الحجة القانونية لإيران لشن ضربات في الخليج تنهار تحت التدقيق — الصراع الإسرائيلي-الإيراني

دول الخليج أمضت سنوات تحاول أن تصبح وسيطاً للسلام بين إيران والغرب: قطر توسطت في محادثات نووية، وسلطنة عمان قامت بدور دبلوماسي عبر قنوات خلفية، والمملكة العربية السعودية حافظت على حوار مباشر مع إيران خلال 2024 واستمر تواصلها حتى عام 2025. ومع ذلك هاجمتها إيران. الفكرة القائلة بوجود مسؤولية، بل مسؤولية أخلاقية، على دول الخليج لحماية إيران من نتائج أفعالها باسم حسن الجوار تبدو الآن مروعة في سياق ما حدث. إيران لم تردّ بحسن جوار؛ إيران ردّت بصواريخ باليستية.

ادعاء إيران يقوم على ثلاث فروض. أولاً، أن إيران تصرفت دفاعاً عن نفسه بمقتضى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ ثانياً، أن دول الاستقبال تخلت عن سيادتها الإقليمية بالسماح بوجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها؛ وثالثاً، أن تعريف الاعتداء في القرار 3314 يبرر اعتبار تلك القواعد أهدافاً عسكرية مشروعة. كل واحد من هذه الفروض معيب قانونياً، منحازة حقائقياً، وخاطئ تكتيكياً. وعند تجميعها، تتكوّن حجة قانونية، وإذا قُبلت، فستضمن بقاء الخليج منطقة مضطربة بشكل دائم، وتدمير المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وفي مفارقة لافتة، تعزز ذات التهديدات الأمنية التي تدّعي إيران أنها تتصدى لها.

ادعاء الدفاع عن النفس لا يفي بالعتبة القانونية المطلوبة

ميثاق الأمم المتحدة، في المادة 51، يسمح باستخدام القوة فقط دفاعاً عن النفس ضد “هجوم مسلح”، والمصطلح هذا لم يُعرف تبعاً للدولة المطالبة به. محكمة العدل الدولية، في قضايا مثل الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في وحـــدود نيكاراغوا (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة) (1986) ومنصات النفط (إيران ضد الولايات المتحدة) (2003)، فسرت متطلب “الهجوم المسلح” تحت المادة 51 تفسيراً ضيقاً. ميزت المحكمة بين أخطر صور استخدام القوة، التي تؤهل لتصبح هجوماً مسلحاً يستتبع حق الدفاع عن النفس، وبين استخدامات أقل خطورة للقوة لا ترتقي إلى مستوى الهجوم المسلح. وبناءً عليه، ليست كل عملية استخدام للقوة، مثل حوادث طفيفة أو نشاطات عسكرية محدودة، بمثابة هجوم مسلح. في هذا الإطار، مجرد وجود قواعد عسكرية أجنبية في دول الخليج، حافظت عليها لعقود بموجب اتفاقيات دفاعية مع حكومات مضيفة، لا يشكّل بحد ذاته هجوماً مسلحاً ضد إيران.

كما أن مبدأا الضرورة والتناسب جزءان من عرف القانون الدولي، ويتطلبان أن يكون الدفاع عن النفس ضرورياً ومتسقاً مع مبدأ التناسب. إيران لم تُثبت أي منهما. استهداف أراضي دول عربية ذات سيادة رداً على سياسات الولايات المتحدة ليس ضرورياً، إذ ما تزال قنوات دبلوماسية والأمم المتحدة متاحة، ولا يتسم بالتناسب، لأنه يفرض عواقب عسكرية على دول ليست طرفاً في أي نزاع مع إيران.

يقرأ  أستراليا المفتوحة ٢٠٢٦ — سيباستيان أوفنر يحتفل مبكرًا قبل أن يخسر أمام نيشيش باسافاريدي في التصفيات

ومن العناصر الحاسمة أن للمادة 51 بعداً إجرائياً إلزامياً، إذ تُلزم أي دولة تستخدم الدفاع عن النفس بإخطار مجلس الأمن فوراً. إيران تملصت باستمرار من هذا الالتزام في كل تصعيد قامت به. قد يبدو هذا تفصيلاً ثانوياً، لكنه في الواقع الوسيلة التي يَتحقق بها المجتمع الدولي ويتحقق من دعاوى الدفاع عن النفس ويفرض عليها رقابة. الدولة التي تتملص من هذا الإجراء لا تطبّق المادة 51، بل تستغل لغة المادة لصالح اجتهاداتها الخاصة. (ملاحظة: هنا وقع خطأ مطبعي بسيط)

