في نوفمبر، اقتحم ثلاثة من نشطاء مجموعة «Palestine Action» في إيرلندا شاحنة معدّلة وصدموا حاجزاً عند مدخل ماطر شانون، ثم انطلقوا على المدرج نحو طائرة تابعة للجيش الأمريكي ورشّوا طلاءً أخضراً على طائرة بوينغ 737-700 كانت مركونة.
جاءت هذه الحركة كاحتجاج على ما اعتبروه تواطؤ إيرلندا في جرائم اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من خلال استمرار استخدام القوات الأمريكية لمطار شانون. وفي ذلك الوقت كانت الحملة الإسرائيلية قد أودت بحياة أكثر من 69 ألف فلسطيني.
تُظهر بيانات جمعتها منصة تتبّع الطائرات العسكرية «Shannonwarport» أن ما لا يقل عن 1300 طائرة عسكرية أمريكية وطائرات مدنية متعاقدة مع الجيش قد حلّقت ضمن دائرة نصف قطرها 60 كم من مطار شانون منذ يناير 2024، بينها ما لا يقل عن 45 رحلة اتجهت إلى اسرائيل أو عائدة منها.
«شاركت في الفعل بدافع الإحباط العام من المؤسسة والمجتمع الإيرلندي»، قال الناشط كونان كافاناخ لِقناة الجزيرة. وبعد قضائه يومين رهن الحبس في سجن ليمريك، دفع كافاناخ كفالة بقيمة 10 آلاف يورو. ويواجه الثلاثة المتهمون الآن تهمَ إتلاف متعمد والاعتداء على «تشغيل أو إدارة أو سلامة مطار».
أضاف كافاناخ: «لدولة تفخر بتاريخ مشترك من الاستعمار والمقاومة، أعتقد أننا محدودون للغاية في كيفية إظهارنا الدعم للشعب الفلسطيني. كثير من النشاط الفلسطيني في إيرلندا يقتصر على المسيرات والخطابات والتجمعات، وهي أمور جيدة لكنها بحاجة إلى تصعيد نحو احتجاجات مضطربة أكثر إذا أردنا فعلاً إجبار الدولة على التحرك».
تؤكد الناشطة آين ني ثراينير أن الاحتجاج ضد استخدام الجيش الأمريكي للمطار في غرب إيرلندا «يجب أن يكون أمراً نتحشّد من أجله جميعاً». وأضافت: «لم يحدث ذلك»، مشيرة إلى أن عدداً من الأشخاص — بمن فيهم هي والـ11 شخصاً الآخرين الذين قاموا بأعمال في شانون خلال العامين الماضيين — باتوا الآن يتعرّضون لتجريم وسحبهم إلى ساحات المحاكم من قبل الدولة الإيرلندية. «يمكننا بالطبع أن نفعل أكثر، لكن ذلك جاء بثمن لمن قاموا بالفعل بهذه الأفعال».
لإيرلندا جذور تاريخية في دعم القضية الفلسطينية. ومن بين خطواتها الأخيرة الاعتراف بدولة فلسطين في مايو 2024، ودعم جنوب أفريقيا في قضية الإبادة الجماعية ضد اسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، واستقبال عشرات الطلبة والمصابين الجرحى والمرضى الذين أُجلوا من غزة.
غير أن النقاد يرون أن هناك مجالات لازالت تتطلب سياسات فعلية للحد من العدوان الإسرائيلي — من قبيل التحكم في استخدام المجال الجوي الإيرلندي.
ينظّم المحتجون تظاهرات دورية في شانون للمطالبة بأن تفحص الحكومة الإيرلندية الطائرات العسكرية والطائرات المدنية المتعاقدة مع الجيش الأمريكي بحثاً عن أسلحة متجهة إلى اسرائيل.
