إدارة ترامب تعرض أدلة واهية على تهديد إيراني في حرب «أمريكا أولاً» — أخبار دونالد ترامب

واشنطن، دي.سي. — مع اتساع دائرة الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، بدّلت ادارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبرراتها للحرب بين نَفْيِ هجمات وشيكة ومنع تهديد وجودي طويل الأمد ناجم عن طهران النووية.

ظهر ذلك جليًّا يوم الاثنين، حين بدا ترامب ووزير البنتاغون بيت هيغسث وكأنهما يروجان لحُجّة مفادها أن تراكم سياسات إيران الإقليمية خلال 47 عامًا منذ الثورة الإسلامية، إلى جانب مستقبل برنامجيها للصواريخ الباليستية والنووي، يمثلان تهديدًا فوريًا للولايات المتحدة.

من جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن حليف واشنطن الوثيق، إسرائيل، كان يخطط لشنّ هجوم على إيران. وفي هذه الحالة، توقعت الإدارة أن ترد طهران باستهداف ممتلكات أميركية، مما يبرر – بحسب روايتهم – شن هجوم استباقي.

حتى الآن، لم تقدّم الإدارة أدلة واضحة وكافية تدعم أيًا من ادعاءاتها، بحسب دعاة نزع السلاح والمحلّلين، وكذلك نواب ديمقراطيين حضروا إحاطات سرية مؤخرًا.

«الواقع أنهم عرضوا أدلة قليلة جدًّا، وهذا يمثل مشكلة كبيرة»، قالت إيما بيلتشر، رئيسة منظمة Ploughshares المدافعة عن نزع السلاح النووي، لقناة الجزيرة.

وأضافت بيلتشر: «هذا يعني، أولًا، أنهم لا يعتقدون أنهم ملزمون بتقديم حُجَج للحرب؛ وأنهم قد لا يُسائلون عنها بالضرورة. كما يوحي لي أن الأدلة ربما ليست متوفرة، وأنهم يريدون تجنّب تدقيق معين».

تكاتف الجمهوريون إلى حدّ كبير حول رسائل الإدارة، في حين تعهّد الديمقراطيون بالسعي لفرض أصوات على تشريعات صلاحيات الحرب لتأكيد السلطة الدستورية للكونغرس على التحركات العسكرية للرئيس.

ومع ذلك، لا تزال الإدارة في موقف سياسي هش بينما يتهيأ حزب ترامب الجمهوري لخوض انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وتشير استطلاعات الرأي المبكرة إلى قلة الدعم الصريح من الجمهور الأميركي، على الرغم من أن قاعدة ترامب «اجعل أميركا عظيمة مجددًا» بقيت متماسكة في ردّ فعلها.

ومع تتابع الأيام وتصاعد عدد القتلى من عناصر القوات الأميركية، تتزايد احتمالية مواجهة ترامب بتناقضات وعوده السابقة المناهضة للتدخل.

«كلما طال أمد العملية وكلما كلفت المزيد من الأرواح… صار نقص الأدلة عبئًا ثقيلًا على عنق الإدارة — عبء سيتعيّن عليها تبريره بحلول نوفمبر»، قال بنيامين راد، زميل أول في مركز بيركل بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس في شؤون العلاقات الدولية.

يقرأ  فلسطينيو الضفة الغربية — عالقون بعد إغلاق إسرائيل المعبر الدولي الوحيد

طيف من الادعاءات

متحدثًا من البيت الأبيض يوم الاثنين، أشاد ترامب بـ«قصف برنامج إيران النووي» في الضربات الأميركية التي جرت في يونيو الماضي. لكن بعد لحظات، ادّعى أن جهود إعادة بناء ذلك البرنامج، إلى جانب برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، تشكل تهديدًا للولايات المتحدة.

وقال: «نظام إيراني مزوّد بصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيكون تهديدًا لا يُحتمل للشرق الأوسط، وللشعب الأميركي أيضًا. كانت بلادنا نفسها مهدَّدة، وكانت قريبة جدًا من التعرّض للخطر».

وزعم ترامب كذلك أنه لولا الضربات الأميركية والإسرائيلية «لما ظلّت إيران بعيدة عن امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى أميركتنا الجميلة».