تفسير إيران للقرار 3314 تشويه جوهري

تنص الفقرة 3(و) من ملحق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (السنة 1974) على أن فعل العدوان يشمل “عمل دولة تسمح باستغلال إقليمها، الذي وضعته تحت تصرف دولة أخرى، لاستخدامه من قبل تلك الدولة لارتكاب فعل عدوان ضد دولة ثالثة”. قد تستند إيران إلى هذا النص لمحاسبة دول الخليج المستضيفة للقواعد العسكرية الأميركية على أي فعل عدوان يُرتكب من أراضيها ضد إيران. إلا أن مجرد وجود قواعد عسكرية لا يكفي لاعتبارها أهدافاً عسكرية مشروعة؛ ذلك يعتمد على مساهمتها الفعلية في الأنشطة العسكرية ضد إيران وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

وبهذا الشكل، يكون تفسير إيران خاطئاً لثلاثة أسباب قانونية مميزة.

أولاً، القرار 3314 ذو طابع تعريفي. اعتمد لمساعدة مجلس الأمن في تحديد متى يكون قد حدث اعتداء، وليس لمنح الدول سلطة أحادية لمعاقبة الدول المزعومة بأنها ارتكبت عدواناً باستخدام القوة. القرار نفسه، في مادته 2، يقر بسلطة مجلس الأمن في تحديد ما يشكل اعتداءً. إذن التطبيق الذاتي للفقرة 3(و) يُستبعد تماماً.

ثانياً، الفقرة 3(و) تتحدث عن الإطلاق الفعّال لهجوم، لا عن الاستضافة السلبية لقاعدة عسكرية. التمييز القانوني هنا أساسي. الدولة التي تبرم معاهدة دفاعية وتستضيف قوات دولة أخرى على أرضها تمارس سلطة سيادية، أما الدولة التي تطلق أو تنسق أو تمكّن ضربات عسكرية ضد طرف ثالث فتكون قد ارتكبت فعلًا مختلفاً جوهرياً. إيران لم تقدّم دليلاً مقبولاً يثبت الحالة الثانية. وجود قوات أو قواعد أميركية في الخليج كانت حقيقة لعقود ولم تشكّل، وفق أي معيار قانوني، عدواناً مسلحاً ضد إيران.

يقرأ  المجلس العسكري في بوركينا فاسويبعد مسؤولاً أممياً رفيع المستوى على خلفية تقرير بشأن حقوق الأطفال

ثالثاً، حتى لو افترضنا تطبيق الفقرة 3(و)، فالمسار الصحيح هو إحالة المسألة إلى مجلس الأمن، لا شن ضربات عسكرية أحادية. قرارات الجمعية العامة غير ملزمة لا تتجاوز أحكام الميثاق. لا يمكن لإيران أن تستند إلى قرار تعريفي غير ملزم لتجاوز متطلبات الفصل السابع لاستخدام القوة أو معايير المادة 51 الواضحة.

لا يمكن أن تُملى السيادة من تفضيلات استراتيجية لجار

باسنادها لمبدأ حسن الجوار، تطلب إيران من دول الخليج إنكار حقوق الإيواء والتمركز للولايات المتحدة. حسن الجوار مبدأ ذو اتجاهين، ولا يجيز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبالذات ليس التدخل في قراراتها لأن هذه القرارات تُعد مزعجة للدولة المتدخلة. لكل دول الأمم المتحدة الحق المتأصل في إبرام معاهدات دفاعية مع من تختار، وهذا قائم بغض النظر عن آراء جيرانها.

ازدواجية موقف إيران ملفتة وتفقده مشروعيته. إيران نفسها لديها علاقات عسكرية فاعلة مع روسيا والصين. تموّل وتسلح وتدرّب وتدعم أنشطة فاعلين مسلحين غير دوليين في لبنان وسوريا والعراق واليمن. قوة القدس التابعة للحرس الثوري تعمل علانية في دول عدة، وقد وثّقت تقارير لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة وغيرهم ذلك بتفصيل. وفق المعايير التي تطبقها إيران على دول الخليج، فإن أي دولة تستضيف أنشطة للحرس الثوري أو نقل أسلحة إيرانية أو تنسيق وكلاء إيرانيين على أراضيها ستكون متورطة في عدوان ضد أطراف ثالثة. إيران لن تقبل بهذا المبدأ عند تطبيقه عليها. المبدأ القانوني الذي يرفضه الطرف الذي سيُنطبق عليه ليس مبدأ قانوني، بل أداة سياسية.

