نجاح اليمين المتطرّف في انتخابات الأقاليم الشهر الماضي في إسبانبا الغربية كان أمراً متوقَّعاً. بعد سلسلة اتهامات بالفساد والتحرّش الجنسي التي طالت حكومة الحزب الاشتراكي بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيزّ منذ الصيف، بات معروفاً في كل أرجاء إسبانيا أنه لن يتمكن من تحقيق انتصار. وعلى الرغم من أن إقليم إكستريمادورا كان تاريخياً معقلاً لحزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE)، إلا أن السلطة باتت منذ 2023 في يد تحالف بين حزب الشعب المحافظ (PP) وحزب فوكس اليميني المتطرّف.
هذا التحالف، الذي كان حتى وقت قريب يحكم أقاليماً استراتيجية أخرى في إسبانيا مثل فالنسيا ومورثيا، يبدو مستعداً للانقضاض على السلطة الوطنية في الانتخابات العامة المقبلة عام 2027. وإن تحقق انتصاره فقد يبقي أوروبا بلا حكومات اشتراكية عملياً. وحكومة الدانمارك التي تقودها ميتة فريديريكسن — والتي تُعدّ آخر مثال يشار إليه غالباً كحكومة ذات توجهات اشتراكية — تبنّت في الفترة الأخيرة خطاباً متشدّداً ضدّ الهجرة يبتعد عن المبادئ الاشتراكية التقليدية.
لكن لماذا يتجه سانشيز نحو الهزيمة رغم أن بلاده باتت إحدى محركات الاقتصاد الأوروبي، وأن حكومته تقود الانتقال الأخضر وتعدّ من القلائل الذين ندّدوا بما وصفوه بالإبادة في غزة؟ وكيف ستؤثر هذه الهزيمة الحتمية على البرلمان الأوروبي الذي يواجه أصلاً تهديدات من قادة اليمين المتطرّف عبر القارة؟
عند تمكن سانشيز من تشكيل ائتلاف بعد انتخابات 2023 العامة، لم يكن الائتلاف مثالياً. ضمن حلفائه كان تحالف “سومار” الذي يضم أحزاباً يسارية، وحزب “جونتس” الكاتالوني المؤيد لاستقلال كاتالونيا والذي يتخذ مواقف محافظة في كثير من القضايا؛ وكلاهما هدد مراراً بالانسحاب إذا لم تُلبَّ مطالبهما. استطاع رئيس الوزراء إدامة الائتلاف الهش حتى خريف هذا العام، حين سحب الحزب الكاتالوني دعمه على خلفية صلاحيات تتعلق بالهجرة.
وتحت ضغط صعود حزب يميني جديد مستقل، أليانزا كاتالانا (تحالف كاتالونيا)، طالب “جونتس” بصلاحية ترحيل المهاجرين المدانين الذين يعيدون ارتكاب الجرائم، وهو مطلب أثار جدلاً واسعاً. ومع أن “سومار” لم تنسحب رسمياً من الائتلاف، فقد اتهمت الاشتراكيين مراراً بتجاهل سلسلة من التحقيقات في الفساد وادعاءات تحرّش تتعلق بكبار مسؤولّي الحزب.
تتضمن هذه الاتهامات اتهامات فساد خطيرة ضدّ وزير الأشغال العامة والنقل السابق خوسيه لويس أبالوس، الذي وُضع قيد الحجز الاحتياطي قبل المحاكمة، ويُحاکَم بتهم رشوة واستغلال النفوذ واختلاس أموال تتعلق بعقود عامة خلال جائحة كوفيد-19. كما تشتمل على اتهامات بسوء السلوك الجنسي ضدّ فرانسيسكو سالازار، الذي كان مسؤولاً عن التنسيق المؤسسي في القصر الملكي (مونكلوا) — مكتب المقيم الرسمي لرئيس الوزراء — والتي لم يتخذ الحزب إزاءها إجراءات حاسمة.