في تقرير للأمم المتحدة نُشر في أكتوبر، أدرجت المقررة الخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة فرانسيسكا ألبيانسي إيرلندا ضمن الدول التي سمحت بمرور تحويلات أسلحة عبر موانئها ومطاراتها، وهو ما يشير، حسب وصفها، إلى «نية تسهّل جرائم اسرائيل». ودعت في مقابلة مع المذيع الإيرلندي RTE إلى وقف عبور الأسلحة عبر إيرلندا.
ذكرت صحيفة The Irish Times في أبريل أن وزارة النقل وافقت في 2024 على 1354 طلباً للطائرات المدنية أو للطائرات المسجلة في إيرلندا لنقل أسلحة أو ذخائر عبر البلاد، بزيادة قدرها 14% عن 2023، فيما رُفض طلبان فقط ذلك العام. وخلال مقابلة إذاعية مع محطة Newstalk، قالت النائبة في السيناد الإيرلندي أليس ماري هيغينز إن «أكبر عدد من الاستثناءات طُلب من قبل ألمانيا والولايات المتحدة».
بيانات «Shannonwatch»، التي تتابع توقفات الجيش الأمريكي، تؤكد أن معظم الطائرات العابرة للمطار هي طائرات عسكرية أمريكية أو طائرات مدنية متعاقدة مع الجيش، كما تظهر سجلاتها رحلات للقوات الجوية الألمانية أيضاً.
رغم ذلك، يؤكد المسؤولون أنهم لا يقومون بتفتيش روتيني للطائرات العسكرية الأجنبية عند هبوطها في المطار، وأنه لم تُمنح استثناءات للطائرات المدنية لحمل ذخائر متجهة إلى اسرائيل. وبعد الهجوم الذي شنه تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، قال رئيس الوزراء مايكل مارتن إن شانون لم تُستخدم لدعم تلك الحرب، معقّباً أن الأدلة «ليست قوية» على أن أسلحة أمريكية نُقلت عبر المطار، وأنه من الصعب «التدخل» أو «التحقيق» في حال وجود خروقات للقواعد.
إيرلندا تغضّ الطرف
لطالما كان مطار شانون نقطة تموين عسكرية ومحطة عبور مهمة للقوات الأمريكية في أوروبا لأكثر من عقدين. خلال حرب العراق عبر أكثر من مليوني جندي أمريكي المطار، ما أثار جدلاً واسعاً وادعاءات بأن الموقع سهّل نقل أسلحة واحتجاز مشتبه بهم، بحسب جون أوبريانان، مدير مركز الدراسات الأوروبية والأوراسية في جامعة مايوﻧوث، في حديثه للجزيرة.
بينما تسهّل معظم دول الاتحاد الأوروبي نقل الأسلحة لحلفائها ضمن أطر أمنية تابعة لحلف الناتو أو للاتحاد، تلتزم السياسة الرسمية لإيرلندا بعدم السماح بعبور الأسلحة عبر مجالها الجوي حفاظاً على حيادها العسكري التقليدي.
بمقتضى القانون الإيرلندي، يتعين على جميع الطائرات المدنية التي تحمل أسلحة أو ذخائر التقدم بطلبات استثناء من وزارة النقل قبل الهبوط في المطارات الإيرلندية أو عبور المجال الجوي لإيرلندا. كما يجب على الطائرات المسجلة في إيرلندا والتي تحمل ذخائر في أي مكان من العالم الحصول على إذن مسبق. لا تسمح ايرلندا بهبوط الطائرات العسكرية الأجنبية أو بعبورها أجواء البلاد إلا بموافقة وزارة الخارجية وبشرط صريح هو ألا تكون هذه الطائرات محمّلة بأسلحة.
ورغم تأكيد السلطات الأيرلندية أنها لم تنقل سجناء عبر المطار خلال حرب العراق، فقد رأت منظمات حقوق الإنسان، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية في إيرلندا، أن تقاعس الدولة عن التفتيش الفعّال للطائرات يرقى إلى إخلال بالتزاماتها الحقوقية الدولية.
