إدارة ترامب تصعِّد تحرُّكاتها العسكرية في أمريكا اللاتينية

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مستمرة وتتصاعد، بينما تعِد واشنطن بإرسال مزيد من الجنود والعتاد العسكري إلى الشرق الأوسط وطهران توسّع ردودها الانتقامية عبر المنطقة.

لكن يوم الخميس حوّل كبار المسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب الاهتمام إلى جبهة عسكرية أخرى: أمريكا اللاتينية.

منذ تنصيبه في فترة رئاسية ثانية، أشار ترامب بوضوح إلى نيته فرض هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، ورافق ذلك تكثيف عمليات عسكرية ضد شبكات تُصنّفها واشنطن بأنها عصابات إجرامية عبر الإقليم، بما في ذلك حملات ضد ما يُزعم أنها قوارب لتهريب المخدرات.

في مؤتمر “مواجهة الكارتلات في الأمريكتين” الافتتاحي، طمأن مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض ستيفن ميلر الصحفيين بأن أمريكا اللاتينية ستبقى أولوية عسكرية للولايات المتحدة بغضّ النظر عن التطورات في الشرق الأوسط. وقال: «لن نتنازل عن شبر واحد من هذا النصف من الكرة الأرضية لأعدائنا أو خصومنا»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «تستخدم القوة الصلبة، القوة العسكرية، القوة القاتلة، لحماية الوطن الأميركي».

ورفض ميلر وجود “حل قضائي جنائي” لمعضلة الكارتلات، ومقارنة بينها وبين جماعات مسلحة مثل القاعدة وداعش، خاتماً أن الجريمة المنظمة «لا تُقهَر إلا بالقوة العسكرية».

منذ وصول ترامب إلى السلطة مطلع العام الماضي، تبنت إدارته، وفق خبراء، نهجاً شبيهاً بـ«الحرب العالمية على الإرهاب» تجاه أمريكا اللاتينية، شمل تصنيف بعض كارتلات المخدرات كـ«منظمات إرهابية أجنبية». وشجّع مسؤولون مثل ميلر — أحد مهندسي سياسات الهجرة الصارمة لدى ترامب — هذا التوجّه العسكري، فيما حذّر منتقدون من انعكاساته على حقوق الإنسان والشرعية القانونية.

في سبتمبر الماضي بدأت الإدارة ضرب قوارب يُشتبه في تهريبها للمخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي، فيما اعتبرت منظمات حقوقية هذه الضربات اغتيالات خارج إطار القانون. وفي مطلع يناير شنت الولايات المتحدة عملية استثنائية لاختطاف زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو، وتلتها حملة ضغوط على كوبا بهدف إضعاف نظامها الشيوعي.

يقرأ  تايلاند تعلق اتفاق السلام مع كمبوديا بعد انفجار لغم أرضيتصاعد التوتر على الحدود

هذا الأسبوع أعلن البنتاغون أنه شرع في عمليات مشتركة مع الجيش الإكوادوري «ضد منظمات مصنفة إرهابية» في البلاد، ما افتتح جبهة جديدة لعمليات أمريكية في المنطقة قد تشمل عمليات برية وفق تصريحات رسمية. وتثير الاتساع المتزامن لتورط الإدارة العسكرية في أمريكا اللاتينية والحرب الناشئة مع إيران تساؤلات جدية حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في مثل هذا المستوى العالي من الإنخراط العسكري.

جاهزون للهجوم منفردين

عُقد مؤتمر «مواجهة الكارتلات في الأمريكتين» تزامناً مع وصول قادة أمريكيا لاتينية إلى جنوب فلوريدا لحضور قمة إقليمية استضافها ترامب في منزله مار‑أ‑لاجو. حضر المؤتمر مسؤولون من حكومات محافظة حليفة لترامب في الأرجنتين وهندوراس والجمهورية الدومينيكية.

