إيران وغزّة: سياسة عدّ القتلى في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

ثمة أزمة في ايمان وموثوقية الإعلام الغربي، أزمة لا علاقة لها بالوقائع بقدر ما تتعلق بمن تموت أرواحهم بما يخدم مصالح الإمبراطورية.

لفترة تجاوزت عامين ونصف العام، راقَب الإعلام الغربي كل فلسطيني مات، وكل جثة شُوّهت أو تُمزّقت أو احترقت في غزة. هل كانوا بشرًا؟ إن كانوا بشرًا، هل كانوا فعلاً موتى؟ وإن كانوا موتى، هل ماتوا فعلًا بقصفٍ أو رصاصٍ أو تعذيبٍ أو حصار إسرائيلي؟ وإن قُتلوا، كيف يمكن لأحد أن يثبت أنهم ليسوا مقاتلين ـ وبالتالي “استحقّوا” ما حلّ بهم؟

التقارير عن الدمار التي رواها الفلسطينيون على الأرض، وبشهادة أولئك الذين رأوا أحبّاءهم يسقطون واحدًا تلو الآخر، لم تُؤخَذ على محمل الجد. حتى أرقام الوفيات التي تنشرها وزارة الصحة في غزة، والتي يعترف الجميع بأنها أقل بكثير من الواقع، كانت موضع تشكيك متكرر.

حتى أواخر 2025، تفيد وزارة الصحة في غزة بأن ما لا يقل عن 70,117 فلسطينياً قد قُتلوا منذ اندلاع النزاع، وغالبية هؤلاء ضحايا مدنيون. الأمم المتحدة والباحثون المستقلون يتفقون على أن هذا الرقم يُشكّل تقليلاً للواقع. في الأشهر التسعة الأولى من الحرب قُدِّرت الوفيات الناتجة عن الإصابات الرضّية بنحو 64,000 ـ أي بزيادة تقارب 40% على رقم الوزارة، ومن دون حساب الوفيات الناجمة عن انعدام الرعاية الصحية أو المجاعة أو انهيار خدمات المياه والصرف. كل النماذج الديموغرافية تشير إلى ارتفاع الفاتورة البشرية عند احتساب الوفيات غير المباشرة. دراسة نُشرت في The Lancet في يوليو 2024 قدّرت العدد بما يزيد على 186,000. ولا ريب أن مئات الآلاف قد فقدوا حياتهم لاحقًا بسبب القنابل والرصاص والأمراض القابلة للتجنّب والجوع.

تسجّل وزارة الصحة الوفيات عبر مشرحة المستشفيات، وتدوّن الأسماء وأرقام الهويات، فتعد فقط الجثث التي يمكنها التعرف عليها، لأن كثيراً من الجثث في غزة، الممزقة أو المطحونة تحت الركام أو المدفوعة بالدبّابات، لا يمكن أبداً تحديد هويتها. ومع استهداف كل مستشفى في القطاع أو إخراجه عن العمل، كانت هنالك فترات تعذر خلالها على المشرحات عدّ حتى الجثث القابلة للتعريف.

يقرأ  تفشٍّ كارثي للكوليرا يجتاح مخيمات اللاجئين في السودانأخبار الحرب في السودان

ومع ذلك، يصرّ الإعلام الغربي حتى اليوم على رفض تصديق حجم المذبحة، وحتى الأرقام المنقوصة التي ينشرها يلفّها تفسير دائم: “مُثار جدل من إسرائيل”، “لا يمكن تأكيده”، أو “تدّعيه وزارة صحة تديرها حماس” — لا تُعامَل كحقائق راسخة.

والآن، بينما يستمر ما يمكن تسميته إبادة في غزة، وإن كان بوتيرة أبطأ تحت ذريعة “وقف إطلاق نار”، ظهرت في نفس المنطقة قصة أخرى من العنف والموت: إيرانيون خرجوا إلى الشوارع لمقاومة النظام ويُقتَلون أثناء ذلك.

التعامل مع هذه المأساة من قبل نفس المؤسسات الإعلامية التي أمضت سنوات في التشكيك بمدى الدمار في غزة مختلف إلى حدٍّ صارخ.

أرقام وفيات صادمة تُنشر عن إيران، في كثير من الحالات بناء على تقديرات من منظمات في الشتات مثل وكالة أنباء الناشطين في مجال حقوق الإنسان (HRANA)، التي لا تملك وصولاً ميدانياً ولا خطوط اتصال مباشرة داخل البلد، تُقبل كوقائع تقريباً على الفور.

مثال بارز: نقلت شبكة CBS يوم الثلاثاء عن “مصدرين، أحدهما داخل إيران”، أن “ما لا يقل عن 12,000 وربما ما يصل إلى 20,000 شخص قد قُتلوا”. التقرير أشار إلى أن الصحفيين الأجانب غير مسموح لهم بالدخول إلى إيران وسلّط الضوء على انقطاع الاتصالات المستمر، ومع ذلك اعتبر الحصيلة التي أوردها مصدر مجهول موثوقة ونشر بعنوان: “القلق من وفاة أكثر من 12,000 بعد احتجاجات إيران، وفيديو يظهر جثثاً مصطفة في المشرحة.”