ولم يتضح النطاق الكامل لما عبر شانون، إذ إن الحكومة أوقفت جميع التحقيقات، بحسب ما صرح به أوبريانان. وأضاف أن سياسة “المتغاضين” التي انتهجتها الحكومة أدت إلى ظهور معلومات عن عبور أسلحة بطرق غير قانونية.
ونقلت منصة التحقيقات الأيرلندية The Ditch في أغسطس 2024 عن وثائق حصلت عليها جمعية Vredesactie البلجيكية المناهضة للحرب، أن شركة Challenge Airlines الإسرائيلية-البلجيكية نقلت ذخائر ومتفجرات متجهة إلى إسرائيل عبر المجال الجوي الإيرلندي بصورة غير مرخّصة.
وبعد ذلك افتتحت وزارة النقل تحقيقاً أظهر أن تسع رحلات غير مرخّصة نقلت ذخائر عبر الأجواء الإيرلندية ومُقدّرة وجهتها إلى إسرائيل منذ أكتوبر 2023.
واستهجنت أحزاب المعارضة هذه النتائج، متهمة الحكومة بـ“غضّ البصر” عن انتهاك القانون الدولي وعن انتهاك سياسة الحياد العسكري التي ترجّحها البلاد.
وقال إيوغان ماكنيل، محرّر في The Ditch، لقناة الجزيرة إن هذه الرحلات غير المرخّصة أُديرت من قِبل مزيج من مقاولين عسكريين وناقلين تجاريين، من بينهم شركة النقل الوطنية الإسرائيلية إل عال، وشركات أميركية مثل FedEx Express وOmni Air International، وشركة لوفتهانزا الألمانية. وأضاف التقرير أن شركة Challenge Airlines وحدها نفّذت 21 رحلة محمّلة بأسلحة إلى إسرائيل عبر المجال الجوي الإيرلندي بين أكتوبر 2023 ويناير 2025.
وأكدت الحكومة الأيرلندية أن وزارة النقل لا تزال تدرُس التقارير المتعلقة برحلات يُزعم أنها غير مستثناة، وأنها تعتزم إدخال تشريعات تتيح إجراء تفتيشات عشوائية فعليّة للطائرات، فضلاً عن توجيه تحذيرات إلى الشركات المعنية بعدم نقل ذخائر إسرائيلية عبر الأجواء الإيرلندية من دون تصريح.
وفي أكتوبر الماضي منحت إيرلندا استثناءً لرحلةٍ استأجرتها القوات الأميركية وشغّلتها شركة Omni Air International لنقل ذخائر إلى قاعدة نيفاتيم الجوية في جنوب إسرائيل، وهو ما مثّل أوّل اعتراف للحكومة الأيرلندية منذ 2006 بمنح ترخيص لرحلة أسلحة متجهة إلى إسرائيل عبر مطار شانون.
وعند نشر التقارير، لم يرد مكتب رئيس الوزراء ولا وزارة النقل على طلب الجزيرة للتعليق.
وأشار أوبريانان إلى أن ايرلندا حذِرة من استفزاز واشنطن بسبب الروابط الاقتصادية الوثيقة مع الولايات المتحدة، مستشهداً بقضية شانون وبالمناقشات المستمرة حول مشروع قانون “الأراضي المحتلة” الذي يحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها غير قانونية وفق القانون الدولي؛ إلا أن التشريع لم يُقر رغم وجود دعم نيابي واسع.
وخلال الشهر الماضي تجددت الانتقادات لمطار شانون بعد تقرير لصحيفة الغارديان أفاد بأن عدداً من الفلسطينيين الذين اعتُقلوا في الولايات المتحدة أُعيد ترحيلهم إلى الضفة الغربية المحتلة على رحلات استأجرتها هيئة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) كانت تتزود بالوقود في المطار.