التشافيزمو — ما هو وهل انتهى بعد ادعاءات اختطاف مادورو من قبل الولايات المتحدة؟ أخبار توترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا

لعدة عقود بدا احتمال تحالف سياسي بين فنزويلا والولايات المتحدة أمراً مستبعَداً، إذ عرّفت كاراكاس نفسها عبر الشافيزية — إيديولوجيا شعبوية يسارية متجذّرة في مقاومة الامبريالية ومواجهة سياسات واشنطن.

لكن بعد أن أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ”اختطاف” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يوم السبت، وتلا ذلك إصرار من واشنطن على أن تتلقى حكومة كاراكاس المؤقتة أوامرها من الولايات المتحدة، برزت تساؤلات حول مستقبل الشافيزية في فنزويلا.

ما هي الشافيزية؟
الشافيزية مُسماة على اسم مؤسسها هوغو تشافيز، الزعيم السياسي الاشتراكي الصريح الذي حكم فنزويلا من 1999 حتى وفاته عام 2013. تقوم هذه الإيديولوجيا على سياسات وإصلاحات تبنّاها تشافيز خلال رئاسته، واستُلهمت جزئياً من أفكار القائد العسكري اللاتيني سيمون بوليفار، الذي ناضل من أجل استقلال دول أمريكا اللاتينية عن الاستعمار الإسباني في القرن التاسع عشر.

قدّم تشافيز سلسلة إصلاحات اجتماعية هدفها تقليص الفقر وتحقيق مزيد من المساواة، شملت دعم الدولة لبرامج الرفاه الاجتماعي وتأميم قطاعات صناعية، ومواجهة ما وصفه بسياسات إمبريالية من دول مثل الولايات المتحدة، التي بحسبه كانت تعطي الأولوية للرأسمالية على حساب حقوق الإنسان. قال تشافيز في زيارة للولايات المتحدة عام 2006: «الرأسمالية طريق الشيطان والاستغلال». وأضاف: «لو أردتم أن تنظروا إلى الأمور بعيون يسوع المسيح، الذي أعتقد أنه كان أول اشتراكي، فحينئذ لا يمكن إلا للاشتراكية أن تخلق مجتمعاً حقيقياً».

إلى جانب حزب الوحدة الاشتراكية الفنزويلية الذي أسّسه تشافيز، تدعم أحزاب أخرى مثل الحركة الثورية التوبامارو وحزب “الوطن للجميع” هذه الإيديولوجيا.

خلف مادورو تشافيز بعد وفاته؛ وهو سائق حافلة سابق من كاراكاس كان من أنصار تشافيز المقربين ويُنظر إليه غالباً كخليفته. في جنازة تشافيز في مارس 2013 تعهّد مادورو بمواصلة مسيرة الشافيزية قائلاً إن فنزويلا ستحكم بالديمقراطية والاشتراكية: «سنواصل حماية الفقراء. سنواصل توفير الغذاء لمن يحتاجه. سنواصل بناء تعليم أولادنا. سنواصل بناء الوطن الكبير. سنواصل بناء السلام… سلام لقارتنا، وسلام لشعبنا».

يقرأ  إسرائيل تُرحّل غريتا ثونبرغ ونشطاء آخرين من «أسطول حرية غزة»

لكن من الصعب حصر الشافيزية كإيديولوجيا اشتراكية موحّدة لأنها كانت — بحسب يوليتي براشو، أستاذة العلوم السياسية في جامعة أفينيون — حركة غير متجانسة. تشكّلت عبر التقاء فئات متنوعة من الحركات الاجتماعية والأحزاب اليسارية التاريخية والفاعلين العسكريين، والحفاظ على انسجام نسبي بين هذه القطاعات كان أحد تحديات عهد الشافيزية الديمقراطي. ومع ذلك، ومع تكاثف عناصر الاستئثار السلطوي، تقلّصت هذه التعدّدية لصالح مصالح النخبة السياسية والعسكرية وقدرتها على البقاء في السلطة.

