أورام تعود لقرن تكشف سبب تزايد إصابة الشباب بسرطان القولون والمستقيم

آلاف من عينات سرطانات الأمعاء المحفوظة لمدد تصل إلى قرن تُخضع اليوم لتحاليل جزيئية متقدمة في محاولة لفكِّ شيفرة الارتفاع الغامض في نسب الإصابة بين فئات الشباب.

ورغم أن الغالبية العظمى من حالات سرطان الأمعاء تظل لدى كبار السن، فقد لوحظ ارتفاع ملحوظ بين المرضى الأصغر سناً في أنحاء العالم. ففي المملكة المتحدة مثلاً ارتفعت معدلات الإصابات بنسبة نحو 75% بين من تقل أعمارهم عن 24 عاماً منذ أوائل التسعينيات، وبنحو 51% في شريحة 25–49 عاماً، دون أن تتضح بعد الأسباب الكامنة وراء ذلك.

في قبو مستشفى سانت مارك تُحفظ مجموعة فريدة تضم عشرات الآلاف من عينات الأنسجة السرطانية—كل عينة تمثل ورماً استئصل هناك—مغلفة وموضوعة في شمع البارفين للحفاظ على خلايا الورم والميكروبات المصاحبة لها. هذه المجموعة تُعد مورداً نادراً قد يساعد على استقصاء الأسباب، خصوصاً لدى المرضى الصغار في السن.

العينات تُرسل الآن إلى معهد أبحاث السرطان لإجراء تحاليل جزيئية مفصّلة لم تكن ممكنة إلا مؤخراً. لأن لكل سبب من أسباب السرطان بصمته الخاصة في الحمض النووي للخلايا المتحولة: أنماط طفرية تختلف باختلاف المؤثر المسبّب. بتعقّب تواتر هذه «التواقيع الطفرية» عبر الزمن يمكن أن يُشار إلى مسبباتٍ محددة وراء الارتفاع بين الشباب.

«سرطان الأمعاء لدى من هم دون الخمسين آخذ في الازدياد عالمياً، بما في ذلك في المملكة المتحدة، ويصبح مشكلة متنامية»، يقول الدكتور كيفن موناهان، استشاري أمراض الجهاز الهضمي في مستشفى سانت مارك. «نحتاج لتطوير وسائل فعّالة للوقاية من هذه السرطانات.»

تحتوي الأرشيفات على عينات من كل مريض سرطان أمعاء عُولج في المستشفى، ما يجعلها—بحسب موناهان—مصدر بيانات فريد ربما لا يُضاهى في أي مكان آخر بالعالم. الأنسجة والميكروبات المعوية المحيطة بها محفوظة في الشمع، وتتيح الآن تقنيات التحليل الجزيئي اكتشاف بصمات الأضرار التي خلفتها عوامل ميكروبية أو بيئية على الحمض النووي.

يقرأ  أزمة سريلانكا — دليل على أن الديون تبتلع دول الجنوب العالمي

من بين الفرضيات الرائدة التي يدرسها الباحثون فكرة وجود نوع معين من الإشريكية القولونية (E. coli) لدى الشباب اليوم لم يكن موجوداً أو لم يكن شائعاً في الماضي، وقد تفرز هذه البكتيريا سموماً تُحدث تلفاً في الحمض النووي لنسج الأمعاء وتحولها إلى خلايا سرطانية. إذا كانت هذه «العَوَاثِم» مسؤولة عن الارتفاع، فمن المتوقع أن تظهر تواقيعها الطفرية نادرة في العينات القديمة وتتزايد تكرارها في العينات الأقرب إلى الحاضر. لكن الفريق يعتزم أيضاً اختبار فرضيات أخرى بدقة.

من بين الافتراضات الإضافية التي تُبحث: السمنة، والأنظمة الغذائية المعتمدة على الأغذية المصنعة للغاية، والاستخدام المتزايد للمضادات الحيوية وتبدّل الميكروبيوم، فضلاً عن تلوث الهواء والملوثات الدقيقة مثل الميكروبلاستيك—كلها عوامل محتملة تتداخل وتعقّد صورة الأسباب.

قصة هولي نموذجية للمأساة الشخصية خلف الإحصاءات. إذ شُخّصت الممثلة الشابة وهولي عندما كانت في الثالثة والعشرين بعد أن ظنّ الأطباء في البداية أن انتفاخ بطنها وفقدان وزنها ناجمان عن متلازمة القولون العصبي حتى تفاقمت حالتها فذهبت إلى قسم الطوارئ. تبيّن أنها تعاني من سرطان أمعاء متقدّم واضطرت حينها إلى علاج كيماوي مكثف.

تقول هولي إن الكيماوي «أثر فيّ بطرق لم أكن أتخيّلها أبداً» وأن أصعب ما في الأمر كان تقبُّل أن الحياة لن تعود كما كانت. الآن تعيش بحمولة صناعية (ستوما) وتتلقّى مراقبة طبية منتظمة. هي خالية من السرطان منذ أكثر من ثلاث سنوات وتخطط لزفافها، لكنها تعترف بوجود أيام تغمرها فيها نوبات صراخ وبكاء بسبب تشخيصها المبكر: «كل شيء يبدو غير عادل، وأتساءل: لماذا أنا؟»

بالنهاية، سواء كانت البكتيريا المسببة للسموم هي المسؤول المباشر أم تضافرت عوامل بيئية وغذائية ودوائية أخرى، فإن الأرشيف في قبو سانت مارك يمثل خزينة معلومات ثمينة. كما يقول البروفسور تريفور غراهام من معهد أبحاث السرطان: «السر قد يكون موجوداً في هذه الغرفة.»

يقرأ  الرئيس الكوري الجنوبي لي يزور بكين لعقد القمة الثانية الحاسمة مع شي جين بينغ