استمع إلى هذه المادة | 6 دقائق
المدان الأمريكي في قضايا الاعتداء الجنسي، جيفري ابستين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك تعاونا لأكثر من عقد بهدف جني أرباح من حالة الاضطراب في نجيريا، مستخدمين تقنيات مراقبة طورتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة للدخول إلى قطاعات النفط واللوجستيات المربحة في الدولة الواقعة بغرب أفريقيا، وفق تحقيق أجرته منصة Drop Site News (DSN).
كشف تحقيق DSN، استنادًا إلى مجموعة رسائل بريد إلكتروني أصدرتها وزارة العدل الأمريكية، كيف استغلا الممول الراحل والسياسي الإسرائيلي تمرد بوكو حرام للترويج لحلول أمنية وُصفت بأنها «مجربة ميدانيًا» لدى المسؤولين النيجيريين.
تشير المراسلات إلى أن هذه الصفقات الأمنية استُخدمت في كثير من الأحيان بوابة لمصالح تجارية أوسع، بما في ذلك مشاريع بنية تحتية لشركة DP World واستثمارات في قطاع الطاقة.
تأتي هذه الفضائح بعد أيام من استقالة سلطان أحمد بن سليم من رئاسة مجلس إدارة عملاق اللوجستيات الإماراتي DP World في 13 فبراير، على خلفية الكشف عن علاقاته الوثيقة بإبستين.
أظهرت الوثائق أن إبستين وباراك لم ينظرَا إلى تصاعد العنف في غرب أفريقيا كأزمة إنسانية فحسب، بل كفرصة تجارية. ففي رسالة إلكترونية عام 2014 بشأن الاضطرابات في سوريا وليبيا والصومال، كتب إبستين لباراك: «أليس هذا مثاليًا بالنسبة لك؟» ورد باراك: «أنت محقّ إلى حدّ ما. لكن ليس من السهل تحويل ذلك إلى تدفق نقدي».
«مجربة ميدانيًا» ضد الفلسطينيين
تفصّل الملفات كيفية تسويق شركات أمنية إسرائيلية لتقنياتها في نيجيريا بوصفها «مجربة ميدانيًا»، في إشارة إلى أنظمة طُبِّقت من قبل الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال.
في 2015، استثمر باراك وشريك تجاري 15 مليون دولار في شركة FST Biometrics، التي أسسها رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أهارون زئيفي فاركاش. التقنية الأساسية للشركة، نظام القياسات الحيوية المعروف باسم «بازل»، كانت قد جُرِّبت مبدئيًا عند معبر بيت حانون (إيرز) بين إسرائيل وقطاع غزة المحاصر للسيطرة على تحرّك العمال الفلسطينيين.
أثناء تصارع الجيش النيجيري مع بوكو حرام، سهّل باراك بيع معدات مراقبة حيوية مماثلة لجامعة بابكوك، وهي مؤسسة مسيحية في نيجيريا، وقد عُرض المشروع كمبادرة لمكافحة الإرهاب، فيما تباهى بيان صحفي آنذاك بأن التكنولوجيا «ستفلتر كل الأشخاص غير المرغوب فيهم».
تشير الرسائل إلى أن هذا الاختراق الأولي أتاح لباراك ترسيخ خبرة سيبرية إسرائيلية داخل مؤسسات الدولة النيجيرية. وبحلول عام 2020، استعانت مجموعة البنك الدولي بالإدارة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلية وبشركة ناشئة شارك باراك في تأسيسها لصياغة البنية التحتية السيبرانية الوطنية لنيجيريا.
الموارد واللوجستيات
تدل الوثائق على أن التعاون الأمني غالبًا ما كان ذريعة للوصول إلى ثروات نيجيريا الهائلة. إذ سهّل إبستين محادثات رفيعة المستوى لصالح DP World بهدف تأمين امتلاك موانئ في لاجوس وباداغري.
في صيف 2018، روّج إبستين لمباحثات بين جيد زيتلين، رئيس صندوق الاستثمار السيادي النيجيري آنذاك، وُبين سلطان بن سليم. وتظهر الوثائق محاولات إبستين الالتفاف على عقوبات أمريكية مفروضة على شخصيات مرتبطة بقطاع التعدين لتسهيل هذه الصفقات.
وفي رسالة إلى إبستين في سبتمبر 2018، كتب زيتلين: «آمل أن تكون إقامة صديقك في تل أبيب… كانت أكثر فعالية من جهوده في القارة الأفريقية»، في إشارة إلى التطبيع الدبلوماسي الذي كان إبستين وبن سليم يعملان على رعايته بين إسرائيل والإمارات قبل أعوام من اتفاقات إبراهيم.
«أصدقاء لإسرائيل»
تُبرز المراسلات مدى النفاذ الذي حصل عليه إبستين وباراك داخل أروقة الحكومة النيجيرية. ففي 2013 حضر باراك مؤتمرًا حول الأمن السيبراني في أبوجا وصفه المنظمون داخلًا بأنه غطاء لترتيب لقاءات مع رئيس الدولة آنذاك غودلاك جوناثان.
كتب منظّم الحدث لباراك: «العشاء وسيلة ممتازة أخرى … للالتقاء بأصدقاء جيدين لإسرائيل وكسب أصدقاء جدد لإسرائيل أيضاً».
بعد هذه اللقاءات شرعت شركة الدفاع الإسرائيلية إلبِت سيستمز في مشروع مثير للجدل لمراقبة الإنترنت في نيجيريا، على الرغم من معارضة البرلمان النيجيري.
وتكشف الوثائق كذلك أن إبستين أيّد ووجّه باراك حول كيفية تحويل هذه العلاقات الأمنية إلى مكاسب شخصية. عندما شارك باراك تفاصيل مالية لصفقة نفط محتملة، ردّ عليه إبستين بنصيحة صارمة: «قلت لك هاتفيًا قبل أن ترسل أو تسأل أي أحد عن الأمر: عليك أن تقوم بواجبك المنزلي بنفسك».
تعرّضت صلات إبستين بإسرائيل لتمحيص أكبر بعد إفراج ملايين الوثائق، التي كشفت تفاصيل إضافية لتعاملاته مع نُخبة عالمية ومن ضمنهم باراك، وكذلك تمويله جماعات إسرائيلية متعددة، بما في ذلك مناصرو جيش إسرائيل والمنظمة الاستيطانية المعروفة بالصندوق القومي اليهودي، وارتباطاته بأجهزة استخبارات إسرائيلية خارجية مثل الموساد.
أعرب باراك، الذي تولى قيادة إسرائيل بين 1999 و2001، عن ندَم على علاقته الطويلة بإبستين. ورغم أن إبستين أُدين عام 2008 بتسهيل استغلال قاصر للدعارة وقضى نحو عام في السجن خلال فترة علاقتهما، ظل باراك محافظًا على علاقة شخصية وتجارية وثيقة، مدعيًا أنه لم يكن على دراية بمدى جرائم إبستين حتى انفتاح تحقيق أوسع ضده عام 2019.