هذا التقصير، إلى جانب احتجاز الوزير السابق، بدأ يمحو إنجازات حكومة سانشيز الاشتراكية، التي منحت أمثلة واضحة على كيفية مواجهة صعود اليمين المتطرّف داخل إسبانيا وخارجها. فاستجابةً لخطة اليمين المتطرّف لخصخصة المؤسسات العمومية وتقليص العمالة، سعى رئيس الوزراء إلى ترسيخ دولة رفاهية من خلال تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
شهدت إصلاحات سوق العمل رفع الحد الأدنى للأجور وحماية المعاشات بربطها بتكاليف المعيشة. ولم يكن مفاجئاً أن تصنّف مجلة الإيكونوميست إسبانيا في صدارة دول العالم المتقدِّم من حيث الأداء الاقتصادي. كما نجح سانشيز في جذب استثمارات كبيرة في الطاقات المتجددة، ما جعل إسبانيا وجهة رائدة في مشاريع الطاقة النظيفة بأوروبا.
وتشير بيانات الجهات المعنية بالضمان الاجتماعي والهجرة إلى أن نحو 45% من الوظائف المخلوقة منذ 2022 شغلها عمال مولودون في الخارج، الذين يشكّلون اليوم حوالى 13% من القوة العاملة، ما يبرز مساهمة العمالة المهاجرة في توسع سوق العمل.
وعلى خلاف معظم أحزاب وسط اليسار الأوروبية، حافظ سانشيز على موقف اشتراكي تقليدي تجاه رفض سباق التسلّح وارتفاع الإنفاق العسكري، ما أثار ردود فعل غاضبة من عدة دول أوروبية، وبالأخص من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. حين رفض رئيس الوزراء تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري في قمة حلف الناتو، هدّد ترامب إسبانيا بعباراته الصاخبة وهدد بأنها «ستدفع الثمن مضاعفاً».
غير أن تصعيد التسلّح — الذي يبدو كحلّ وحيد في نظر بعض النخب الأوروبية للخروج من أزمتها الاقتصادية — لم يكن الساحة الوحيدة التي فتحها سانشيز ضد إدارة ترامب؛ فقد طالب أيضاً بوضع قواعد أشدّ صرامة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وكانت واشنطن على رأس المعارضين لهذه المطالب، حتى إنها فرضت عقوبات على تأشيرات لمسؤول أوروبي سابق وموظفين في منظمات مكافحة التضليل بتهمة مزعومة هي الرقابة.
وراء خطوة الولايات المتحدة لا يقف اعتراض حقيقي على تحوّل مقلق نحو الرقابة الأوروبية، بقدر ما تتجلى رغبة في حماية هيمنة عمالقة الويب الأمريكيين. لم يتبنَ أي حزب اشتراكي آخر موقف سانشيز، ومعظم قوى اليمين، وعلى رأسها حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا، تظهر خضوعاً تامّاً للنافذة الأمريكية.
أزمة وسط اليسار الأوروبي هي أزمة تمس جوهر فكرة الاشتراكية نفسها. لقد شهدت معظم الأحزاب الاشتراكية الأوروبية تحوّلات خلال العقدين الماضيين نحو سياسات ليبرالية أكثر باباً وبسطاً. خذ مثال كير ستارمر في المملكة المتحدة أو إيليشلين في إيطاليا؛ فهما يتبنّيان مواقف حمائية تدعم تدخلات عسكرية في أوكرانيا، ولا يختلفان عملياً عن الأحزاب الليبرالية في سياساتها الاقتصادية.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة JL Partners لصالح صحيفة الإندبندنت أواخر ديسمبر، عبّر ناخبو حزب العمال البريطاني عن استياء عميق من قيادة ستارمر؛ وبغالبية ثلاثية ضد واحد، اعتبر المشاركون أن الحزب سيكون أكثر قدرة على الفوز في الانتخابات المقبلة لو تم استبدال ستارمر. تعكس هذه المرارة أزمة أوسع تواجه وسط اليسار الأوروبي، حيث بات قادة أحزاب يُسمَّون «اشتراكيين» عمليا غير مميزين عن نظرائهم الليبراليين.
وبالرغم من أن سانشيز ما زال يحظى بشعبية بين الناخبين اليساريين، فستكون مهمته صعبة للغاية في الانتخابات المقبلة في أراغون وكاستيا وليون وأندلوسيا هذا الربيع. ستُذكر الاستثنائية الاشتراكية الإسبانية بأنها آخر محاولة للرد على أزمة اليسار الأوروبي واستيلاء اليمين المتطرّف.
الآراء المعبر عنها في هذه المقالة تخص كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.