من جانبه، قال داريل كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية مراقبة الاسلحة في واشنطن، إن أي ادعاءات بوجود تهديدات فورية أو متوسطة المدى من إيران فيما يتعلق بقدراتها الباليستية والنووية لا تستند إلى الأدلة المتاحة.

وهذا أمر جوهري، لأن مثل هذه «التهديدات الموشكة» تُعدّ شرطًا ضروريًا لِتبرير الرئيس شنّ هجمات على دول أجنبية بموجب القانون الأميركي الداخلي والقانون الدولي، ما لم يحصل على موافقة الكونغرس.

«لم تكن إيران تملك، قبل هذا الهجوم، القدرة على تخصيب اليورانيوم إلى درجات قنبلية بسرعة ثم تحويله إلى معدن لبناء قنبلة»، قال كيمبال للجزيرة.

«على أقل تقدير، كان سيتطلب ذلك عدة أشهر عديدة، لكن إيران لا تملك حالياً الوصول إلى يورانيومها المخصب بنسبة 60 في المئة. ومرفقها لتحويل اليورانيوم تضرّر وهو خارِج الخدمة. ومرافق التخصيب الكبرى تضرّرت بشدّة نتيجة الضربات الأميركية في 2025».

وأوضح أن إيران، مع امتلاكها قدرات صاروخية تقليدية كبيرة قصيرة ومتوسطة المدى، صرّحت بأنها تقيّد مدى صواريخها الباليستية عند 2000 كلم، وليست قريبة من امتلاك قدرة صاروخية قارية عابرة للقارات.

«التقييم الاستخباري الأخير يقول إن إيران قد تطوّر قدرة صواريخ عابرة للقارات بحلول عام 2035 في حال اتخذت قرارًا بذلك. لذا فإيران ليست قريبة من تهديد ICBM يمكن وصفه بالموشك»، أضاف، في إشارة إلى الصواريخ العابرة للقارات التي تبلغ مسافتها على الأقل 5000 كلم.

الديمقراطيون: لا استخبارات جديدة

يقرأ  حشود هائلة تتجمّع في إسرائيل مطالبةً بصفقة لإطلاق سراح الرهائن وإنهاء الحرب على غزة

قال وزير الخارجية روبيو يوم الاثنين إنه «بالتأكيد كان هناك تهديد وشيك» تَمثّله إيران.

وأضاف: «كنا نعلم أن هناك فعلًا تحركًا إسرائيليًا وشيكًا». «كنا ندرك أن ذلك سيؤدي إلى اندلاع هجوم على القوات الأمريكية، وكنا نعلم أيضاً أنه إذا لم نتصدى لهم استباقياً قبل أن يشنوا تلك الهجمات فسنواجه خسائر بشرية أكبر».

لكن كبار الديمقراطيين الذين اطلعوا خلال الأيام الأخيرة على إحاطات استخباراتية سرية يقولون إنهم لم يُزوَّدوا بأدلة تكفي لتبرير الهجوم.

«أنا عضو في لجنتين تمنحاني الوصول إلى كمٍّ كبير من المعلومات السرية؛ لم يظهر أي تهديد وشيك من إيران تجاه الولايات المتحدة يبرر إرسال أبناءنا وبناتنا إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط»، قال السيناتور تيم كين، العضو في لجنة القوات المسلحة ولجنة العلاقات الخارجية، لشبكة سي إن إن يوم السبت.

وقال السيناتور مارك وارنر، الذي اُطّلع على معلومات سرية تتعلق بإيران الأسبوع الماضي ضمن مجموعة “عصبة الثمانية” التي تضم كبار النواب من كلا الحزبين في الكونغرس، للشبكة: «لم أر أي مصدر استخباراتي يفيد بأن إيران كانت على وشك شن أي ضربة استباقية ضد الولايات المتحدة الأمريكية».

وقالت عدة مصادر لرويترز والأسوشيتد برس، بعد إحاطة مغلقة لطاقم الموظفين في الكونغرس يوم الأحد، إن الإدارة لم تقدم أي دليل على أن إيران كانت تخطط لضربة استباقية، وإنما ركّزت بدلاً من ذلك على تهديد عام أوسع تسببه إيران وحلفاؤها للقوات والأصول الأمريكية في المنطقة.