الفيديوهات التي تظهر جثثاً مكدّسة، ومشاهد أطفال يحترقون أحياء في خيمهم، وصور لمقابر جماعية، لم تُقبل أبداً كدليل على حصيلة مروّعة مماثلة في غزة.

هذا مجرد مثال واحد.

منذ اندلاع احتجاجات إيران، بدا أن الإعلام الغربي اكتسب فجأةُ فهماً جديداً لما يُعدّ تقريراً موثوقاً ودقيقاً عن أعداد القتلى في أزمة لا يمكنه الوصول إليها مباشرة.

يقرأ  ترامب محق: أوروبا في أزمة — روما

الوفيات في غزة، رغم توثيقها وحصرها بأقصى ما تسمح به الظروف وسط ما يُشبه إبادة جماعية، كانت عرضة للتشكيك المستمر وتُعامل على نحو اعتيادي كغير موثوقة من قبل نفس الصحفيين الذين هم الآن مستعدون وقانعون بقبول أرقام من تُنتجها المعارضة الإيرانية أو، بدقة أكبر، شبكات الشتات الإيرانية في واشنطن.

لماذا؟

يبدو أن الإعلام الغربي يطبق معياراً أقل كثيراً من المصداقية عندما يتعلق الأمر بوفيات إيرانية، لأن تغطية تلك الوفيات، على عكس تغطية الفلسطينيين الذين يُطلق عليهم النار أو يُسحقون أو يُجوعون أو يُعذّبون حتى الموت على يد إسرائيل، تخدم مصالح الإمبراطورية.

آلاف الإيرانيين الذين يُقتلون أثناء احتجاجهم على حكومتهم يمنحون واشنطن ذريعة لتصنيع قبول شعبي لقصف أو إسقاط ذلك النظام، هذه المرة باسم “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية”.

هذا لا يعني أن الإيرانيين الذين يقاومون النظام لا يلقون حتفهم. ولا يعني أنهم لا يستحقّون التصديق أو أن تُهمل وفاتهم لأن عدّها صعب أو لأن النظام يقيّد المعلومات.

نضالهم مهم. موتهم مهم. كل موت بريء مهم.

لكن بينما نستمع إلى الإيرانيين المقاومين، لا يجوز أن نتجاهل نفاق وسائل الإعلام التي تضخّم قصتهم في حين تحوّل كفاحهم ذريعة مريحة للتدخّل الإمبراطوري.

نفس هذه الوسائل رفضت أن تصدقنا لسنوات حين وثّقنا نحن الفلسطينيين مجزرتنا التي مكّنها الأمريكيون. لم يصدقونا عندما قلنا إن إسرائيل تطاردنا ونحن ننتظر المساعدات. لم يصدقونا عندما أبلغنا عن أطفالنا الذين يجمدون أو يموتون جوعاً لأن إسرائيل تمنع الأخشاب والخيم وحتى حليب الأطفال من دخول القطاع.

لم يصدقوا أن موتانا كانوا موتى فعلاً. لم يصدقوا عندما نشرت وزارة الصحة في غزة أكثر من 1,500 صفحة أسماء، أول مئات منها كانت لأطفال دون 16 سنة، ولا عندما قالت الأمم المتحدة إن هذه الأرقام، رغم أنها تقديرات ناقصة، تبقى الأكثر مصداقية المتاحة. كانت جثثنا بحاجة إلى تحقق لا ينتهي.

يقرأ  نجاح جنوب أفريقيا في قمة العشرين: تغيير حقيقي أم انتصار رمزي؟ | الأعمال والاقتصاد

ذلك لأن وفيات الفلسطينيين على يد حليفة واشنطن “الديمقراطية” و”المتحضرة” تكشف قسوة وإفلات القتلة من العقاب وتمثل دليلاً على عنف القوة الأمريكية. جثثنا تتكدّس كدليل على نظام دولي يقرّر أيُّ حياة تُضحى بها. وفي المقابل، تتيح وفيات الإيرانيين على يد نظام ممانع لواشنطن فرصة لتقديم نفسها كمنقذة رحيمة، مستعدة لـ”المساعدة” وإعادة “الديمقراطية”.

هكذا تُتقن وسائل الإعلام الإمبراطورية انتقائية الإيمان. تقارير عن وفيات جماعية إيرانية، حتى لو استندت إلى تقديرات مصادر مجهولة من آلاف الكيلومترات، تحصل على مصداقية فورية.

هذا ليس مجرد فشل صحافي فحسب، بل فشل في الاتساق الأخلاقي. الموت لا يُقاس بالأدلة فقط، بل أيضاً بفائدة السياسة. بعض الجثث تستدعي تحرّكاً، وأخرى تستدعي صمتاً. وحتى تواجه وسائل الإعلام الغربية الدور الذي تلعبه في تحديد أيّ وفيات تستحق التصديق وأيّها لا، ستبقى متواطئة في عنفها الذي تدّعي فقط أنها تراقبه.

وجهات النظر الواردة هنا هي للكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للقناة.

أضف تعليق