ومع ذلك قال وزير الدفاع بيت هيغسث للحضور إن الولايات المتحدة «مستعدة لمواجهة الكارتلات» وأنها قد «تشن الهجوم منفردة إذا لزم الأمر». وأضاف: «لكن تفضيلنا—and هدف هذا المؤتمر—هو أن نفعل ذلك معاً من أجل مصلحة هذا الحي»، في تلميح إلى رغبة في تعاون إقليمي مع احتفاظ واشنطن بخيارات أحادية.

وأشاد هيغسث كذلك بإعادة ترامب تفسير مبدأ مونرو لعام 1823، الذي سعى لإرساء مجال نفوذ أميركي منفصل عن أوروبا في نصف الكرة الغربي، وأطلقت إدارة ترامب على نهجها الموازٍ تسمية «عقيدة دونرو». وعرض هيغسث ضربات الإدارة ضد قوارب يُشتبه بأنها تهرب مخدّرات كركيزة للحفاظ على النفوذ الإقليمي.

نفّذت القوات الأمريكية على الأقل 44 ضربة جوية ضد زوارق في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي، وأسفرت هذه الضربات عن ما يقدّر بنحو 150 وفاة معروفة. لم تُكشف هويات الضحايا، فيما أفادت عدة عائلات أن صيادين وعمالاً غير منتظمين كانوا من بين المستهدفين. وقال رئيس البنتاغون إن الهدف من هذا الشق من الاستراتيجية هو «إرساء الردع»، مستدلاً بأن العاقبة لو اقتصرت على الاعتقال ثم الإفراج فقد اعتبرها المشتبه بهم تكلفة محتسبة منذ زمن طويل.

يقرأ  محكمة استئناف نيويورك تُلغي غرامة مدنية بقيمة 515 مليون دولار مفروضة على دونالد ترامب

وأشار أيضاً إلى توقف دام «أسابيع قليلة» في فبراير بدون ضربات على الزوارق المزعومة، واعتبر هذا التوقف دليلاً على نجاح الاستراتيجية؛ غير أن ذلك التوقف تزامن مع تصعيد أمريكي للأصول والعتاد في الشرق الأوسط.

تأكيد على «التراث»

لم يشر هيغسث أو ميلر صراحة إلى الحرب مع إيران في حديثهما، لكنهما تطرقا إلى موضوعات تكررت في رسائل الإدارة المتعلقة بالصراع، منها تأييد ترامب لوصفه حكومة إيران بأنها «شنت حرباً على الحضارة نفسها»، وتواترت تقارير عن إشارات مسؤولين عسكريين أميركيين إلى مفاهيم دينية ونصوص نهاية الزمان كأُطر مبررة للصراع.

تعكس هذه التصريحات، بحسب منتقدين، تبنّي ترامب منطق القومية المسيحية ورؤيته للأميركتين كـ«حضارة» منبثقة عن أوروبا مهدّدة بقوى خارجية. واستشهد ميلر بالعنف في التاريخ الأوروبي لتبرير الأعمال العسكرية المعاصرة في أمريكا اللاتينية، مستحضراً فترات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر «استخدمت خلالها وسائل قاسية للتخلص من من يعتدون ويغتصبون ويقتلون ويتحدّون نظم النظام والعدالة القائمة».

كما كرّر ميلر مزاعم ترامب بأن أوروبا تواجه «محو حضاري» نتيجة قيادات يسارية وسياسات هجرة، قائلاً: «سبب معاناة كثير من الدول الغربية اليوم أنها نسيت الحقائق الأزلية والحكم التي كانت تتبعها». ووصف هيغسث دول الحضور بأنها «ذريات الحضارة الغربية»، فاختبر ممثلوها ما إذا كانت أممهم «ستظل أمماً غربية بصفات متميزة، أمماً مسيحية تحت رحمة الله، فخورة بتراثها المشترك بحدود قوية وشعوب مزدهرة تحكمها القوانين لا العنف والفوضى».

وأضاف أن «الاقتحامات» الأجنبية تشكل «أسئلة وجودية» للمنطقة، في إشارة واضحة لتنامي النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي في الأمريكتين.

أضف تعليق