طهران، إيران — قال رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، إن حياة أكثر من تسعين مليون إيراني قد تتبدّل يوم الأربعاء مع انقضاء المهلة التي منحها لإيران للتراجع والقبول باتفاق. وأعلن أنه سيتم قصف شبكات الكهرباء والجسور والبنى التحتية الحيوية الأخرى، رغم أن استهداف منشآت مدنية عن عمد يشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي.
مع اقتراب الساعات الأخيرة قبل موعد الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة (23:00 بتوقيت غرينتش)، تسيطر حالة من القلق على الإيرانيين بشأن تبعات هجوم أشار ترامب إلى أنه قد يؤدي إلى «موت حضارة بأسرها» هذه الليلة.
«كلنا نعلم أنه مجنون بما يكفي لتنفيذه، فلا يكترث مادام يعتقد أن ذلك يصب في مصلحته»، هكذا قال أحد سكان طهران عن ترامب، بينما تصاعدت التهديدات النذرية مع اتساع رقعة الحرب التي بدأت بضربات أمريكية-إسرائيلية على إيران أواخر فبراير. طلب الرجل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، وأضاف أنه بات يدخّن أكثر ويعاني أرقاً الليالي الماضية، وأنه يستعد لانقطاع محتمل للتيار خلال الأيام المقبلة بالوسائل المحدودة المتاحة مع تبقّي ساعات من المهلة.
شملت التحضيرات شحن الهواتف المحمولة والحواسيب المحمولة وبنوك الطاقة، وتشغيل الأجهزة المنزلية الضرورية مثل الغسالات، وشراء المواد التموينية الأساسية كالخبز والدقيق ليومين أو ثلاثة قد تكون صعبة. كما ملأ بعض الناس براميل المياه واشتروا قوارير معبّأة، لأن طلمبات المياه تتوقف عند انقطاع التيار، وقد ارتفعت أسعار المياه المعبأة بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب في ظل تضخم مزمن سبق النزاع.
الانقطاعات الطويلة للتيار ستؤدي إلى معاناة للمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصاً من يحتاجون إلى تبريد مستلزمات طبية حيوية أو إلى شحن أجهزة طبية بالتيار الكهربائي. وخلال الأسابيع الماضية قفزت أسعار الأجهزة الكهربائية، لا سيما المولدات الكهربائية، من وحدات صغيرة هادئة تشغّل عدداً محدوداً من الأجهزة إلى مولدات أكبر صاخبة تلتهم الوقود وقد تكفي منزلاً صغيراً لفترات قصيرة.
أحد سكان محافظة جيلان في الشمال قال لقناة الجزيرة إنه اشترى مولداً بسعة 25 لتراً لتشغيل مضخة مياه وبعض الضروريات في فندق-شقة تملكه عائلته. «خفّف ذلك بعض المخاوف لكنني أنفقت تقريباً كل ما كسبناه خلال عطلة نوروز عليه»، قال، مُشيراً إلى تراجع إمكانية استيراد هذه السلع من الخارج بسبب ظروف الحرب ما جعل الحصول عليها أمراً شاقاً.
«نأمل أن نكون عل قيد الحياة» — قال ميلاد علوي، صحفي مقيم في كرج، إن الأيام القليلة الماضية كانت شديدة الصعوبة. المدينة القريبة من طهران شهدت ضربة أمريكية-إسرائيلية كبرى على جسر B1 في 2 أبريل، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة أكثر من 90 آخرين. وأضاف عبر وسائل التواصل أن الناس يشترون الخبز والدقيق والمواد المعلبة وحاويات تخزين المياه، وأن سوق الشموع قد ازداد نشاطه حتى تضاعفت الأسعار ثلاث مرات. «لا أحد يعلم أي قدر ينتظرنا. كل ما نأمله أن نكون أحياء غداً»، كتب.
شهدت محطات الوقود في طهران ومدن أخرى طوابير طويلة ليل الثلاثاء، فيما واصلت إسرائيل قصف الجسور وشبكات السكك الحديدية، وبعد أيام من إخلاء مصانع فولاذية ومرافق بتروكيماوية حيوية عن العمل. وانتقل بعض الإيرانيين إلى مدن أخرى للاختباء مع العائلة أو البقاء في منازل ثانية؛ وقالت امرأة تحدثت إلى الجزيرة إن ابن عمها وعائلته اضطروا للانتقال من مدينة ماهشهر غربي البلاد إلى إحدى محافظات الشمال بعد قصف مكثف استهدف المركز البتروكيماوي الكبير.
يأمل الإيرانيون ألا تستهدف المزيد من البنى التحتية المدنية الحرجة. وهناك بعض التفاؤل بأن نظام توزيع الطاقة نسبياً اللامركزي في إيران قد يخفف من بعض الأضرار المحتملة ويحول دون انقطاعات واسعة المدى أو طويلة الأمد. وقالت وزارة الطاقة في بيان ليلة الثلاثاء إنها «مستعدة بالكامل للأسوأ» ودعت المواطنين إلى التحلّي بالهدوء وتجاهل الإشاعات حول انقطاعات طويلة.
ونقلت وكالة فارس، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أن كثيراً من العاملين في محطات الطاقة أعربوا عن استعدادهم للبقاء بعد انتهاء نوبات عملهم ليل الثلاثاء والأيام المقبلة للتعامل مع أي طوارئ، كما تطوع عدد من المتقاعدين من الفنيين الكهربائيين للعودة إلى العمل عند الحاجة. ونشرت خدمات الطوارئ في طهران أرقام هواتف بديلة للاتصال بها إذا كان المركز الرئيسي غير متجاوب، مؤكدة توافر الاستشارات والخدمات على مدار الساعة.
وأظهرت وسائل إعلام حكومية لقطات لمتظاهرين يتجمّعون أمام محطات توليد الطاقة وعلى جسور رئيسية في أنحاء البلاد احتجاجاً على التهديدات الوجودية التي تواجههم. وأطلق مغنيان فيديوهين منفصلين، أحدهما على سكة قطار والآخر على جسر بطهران، لأداء أغان وطنية، فيما قال الموسيقار علي قمصاري إنه سيستمر في الاحتجاج أمام محطة دامافند التي تزود العاصمة بالطاقة.
في شوارع طهران واصلت مواكب مؤيدة للدولة التجوال، تطلق أغانٍ ثورية من مكبرات على صناديق الشاحنات، بينما تستمر نقاط التفتيش المسلحة في مراقبة الطرق السريعة والشوارع والساحات الرئيسية. وأعلن الحرس الثوري أنه سيوسع أهدافه إلى ما وراء المنطقة وقد يستهدف بنى تحتية حيوية في دول مجاورة ردّاً على التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المعلنة.
وانتقد سياسيون تصريحات ترامب القائلة إن «حضارةً كاملة ستموت الليلة» إذا لم تُعاد فتح مضيق هرمز. وكتب الرئيس المعتدل السابق حسن روحاني في بيان أن «الحضارة الإيرانية — القائمة على المعرفة والفن والأدب، وقبل كل شيء على الإيمان والحكمة والتضحية — انتصرت على كل من حاول تصفية الحضارة وتدمير الوطن».