هل نجحت الشافيزية في فنزويلا؟
وفق تقرير صدر في مارس 2013 عن مركز البحوث الاقتصادية والسياسية، شهدت فنزويلا تراجعاً كبيراً في مستويات الفقر بعد وصول تشافيز إلى السلطة — إذ انخفض الفقر بنحو خمسين بالمئة تقريباً، فيما تراجع الفقر المدقع بأكثر من سبعين بالمئة — كما أدّت تأميم صناعة النفط إلى نمو اقتصادي في فترات لاحقة.

إلا أن منتقدين أشاروا إلى أن القطاع الخاص ظل مسيطراً على جزء كبير من الحياة الاقتصادية. تقرير لوكالة أسوشيتد بريس عام 2010 استند إلى بيانات البنك المركزي الفنزويلي وذكر أن القطاع الخاص كان يتحكم بنحو ثلثي الاقتصاد، وهي نسبة لم تتغيّر كثيراً منذ انتخاب تشافيز في 1998. وفي مقابلة عام 2017 قال المفكر والنشطاء السياسي نعوم تشومسكي إن إيديولوجية تشافيز «كانت بعيدة إلى حد كبير عن الاشتراكية»، لأن الرأسمالية الخاصة استمرت و«كان بإمكان الرأسماليين تقويض الاقتصاد بطرق متعددة».

يذهب كثيرون أبعد من ذلك ويقولون إن الشافيزية ماتت عملياً تحت حكم مادورو، الذي حكم بأسلوب متشدّد. كان من المفترض أن تكون حماية حقوق الإنسان محوراً أساسياً في المشروع الشافيزى، لكن منذ تولي مادورو باتت منظمات حقوق الإنسان توثّق قمع المدافعين عن الحقوق والمحتجين، ومحاولات لتنظيم تغطية الإعلام للاحتجاجات والأحداث السياسية، ووقائع انتهاكات حقوقية متعددة تضمنت توقيفات تعسفية لقيادات معارضة.

يقرأ  أنتوني جوشوا يطيح بجيك بول بضربة قاضية في الجولة السادسة من نزال الوزن الثقيلأخبار الملاكمة

تقول براشو إن حكومات الشافيزية تحت تشافيز ومادورو سعتان في بدايتهما إلى توسيع الشراكة السياسية والعدالة الاجتماعية، لكنهما أيضاً أظهرتا فساداً واستبداداً متزايداً، مما أدى إلى شعور شريحة واسعة من السكان وحتى بعض قوى المعارضة بأنهم غير ممثلين من قِبَلها. إضافة إلى ذلك، وتحت حكم مادورو، بدأ الاقتصاد يتقلص بشكل حاد؛ فبحسب صندوق النقد الدولي تقلّص اقتصاد البلاد بين 2014 و2021 بنحو ثمانين في المئة تقريباً.

تقول ريناتا سيغورا، مديرة برنامج أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في مجموعة الأزمات الدولية، إن الشافيزية في بداياتها كان لها أثر كبير في إعادة توزيع الثروة، والأهم من ذلك إدخال قطاعات واسعة كانت مهمشة تاريخياً إلى الساحة السياسية. لكنها أيضاً فقدت زعيمها الذي أسر خيال كثير من الفنزويليين، وخلال عهد مادورو فقد النظام جزءاً كبيراً من تماسكه الإيديولوجي. أصبح الشافيزمو اليوم مجرد وعود جوفاء نتيجة الفساد، والعجز في إدارة الدولة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى تآكل مؤيديه لدى غالبية الفنزويليين.

وفق مجلة America’s Quarterly المتخصصة في شؤون أميركا اللاتينية، شكّل في 2016 جماعات عرفت نفسها باسم «تشافيستاس نو-مادوريستاس»؛ أي مناصرو تشافيز الذين يعترضون على أسلوب حكم مادورو. هؤلاء كوّنوا تحالفاً أطلقوا عليه «المنصة للنضال من أجل الشافيزمو واليسار» في محاولة للحفاظ على إرث تشافيز، إن لم يكن بالضرورة على طريقة تطبيق مادورو له.

ورغم جيوب المعارضة داخل الحركة، ظل قسم كبير من مناصري الشافيزمو وفياً لمادورو، إلى حد كبير بسبب الحوافز الاقتصادية التي قدّمها والإجراءات التي تبنّاها لمواجهة العقوبات الأميركية والحدّ من النفوذ الأجنبي في شؤون البلاد.

منذ 2005، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أفراد وكيانات فنزويلية بتهم «أعمال إجرامية أو مناهضة للديمقراطية أو فساد». وفي 2017، خلال ولاية ترامب الأولى، أضافت واشنطن عقوبات مالية واسعة على الحكومة بذريعة تراجع المسار الديمقراطي. ومنذ ذلك الحين يتّهم مادورو الولايات المتحدة بالتدخّل وإفقار البلاد.

يقرأ  لليلة الخامسة على التوالي… مكاتب حزب الحكم في صربيا تُضرم فيها النيران خلال الاحتجاجات

هل سينجو الشافيزمو بعد اختطاف مادورو؟

بعد أن نُقِل مادورو إلى نيويورك على يد قوات أميركية يوم السبت، صرّح ترامب بأن الولايات المتحدة ستتولى إدارة شؤون فنزويلا، وأن الحكومة المؤقتة برئاسة دلسي رودريغز يجب أن تتلقى أوامر واشنطن. من جهتها، دافعت رودريغز، التي كانت من أشدّ المناصرين لتشافيز ومادورو وشغلت منصب وزيرة النفط ثم نائب الرئيس، عن مبادئ الشافيزمو والتزمت بالحفاظ عليها. وقالت في خطاب متلفز: «لن نعود أبداً مستعمرة لأية إمبراطورية» في إشارة إلى تاريخ الاستعمار الإسباني، وأضافت أن «حكومة فنزويلا هي المسؤولة عن بلدنا ولا يحكمنا أي عميل أجنبي».

ترى سيغورا من مجموعة الأزمات أنه ما يزال هناك عناصر «أيديولوجية متشددة» داخل السلطة بعد سقوط مادورو، لكنّ هدفهم الأساسي هو البقاء في السلطة. وأضافت أن دلسي وآخرين يحتفظون على الأقل ببياض الخطاب الشافيزمي، لكن من المبكر القول ما إذا كانت الحكومة قادرة على الاستمرار بنفس آليات العمل. كما لفتت إلى أن الإدارة الأميركية تعارض أي نظام اشتراكي حتى لو كان اسمه فقط اشتراكياً.

وتشير براشو إلى أن الولايات المتحدة أظهرت مقدرتها على إسقاط الحكومة إذا لم تلتزم كاراكاس بالقواعد الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته خرقت القانون الدولي باعتقال مادورو والمطالبة بالوصول إلى موارد فنزويلا الطبيعية. وحذّرت من أن تفاوض الحكومة المؤقتة مع ترامب وتقديم تنازلات قد يفضي إلى بقاء حكومة تشافيزمو قمعية في الداخل بينما تسود أجندة واشنطن في الخارج.

«هذا سيجعل بناء مستقبل يطمح إليه الشعب الفنزويلي أمراً بالغ الصعوبة»، كما قالت، مُذكرة بأن البلاد تضم أكثر من ألف سجين سياسي، وأن المواطنين يعيقهم الشعور بالقمع، فيما تزداد مخاوف الشتات الفنزويلي في الخارج. لذا، شدّدت على ضرورة وضع مصالح الشعب الفنزويلي في المقام الأول.

أضف تعليق