ترامب يسعى لنجاح سريع
بمجموع ما عرضته الإدارة، يبدو أنها ترد أن «إيران تشكل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة منذ 1979… وأنها مسؤولة عن مقتل عدد أكبر من الأمريكيين مقارنة بأي جهة دولة أو غير دولة؛ وأنها لم تُحاسَب على ذلك» بحسب راد من مركز بيركل.

وعلى هذا الأساس يبدو أن ترامب يتبنّى الحجة التي تقضي بأنه بالنظر إلى مجموع أفعال إيران، بما في ذلك في محادثات النووي غير المباشرة الأخيرة، «ليس أمام الولايات المتحدة خيار سوى اعتبار إيران تهديداً وشيكاً».

وكان وزير خارجية عمان، الذي أيّد وساطته في تلك المحادثات، قد عارض توصيف الإدارة، مؤكداً أن «تقدماً ملحوظاً» قد تحقق قبل الضربات الأمريكية – الإسرائيلية.

يقرأ  ماكرون لشي: على الصين وفرنسا تذليل الخلافات

ورأى راد أنه بمقتضى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، لدى الرئيس الأمريكي مهلة تتراوح بين 60 و90 يوماً لسحب القوات المرسلة دون موافقة الكونغرس. لذا يبدو أن ترامب يقول: «لسنا ملزمين بإقناع الكونغرس إذا استطعنا تنفيذ العملية ضمن نافذة الـ60 إلى 90 يوماً».

من جانبها، أكدت بلتشر من منظمة Ploughshare أن إجراءات الإدارة كانت سبب الأزمة مع إيران.

وأشارت إلى انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة في 2018، الذي أعقبه فرض أقسى عقوبات على إيران، ورد طهران بتوسيع تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تتجاوز اتفاقية الاتفاق. كما أعاق ترامب محادثات نووية العام الماضي عندما شنّ هجمات على إيران.

«نجد أنفسنا في هذا المأزق بالضبط لأن الرئيس ترامب تخلّى عن اتفاق تفاوض عليه سلفه»، قالت بلتشر. «تخلّى عن الدبلوماسية».

حرب «أمريكا أولاً»؟
في خطابه يوم الاثنين بدا هيغسث على نحو خاص يسعى لتأطير الحرب ضمن رؤيته السياسية لترامب، متعهداً بـ«إنهائها وفق شروط أميركا أولاً».

وقارن ذلك بغزو العراق، واصفاً الضربات ضد إيران بأنها «مهمة واضحة ومدمّرة وحاسمة».

«قضوا على تهديد الصواريخ، قضوا على البحرية — لا أسلحة نووية»، قال.

وحاول أيضاً التمييز بين ما أسماه «حرب تغيير نظام مزعومة» والهجمات الأمريكية التي تؤدي بالمصادفة إلى تغيير النظام. وحتى يوم الاثنين كانت الضربات الأمريكية قد أودت بحياة المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، وعدد من كبار المسؤولين، لكن الحكومة الحاكمة لازالت قائمة.

وقال هيغسث إن الولايات المتحدة تشن هجمات «وفق شروطنا، بسلطات قصوى، من دون قواعد تعقيدية سخيفة للاشتباك، من دون مستنقع بناء الأمم، من دون تجارب بناء ديمقراطية، من دون حروب تليق بالتصحيح السياسي».

ولا تزال صورة كيفية تلقّي الجمهور الأمريكي لهذه الرسالة غير واضحة.

أظهر استطلاع لرويترز-إبسوس نُشر يوم الأحد مؤشرات عدم رضى عن ضربات ترامب، لكنه بيّن أيضاً أن قطاعات واسعة من الأمريكيين غير متأكدة بشأن النزاع.

وقد يفتح ذلك مجالاً أمام من يعارضون إجراءات ترامب ومبرراته.

«يبدو أن الرواية ما زالت قابلة للصراع عليها»، قالت بلتشر.

أضف تعليق