في لعبه، لكنه أضاف أنه لا يظن أنه حصل ذلك اليوم، في تلميح إلى حرصهما على عدم الكشف عن الكثير من الأوراق أمام بعضهما.

من جهته قال سينر إنه لن يستخلص أموراً جذرية من مباراة اليوم: “لن آخذ شيئاً من لقاء اليوم. سنرى في أستراليا. سأتابع مبارياته بالتأكيد.” وأضاف أيضاً أنه يراقب “التفاصيل الصغيره” في أداء خصمه، وأن هيمنة الثنائي لا تتيح مجالاً للغفلة: “هناك لاعبون عظماء آخرون الآن، فإذا خفنا مستوى لعبنا قليلاً فسينتزعون منا مكاننا. من الرائع أن يدفعني كارلوس إلى الحدّ، وآمل أن أتحسن في كل مرة نلتقي فيها.”

قِلّة من اللاعبين فقط تمكنوا من هزيمة أي من هذين النجمين في الأعوام الأخيرة. هزم جاك درابر، رقم واحد في المملكة المتحدة، ألكاراز في نصف نهائي إنديان ويلز — ما يُطلَق عليه أحياناً “الغراند سلام الخامس” — الموسم الماضي، وفي ملبورن ستبقى الأنظار مركزة على نوفاك ديوكوفيتش، حامل 24 لقباً في الغراند سلام والساعي للقب أستراليا المفتوحة الحادي عشر.

بعد أن سافرا معاً على متن طائرة خاصة إلى أستراليا، شوهد ألكاراز وسينر يتبادلان تحية عالية خلال التدريب في ملعب رود ليفر يوم الثلاثاء. تنطلق البطولة الأحد، وكما في العامين الماضيين وضعت القرعة كل منهما في طرفٍ متقابل من الجدول؛ الكثيرون يتوقعون نهائياً آخراً بين “سينكاراز”.

أضف تعليق