عقيدة تقوّض المصالح الاستراتيجية لإيران نفسها

من منظور نظريات العلاقات الدولية، موقف إيران يتبع منطق الواقعية الهجومية، التي تسعى لتفكيك هندسة التوازن الخارجي لدى الجيران الإقليميين باعتبارها عدائية بطبيعتها. لكن هذا المنهج مثبَت أنه ذاتي الإضرار.

وبموجب نظرية موازنة التهديد، الدول تتفاعل مع القدرة الهجومية والقرب الجغرافي والنوايا العدائية. عقيدة إيران، في تأكيدها على الحق بضرب أي دولة تستضيف قوات تعتبرها تهديداً، تزيد كل متغيرات التهديد إلى أقصى حد لكل دولة في المنطقة. النتيجة البديهية، والظاهر في البيانات، أن الدول الإقليمية والجهات الخارجية تصبح أكثر وليس أقل تكاملاً أمنياً. وجود قاعدة الأسطول الخامس الدائمة في البحرين، تفاوض الإمارات على طائرات F-35، نشرات السعودية لأنظمة ثاد، وتوسيع قطر لقاعدة العديد هي ردود فعل على تصعيد إيران، لا مسببات له.

يقرأ  تتواصل تداعيات حادث القطار في إسبانيا بينما يحقق المحققون في «فجوة» في القضبان

ومن منظور البنائية، شرعية الحجة القانونية تعتمد جزئياً على المصداقية المعيارية للدولة التي تقدمها. سجل إيران في الامتثال لمتطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم إلى مستويات نقاء بلغت 60% أو أكثر في 2023–2024، والتدخل في عمليات التفتيش، وإزالة كاميرات المراقبة، وانتهاكها العام لنظام عدم الانتشار، قد أضعف مصداقية الدولة بشكل كبير. الدولة التي تنتهك النظام القانوني لا يمكنها أن تزعم أنها طرف ملتزم بالسعي لحماية نفسها بمقتضى هذا النظام.

الحجة القانونية لإيران كانت دائماً خاطئة نظرياً. وما حدث منذ 28 فبراير 2026 جعل أفعال إيران خاطئة أخلاقياً وسياسياً. إيران لم تستهدف الأصول العسكرية الأميركية فحسب. الواقع الآن موثق ولا يقبل الجدل: أُطلقت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه دول الخليج في أيام افتتاحية من النزاع. هذه كانت المرة الأولى التي يهاجم فيها فاعل واحد جميع دول مجلس التعاون الست في وقت واحد. إيران صعّدت هجماتها على مراحل متعمدة: اليوم الأول: صواريخ إيرانية على قواعد عسكرية. اليوم الثاني: صواريخ على بنى تحتية مدنية ومطارات. اليوم الثالث: صواريخ على قطاع الطاقة. الأيام الثالثة والرابعة: تم استهداف السفارة الأميركية في الرياض من قبل إيران. مطارات دولية في دبي وأبوظبي والكويت تعرضت لهجمات صاروخية إيرانية ما أدى لتعليق الرحلات في جميع أنحاء المنطقة. وثّقت مقاطع من البحرين هجوماً بطائرة شاهِد على مبنى سكني. هذا ليس دفاعاً عن النفس؛ هذا عقاب جماعي لدول ذات سيادة بذلت شوطاً طويلاً لتجنب الصراع.

حجة إيران تنهار أيضاً عند النظر إلى طبيعة الأهداف التي قصفتها. عقيدتها كانت تقول إن الأهداف المشروعة هي فقط تلك المشاركة في التحضير أو الإطلاق لهجوم ضد إيران. المطارات المدنية ليست قواعد عسكرية. الفنادق في بالِم جميرا ليست مراكز قيادية عسكرية. مجمّع سكني في المنامة ليس مخزناً للأسلحة. وفق المعيار القانوني الذي طرحته إيران بنفسها، لم تكن أي من هذه الأهداف مشروعة، ومع ذلك فُوجئت الهجمات عليها. لم تكن تلك عقيدة قانونية من الأصل؛ كانت ذريعة للترهيب، وسلوك الحرب كشف ذلك بوضوح.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعود للمؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق