الجيش الفنزويلي: مفتاح مستقبل البلاد تحليل دور القوات المسلحة في تحديد مصير فنزويلا وسط توتر العلاقات مع الولايات المتحدة

لما يقرب من سبعٍ وعشرين سنة، كانت القوات المسلحة الوطنية البوليفارية (فانب) حليفاً صلباً للرئيسين هوغو شافيز ونيكولاس مادورو، بينما تحوّلت تدريجياً من بديلٍ مفترض للنسق الليبرالي الغربي إلى جهةٍ تدعم السياسات السلطوية.

ساهمت الفانب في تفكيك مؤسسات التشكيل السياسي السابق وقمع أقوى المعارضين. وفي المقابل، منحت حكومتا شافيز ومادورو الجيش صلاحيات أوسع داخل الحياة السياسية: مناصب وزارية، ولايات حكم، سفارات، وإدارات بلديات والمؤسسات العامة.

لكن اختطاف مادورو على يد قوات خاصة أمريكية يوم السبت الماضي صار ضربةً لصورة الجيش كحامٍ للدولة: فقد أُختطف الرئيس المخلوع من أكبر مجمّع عسكري فنزويلي، فويرتي تيونا، في عملية أكّدت الثغرات في تجهيزات الفانب التقنية وبروتوكولات دفاعها.

اليوم يواجه الجيش معضلة محورية: إما أن يُقدِم على تغييرات تُبقيه ضامناً لصفقات تُروّج لها إدارة دونالد ترامب في الولاات المتحدة والرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغز في كاراكاس، أو أن يخاطر بتصاعد هجمات أمريكية تُضعف موقعه ونفوذه.

الصعود قبل السقوط

على مدار السنوات، اتسع نفوذ الفانب ليشمل أدوار إنفاذ القانون، حتى حلّ في كثير من الحالات محل الشرطة المحلية والدولة. وتسارعت هذه الظاهرة بعد الانتخابات الرئاسية في 28 يوليو 2024، عندما دخلت حكومة مادورو في أزمة شرعية غير مسبوقة وسط اتهامات واسعة بتزوير فرز الأصوات.

نشأت دولة بوليسية حيث ارتقى مستوى المراقبة الجماعية على المعارضين إلى آفاق جديدة. واعتمدت السلطة على الفانب للبقاء على قيد الحياة، جزئياً عبر إدماج عناصر من الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي (PSUV)، ومجموعات شبه عسكرية (المعروفة باسم «الكوكتيفوس»)، والشرطة السياسية والعدلية والعسكرية؛ ما شكّل إطاراً أمنياً وصفته الدولة بأنه «تحالف مدني–عسكري–شرطي».

ما بعد مادورو

هذا النفوذ يجعل من الجيش لاعباً حاسماً في أي انتقال سياسي في فنزويلا. يرى محلّلون أن أي حكومة تُقام في البلاد، سواء عبر مسارات ديمقراطية أو بالقوة، لا تستطيع الحكم دون دعم المؤسسة العسكرية.

يقرأ  كيمي أنتونيلّي — نجم الفورمولا واحد — يتنكر لقيادة الجوكارت في ميلتون كينز

حالة إدارة ديلسي رودريغز ليست استثناءً: رغم موافقة ترامب الضمنية على تولّيها قيادة مرحلة ما بعد مادورو، تحتاج الرئيسة المؤقتة إلى قبول ودعم المؤسسة العسكرية لدرء تفاقم التوترات السياسية والاجتماعية؛ وهذا القبول هو السبب الأهم لثقة الإدارة الأمريكية بها بدلاً من قائدة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو.

في المقابل، كشفت عملية اختطاف مادورو عن هشاشة الفانب. والفجوة الشاسعة في القدرات مقارنة بالقدرة العسكرية الأمريكية تترك فنزويلا عرضة لهجمات مستقبلية، على الرغم من تصريح ترامب الحالي بعدم وجود خطط فورية. وهذا التهديد يشكّل أقوى دوافع الفانب للقبول بتسويات، وربما يجعل قياداتها منفتحة على المشاركة في الانتقال السياسي الذي تقوده رودريغز.

ماذا ينتظر الجيش؟

سيسعى الجيش، بقدر الإمكان، إلى المحافظة على مكانته داخل النظام السياسي. ولتحقيق ذلك، ستصبح مطلوبة منه سلسلة من التنازلات التي كانت حتى وقت قريب تبدو مستحيلة سياسياً.

أولاً، ينبغي على قادة الفانب نزع أي صلات افتراضية أو حقيقية باتهامات الاتجار بالمخدرات — وهي الحجة الرسمية التي استندت إليها الولاات المتحدة في حملتها العسكرية ضد فنزويلا.

ثانياً، سيتعيّن عليهم القبول باتفاق نفطي جديد مع الولايات المتحدة، يمنح شركات أمريكية نفوذاً كبيراً على احتياطيات وإنتاج النفط الفنزويلي.

ثالثاً، قد يكون من الضروري، خلال مسار الانتقال، أن تقلل الفانب من نشاطها القمعي تجاه المدنيين؛ وهذا يعني عملياً تقليص دورها داخل الدولة البوليسية الراهنة أو تفكيك ما يُعرَف بالـ«تحالف المدني–العسكري–الشرطي».

أخيراً، على القيادة العسكرية أن تُغلق الصفوف مع الرئيسة المؤقتة رودريغز، لأنها تمثّل القناة المباشرة وربما الأخيرة للتواصل مع إدارة ترامب. داخلياً يمكن للجيش أن يبرّر هذا التقارب بأنه ضروري لاستقرار البلاد وسط فراغ ونزاع ناجمين عن رحيل مادورو.

تبني هذه التغييرات يعني أساساً أن الجيش سيضمن ويلتزم بالاتفاقات بين رودريغز وترامب، ويلعب دور عامل استقرار في مرحلة ما بعد مادورو — صيغة معتادة لدى واشنطن التي اعتمدت عبر عقود على مؤسسات تقودها القوات المسلحة في دول عدة، من مصر إلى باكستان وتايلاند وغيرها.

يقرأ  فرح ومريم: طفولة تحت الحصار في غزة

خيارات الجيش اليوم محدودة. أما الفشل في التكيّف والتعاون مع ترامب ورودريغز فسيُعرّضه لخطر هجوم أمريكي جديد، وحال وقوع ذلك ستنهار مصداقية المؤسسة والقيادة الحالية، مع تعميق أكبر للاقتصاد والسياسة والاضطراب الاجتماعي في البلاد.

أضف تعليق